علجية عيش - الأمير عبدالقادر الجزائري كان أكثر تأثرا بالنقشبندي ومحي الدين ابن العربي

في معركة المقطع عام 1835 رفض الأمير عبد القادر الإعتراف بالسيادة الفرنسية
(قر اءة في مذكراته )


مذكرات الأمير عبد القادر هي عبارة عن سيرته الذاتية كنبها في السجن سنة 1849 نشرت لأول مرة، سرد فيها رحلاته و علاقاته بالشعوب و الأمراء و الملوك و العلماء و الشيوخ المتصوفة، و البلدان التي أقام فيها في كل رحلاته ، و فيها روى عن أخبار الأديان و الحضارات وعن أخبار مكة و المدينة المنورة و عن معاركه التي خاضها دفاعا عن الإسلام و قضايا أخرى، فهو يستحق وعن جدارة لقب المؤرخ ولقب الخطيب و رجل الدعوة و رجل السلام كما يستحق لقب المنظر الديني و المنظر السياسي و المنظر العسكري و لقب الشاعر و الفيلسوف
353045051_1231684414378315_3122974093426337596_n.jpg


في هذه الورقة سيكون الحديث عن الأمير عبد القادر الإنسان المتسامح من خلال ما جاءت به الكتابات وما تحلى به من صفات و خصال، وليس عن رجل الحرب و المقاومات، و ينحدر الأمير عبد القدر الجزائري إلى أسرة أهل البيت فهو سليل الأنبياء عليهم السلام ، ولد في شهر رجب من سنة 1222 م بالقيطنة على مشارف وادي الحمام و هي قرية على بعد 28 كلم من مدينة معسكر مقر أسرته و القيطنة اختطها جده مصطفى بن المختار سنة 1206 هجرية و منها ولد الأمير عبد القادر و عرفت آنذاك إشعاعا دينيا و ثقافيا معتبرا بفضل زاويتها القادرية الشهيرة ( زاوية القيطنة) و قد هدمها الجنرال بيجو في سبتمبر 1841م و هي اليوم بلدية تابعة لدائرة بوحنيفية ولاية معسكر، كانت القيطنة محطة الزائرين في حياة الجد مصطفى الغريسي، حسبما جاء في مذكراته فقد شب الأمير عبد القادر شبابا لم يشبه أهل زمانه و منذ كان في طفولته يافعا يتخلق بالأخلاق الحميدة و الأوصاف النبيلة، استجمع خصال الكبار المكلفين من أحوال دينية كـ: المُجَاهَدَة ،كما أخذ التفسير و الفقه و الحديث عن والده و عن شيوخ آخربن منهم عبد القادر المشرقي الذي أخذ عن الشيخ الشريف سيدي محمد المنور التلمساني المعلوم نسبه و قبره ببلاد شرفاء الحبوسة و شيوخ آخرين ذكرت اسماءهم في الصفحة 51 من مذكراته.
فما جاء في هذه الكتابات أن الأمير عبد القادر رجل سلم و سلام و حكمة و قدوة و رجل حوار و تفاوض، فقد كان يجمع بين نعومة الحرير و صلابة الحديد، نعومة الحرير في مسايرة الحقائق غير مفترضة و لا مختلفة و صلابة الحديد و ثبات الجبال على حدود العقيدة و الأخلاق، مكنه ذلك من اختياره للإمارة و يكون قائدا للأمة يتولى شؤونها السياسية و العسكرية و سنه لا يتجاوز الرابعة و العشرين لتأسيس دولة إسلامية عربية، و هذا لما عرف عنه بالشهامة و قوة الشكيمة و الرأي السديد، لقد نظم الأمير عبد القادر دولة و أحسن تنظيمها و رتب الجيش نظاميا، و تولى فك النزاعات لأنه كان جديرا بالثقة ما جعله يتحمل مسؤولية الجهاد و حمل رايته ، و لحنكته استطاع الأمير عبد القادر توحيد القبائل المشتتة و توحيد الجيش الجزائري ، كانت تجربة خطيرة لكنها كانت ناجحة، في شهادته يقول الدكتور محمد الطيب العلوي أن من أهم المميزات الخاصة بالأمير عبد القادر انه المقاوم الوحيد منذ الإحتلال حتى عام 1954 الذي ربط الجهاد بمبدأين ضحى من أجلهما و في سبيلهما حتى النهاية و هما: وحدة التراب الوطني و السيادة الوطنية الإنسانية في الوقت الذي لم يتجاوز غيره من رجال المقاومة حدود القبيلة و المنطقة.​
202295259_338273797810293_3583607696099335763_n.jpg

كان الأمير عبد القادر من بين عظماء الإنسانية رمزا و قدوة منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى اليوم و رغم أنه رجل سلام، إلا أنه في مواقفه نقف مع الرجل الصّارم و نلمس صرامته في معركة المقطع عام 1835 و رفضه الإعتراف بالسيادة الفرنسية، حيث وقف ندا للند أمام الجنرال تريزل، هذا الأخير الذي حاول القضاء عليه و لم يفلح، لأن هذه المعركة أضعفت من قوة الجيش الفرنسي، في حين نجد الجنرال بيجو يعترف بإنسانية الأمير عبد القادر من خلال رسالته التي وجهها إليه، جاء فيها ما يلي: أستطيع أن أعرض عليك السلام...، فإذا كنت تنصت لصوت الإنسانية و الحكمة فابعث إليَّ رجالا تثق فيهم ليحملوا إلي مقترحاتكم لكي أحولها إلى ملك الفرنسيين، و على إثر هذه الرسالة تم التوقيع على عاهدة تافنة بين الجنرال بيجو و الأمير عبد القادر، إلا أن الفرنسيون خرقوها قبل أن يسعى يهود الجزائر بقيادة يهودا بن دوران إلى إفشالها، هذه المعاهدة تعد نصرا سياسيا و مكسبا استراتيجيا لحكومة الأمير عبد القادر.

رؤية الأمير عبد القادر للأخر

نقف مع إحدى مواقفه مع الفتنة التي وقعت بين الدروز و المسيحيين في عهد الحكومة التركية ، عام 1860 لعب فيها الأمير دورا كبيرا في توفير الحماية لكثير من عائلات المسيحيين و قناصل دول أوروبا في دمشق الذين لجأوا إلى بيته طلبا للحماية، و هذا أمر طبيعي و بديهي لأنه معروف على المسلمين تسامحهم مع اصحاب الديانات الأخرى أهل الكتاب، حيث عاش المسيحيون و اليهود آمنين مطمئنين على أنفسهم و أموالهم و ممتلكاتهم تجت نظام الدولة الإسلامية، فقد استطاع الأمير بهذه الصفات و الخصال أن يحمل خصومه إلى مقام الإنسانية و ضمّهم إلى أخوة أممية فكان خبيرا صوفيا فيلسوف يرى الدنيا ألعوبة لا صبيا هلوعا و كل سلطة في نظره كانت مجرد وهم و سراب، فالأمير يجسد بحق "الأنموذج" المُحَمَّدِي في تشخيصه للإنسان الكامل الذي يعكس في الأفق القرآني صفات الله لدرجة أن البعض وصفه بـ: "المرشد الروحاني"، لأنه حارب الجهل و دفع الأمة إلى طريق النور و الهداية، كانت هذه رؤية الأمير عبد القادر لـ: الآخر وهي غشكالية لا يمكن أن تكون إلا انطلاقا من تدرجه في مراتب التصوف والعرفان وكيف كانت تتطور رؤيته إلى الآخر انطلاقا من تدرجه في المراتب الروحانية والصوفية ومقاماته وأحواله التي استطاع بلوغها، وانطلاقا أيضا من تنقلاته الجغرافية أو المكانية من الأرض الجزائرية والمغاربية مرورا بفرنسا وأوربا ثم الاستقرار في الشام والمشرق العربي بما فيه من عناصر ثقافية وحضارية متميزة، فرؤيته للآخر مابعة من شخصيته المتميزة التي جمعت بين مطالب التصوف والدين ومطالب السياسة والحرب في إطار الخصائص الإنسانية للحوار والتسامح والعيش المشترك و التعايش بين الحضارات والديانات. و قد جعل الأمير عبد القادر من الأسر فضاء للتامل و لتدبر و النظر في احوال البشر كافة فكان الأسر مدخلا للحوار الديني والحضاري والتعرف على الآخر، ثم أخيرا استقراره بالشام وما نتج عنه من نضج فكري.

و رغم أن الأمير عبد القادر يحمل فكرا تنويريا إلا أنه عرف أيضا بالمعلم الصمدي لمواقفه الصوفية، فقد سقي الأمير عبد القادر من عذوبة المشارف الدرقاوية ، قال عنه الدكتور فهد سالم خليل الراشد: " لقد جمع الأمير عبد القادر الجزائري كل الصفات التي يتصف بها القائد المرشد، فهو الفارس و المرابط و الملازم، وكان عظيما في سلوكه و في روحه و هو في أوجّ مقاومته لتحرير بلده من العدوّ الأجنبي، لعل هذه الصفات التي فاقت حدود الإنسانية، هي في الحقيقة صفات لا يتصف بها سوى الأنبياء و الرسل ولا يبلغ درجتها إلا عظيم ، و إذا كان الحديث عن الأمير عبد القادر الإنسان، فالحديث أيضا عن الأمير العاشق للطبيعة، فهو كما يقال ابن بادية أخذ من الطبيعة بكل ما تحويه من شمس و خضرة و بساتين و طيور، فكان قلبه ينبض لها إلى درجة الهيام، حيث نقف مع قصائده التي كان يكتبها، حتى أن الجنرال دوما كان يحب فيه بداوته و عشقه للخيل و حبه للتأمل تحت الخيام ، كان حبه للبداوة فطري، هذا ما أكدته جل الكتابات التي أرخت لشخصية الأمير عبد القادر، هذا الحب جعله يتمسك بالأرض التي كانت تمثل له العرض و الشرف، فهو قبل كل شيئ رجل دين قبل أن يكون رجل سياسة أو رجل حرب، و ذلك نتيجة لتربيته بين ظهراني الزاوية القادرية.

تأثر الأمير عبد القادر برجال الصوفية

ما قيل عن الأمير عبد القادر أنه ليس رجل حرب فقط بل رحّالة و منظر و مفكر وفيلسوف، جمع بين السيف و القلم فكان الرجل المعجزة، كما كان رجل متصوف بحكم أنه ابن زاوية ، فمما رواه في رحلاته أنه التقى بأعيان الصوفية إذ يقول: فتبركنا بهم و تعلقنا بشيخهم السالك المسلك، الجامع و الظاهر و الباطن، المضمار المحصل، الفتح الرباني و هو يقصد بذلك الشيخ النقشبندي المحقق المدقق للأصول و الفروع، اسمه الكامل أحمد بن حسين النقشبندي الكردي، و كان الأمير عبد القادر يداوم على حضور حلقاته لما له من فضائل الجمع من الإشراق و يعرف بالشيخ خالد، ولد بشهرزور، هاجر إلى بغداد ثم إلى الشام و توفي بدمشق، انتسب إلى الطريقة النقشبندية في دلهي و اصبح له عددا كبيرا من المريدين في مختلف انحاء تركيا و البلاد العربية و أدى إلى الدعوة إلى مذهب جديد حيث رماه بعض المتأخرين بالكفر و الزندقة و رغم تاثره بالأرجاء الشامية و تبركه بأهل الفضل الأول، يبدوا أن الأمير عبد القادر كان أكثر تاثرا بطيبة، كما كان معجبا ببغداد و متأثرا بعلمائها وفي بغداد زار الأمير عبد القادر ضريح الشيخ عبد القادر الجيلالي و أخذ بركاته وهو يدخل دمشق بلغه نعي الشيخ النقشبندي فكان أكثر تاثرا لوفاته و بلغه الخبر أن أهل الحرمين صلوا عليه بعدما نعته خصومه بالكفر و الزندقة.

لم يكن الأمير عبد القادر الجزائري متأثرا بالنقشبندي فحسب، بل كان أكثر تأثرا بعالم الكلام الصوفي محي الدين ابن العربي، الذي جسّد وحدة المذاهب والأديان من خلال ما له من أثر على الفكر الإسلامي (سُنّة وشيعة) وعلى الفكر الإنساني بتعدد دياناته (الإسلام والمسيحية واليهودية وحتى الوثنية)، ونقرأ ايضا أن الأمير عبد القادر أنه أخذ جوهرة البيان والمنطق عن بعض علماء وهران كالشيخ محمد بن نقريد والشيخ بن جلول وغيرهم، وأخذ جملة العلوم التي حصلها من علماء فاس كالشيخ عمر الفاسي والمسناوي، والفقيه الزروالي والشيخ إدريس العراقي، ما يمكن استنتاجه أن الأمير عبد القادر الجزائري تاثر فعلا بشيخه ابن العربي، فحمل عنه رداء الصوفية، فكانت له دلالات الرؤية الكمالية التي يحملها للعالم كله، كما ـاثر بالشيخ الدرقاوي الذي كان يمثل العين النابضة بالحياة الصوفية، وقد تم له ذلك على يد الشيخ محمد بن مسعود الفاسي وارث السجادة الشاذلية، للإشارة أن مذكراته حقق فيها دكاترة ثلاث و هم: محمد الصغير بناني، محفوظ سماتي و محمد الصالح ألجون، صدرت عن شركة دار الأمة الطبعة السابعة 2010 ، أشرف على هذه المذكرات الفقيه مصطفى بن التهامي صهر الأمير و خليفته و صديقه المقرب و قام بتصديرها الدكتور أبو القاسم سعد الله، في هذه المذكرات نلمس ان الأمير عبد القادر رجل مقاوم ، يحمل في جيناته صفات المرابطة و هي صفة تطلق على كل من توفرت فيه خصال معينة مثل الصبر و المواظبة و القوة و الشدّة و الجدّ و المثابرة و الإجتهاد و الجهاد و المحافظة و الإلتزام و الترصد

ورقة علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى