كنا فوق الأرض… لا مع الأحياء، ولا بين الموتى.
نصارع الجحيم، وننسج خيوطًا واهية من الأمل.
أنا وقبرنكئيل، نتحصّن في الخطوط الأمامية، نعدّ أنفاسنا بين مدفع ومدفع، نُصلّي صمتًا، كي لا يُقتل الدعاء في حنجرتنا قبل أن يكتمل. الدعاء، ذاك الذي ورثناه من أصوات الحبوبات ، حين كانت السماء أقرب من البنادق.
كان الفجر ينسلّ من بين الضباب كحيوانٍ جريح، يرتجف معنا، نلملم بقايا أرواحنا التي مزّقها الليل.
ذاك الليل…
لم يكن للنوم، بل لصوت الرصاص، رصاصٌ لا يعرف التعب.
الفجر لم يُنقذنا، بل بَعثَ فينا شيئًا يشبه الاستسلام، كأننا نفتح وجوهنا لنور الله بعد ليلٍ طويل من جهنم.
قبرنكئيل كان يستعد للسفر، إجازة انتزعها من فكّ القادة، ليلمح وطنه في عيون طفليه، وليلامس أهداب الحنين بدموعٍ لا تجيد البكاء.
لم يرهما منذ عامٍ ونصف، منذ أن اشتعلت حربٌ لم نعرف من أشعلها… ولا لماذا.
كنا فقط هناك، ننقّب في العدم، وننفّذ أوامر لا تحتمل السؤال. نقاتل أشباحًا لا وجوه لها، ونحمل بنادق لم نؤمن بها. هل كنا نحمي أنفسنا؟ أم نُتمّ جريمةً لا نعرف بدايتها؟
كنت أعدّ الجثث، تسقط كما تتساقط الحجارة في لعبة أطفالٍ دموية.
ثم…
دويّ مزلزل، غبار، دمٌ يتطاير. لطّخ شيئًا من بدلتي، فصرختُ: قبرنكئيل! بصوتٍ هستيري
ركضت في كل الاتجاهات كمن يحرث الأرض بعينيّه وقدميه كالثور الأعمى.
جلست تحت شجرة، شاهدةٍ على الهلاك، والمكان يشهق برائحة الدماء والبارود… حتى سقط عليّ شيءٌ من السماء: رأسه.
تجمّدت.
رعشةٌ…
عرقٌ بارد، وربما، سال مني شيء من طفولتي القديمة.
قمتُ، ألملم ما تبقى من إنسانيتي، جمعتُ أشلاءه في ملاءةٍ ككفنٍ منسي، واختضبت يداي بدمه، كأنني أزرع جسده في الأرض.
تقرفصتُ قربه، تناولت إفطاري، وبكيت، بصمتٍ طويل، والدموع تنسلّ فوق وجهي الملطّخ بدمه.
الدماء لا تزال على يديّ، ولا وقت للغسل. شاحنة الخبز اليابس ستأتي كعادتها، ترمي لنا فتات الحياة، وتحمل ما تيسر من موتنا… وما تبقي من قبرنكئيل.
نصارع الجحيم، وننسج خيوطًا واهية من الأمل.
أنا وقبرنكئيل، نتحصّن في الخطوط الأمامية، نعدّ أنفاسنا بين مدفع ومدفع، نُصلّي صمتًا، كي لا يُقتل الدعاء في حنجرتنا قبل أن يكتمل. الدعاء، ذاك الذي ورثناه من أصوات الحبوبات ، حين كانت السماء أقرب من البنادق.
كان الفجر ينسلّ من بين الضباب كحيوانٍ جريح، يرتجف معنا، نلملم بقايا أرواحنا التي مزّقها الليل.
ذاك الليل…
لم يكن للنوم، بل لصوت الرصاص، رصاصٌ لا يعرف التعب.
الفجر لم يُنقذنا، بل بَعثَ فينا شيئًا يشبه الاستسلام، كأننا نفتح وجوهنا لنور الله بعد ليلٍ طويل من جهنم.
قبرنكئيل كان يستعد للسفر، إجازة انتزعها من فكّ القادة، ليلمح وطنه في عيون طفليه، وليلامس أهداب الحنين بدموعٍ لا تجيد البكاء.
لم يرهما منذ عامٍ ونصف، منذ أن اشتعلت حربٌ لم نعرف من أشعلها… ولا لماذا.
كنا فقط هناك، ننقّب في العدم، وننفّذ أوامر لا تحتمل السؤال. نقاتل أشباحًا لا وجوه لها، ونحمل بنادق لم نؤمن بها. هل كنا نحمي أنفسنا؟ أم نُتمّ جريمةً لا نعرف بدايتها؟
كنت أعدّ الجثث، تسقط كما تتساقط الحجارة في لعبة أطفالٍ دموية.
ثم…
دويّ مزلزل، غبار، دمٌ يتطاير. لطّخ شيئًا من بدلتي، فصرختُ: قبرنكئيل! بصوتٍ هستيري
ركضت في كل الاتجاهات كمن يحرث الأرض بعينيّه وقدميه كالثور الأعمى.
جلست تحت شجرة، شاهدةٍ على الهلاك، والمكان يشهق برائحة الدماء والبارود… حتى سقط عليّ شيءٌ من السماء: رأسه.
تجمّدت.
رعشةٌ…
عرقٌ بارد، وربما، سال مني شيء من طفولتي القديمة.
قمتُ، ألملم ما تبقى من إنسانيتي، جمعتُ أشلاءه في ملاءةٍ ككفنٍ منسي، واختضبت يداي بدمه، كأنني أزرع جسده في الأرض.
تقرفصتُ قربه، تناولت إفطاري، وبكيت، بصمتٍ طويل، والدموع تنسلّ فوق وجهي الملطّخ بدمه.
الدماء لا تزال على يديّ، ولا وقت للغسل. شاحنة الخبز اليابس ستأتي كعادتها، ترمي لنا فتات الحياة، وتحمل ما تيسر من موتنا… وما تبقي من قبرنكئيل.