محمد بشكار - في المعرض لكلِّ أجلٍ كتاب..!

اللعْبَة التي غدونا نُعزِّي بتسليتها أنفسنا، بعد أن نعود من المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، هي أن نهرع بشوقٍ لا يُضاهيه عِشْقٌ إلى عُقْرِ فايسبوكنا الأثير، نفتحه لنُلْقِي التحية على النَّرْجس الذي نربِّيه أسود في ذواتنا؛ نفتح فايسبوكنا لا حرمنا الله من فضله قبل أي كتاب تأبَّطناهُ شِعراً أو شراً، لنختصر كل أروقة المعرض في رحابة فضاءاتها التي بَدَتْ هذه السنة أجمل تأثيثاً ، في الرواق الوحيد و اللانهائي لأخدود الفايسبوك، لنقرأ بِنِيَّةٍ لا تحتاج أن نكْتري شقَّة كي نُبَيِّتها، ما ارْتَسَمَ أو ما احْتَشَمَ في الوجوه من تعابير لا يمكن أن تخدع مُغفَّلاً حتى لو ادعت بما أوتيت من أقنعة ما ليس في قرارة النفس من حيْرةٍ و أسى؛ نرى في معرض الكتاب الذي في الفايسبوك وجوهاً دون أن أستثني وجهي، تُوقِّع كتاباً جديداً أو تُقدِّم بحنجرة أطول من الميكروفون مُداخلةً في قاعةٍ خرساء لا تتجاوز ستة أنفار دون أن ننسى الكراسي التي كانت بوقْع فراغها على النفوس أبلغ صخباً من أي ازدحام، و مع ذلك تُكابر هذه الوجوه كي تُظهر بما يُشْبه تلبيس إبليس فرحاً ينتظر فقط أن ينصرف إلى غيمه بعيداً عن الأنظار لينهمر بالبكاء..!

كل الوجوه التي انتقلتْ من معرض الكتاب مباشرةً إلى الفايسبوك لتنْفرجَ ببعض الأسارير، لم تسْتَطِعْ أن تُداري بالفرح الكاذب حزنها، و هي تقصفنا بصُورٍ لا تُظهِرُ من جغرافيا اللقاء إلا تلَّةَ المِنصَّة حيث يصطفُّ المتُدخلون في النَّدوة، دون أن تتَّسع العَدَسة لتشْمَلَ كل القاعة، خِشْية أن يُفْسِدَ فراغها جمالية الصورة؛ و ذلكم لعَمْري عين العَقل و ليس عمىً مقصوداً من المُصوِّر، لأنَّ الله أمَرَ بالسَّتْر..!
يَجْدُر أن نكون بنَّائين في نقدنا ليس بلغة الإسمنت و الخشب و الآجر، و لكن برجاحة رأي مُتوازِن يضرب كما بالكَيِّ الذي يعتبر آخر الدواء، مكْمَنَ الخَلَل فينا، دون أن يسْعى في نقده إلى أن يكون نِكَديّاً و هداّماً يُخرِّبُ الموضع السليم من هذه التظاهرة الثقافية السنوية التي نسْتقبلها بالذراعين الواسعين للكتاب؛ لقد اكتنف معرض الدار البيضاء في نسخته الثانية و العشرين، برنامجاً غنيا بندواتٍ و أماسي و لقاءاتٍ متنوعة في ضيوفها و مضامينها، و لا تخلو من قيمة معرفية مُضافة في شتى الحُقول؛ تُراثا و أدباً و تاريخاً و فنّاً و علوماً، بحيث يُمكن للزائر أن يجد رأسهُ في الإهتمام الذي يشغُلُ تفكيره؛ و لكن أين هذا الزائر لمعرض الكِتاب الذي ليس مُطالباً أن يَحْشُد مع الندوات التي سطَّر برنامجها، الجمهور لتمتلىء القاعات كما يصنعُ السياسيون في المهرجانات الخطابية؛ لقد كَسَدَتْ سوق الثقافة و امتد الخراب إلى عقولٍ رغم أنها توجد في رأسٍ بطبيعتها كُرويَّة، إلا أنها توثر الانحدار للعب بالقدم على أن ترقى حضاريا للتفكير بالقلم؛ و إذا أردنا أن نقيس عقدة هذا الموات الثقافي، المنكفئة كالقنفذ بمأساتها الشائكة في جوارحنا، سنجد أن لرقعتها الجغرافية امتداداً في القبر يسع الوطن العربي و ليس المغرب فقط؛ أجل فقدت الثقافة جمهورها و صار كلُّ صُنَّاعها من الأدباء و المُفكرين و الفنانين و العلماء، ينشُّون الذباب إذا لم يتخلَّف هو أيضاً برائحةٍ أو أخرى عن الموعد..!
نتوق إذا ما بقي في أعمارنا معْرضٌ آخر للكتاب، العمل على أن تُصادِف دورة السنة القادمة إحدى العُطل الدراسية، حتى تتمكن شريحةٌ أوسع من التلاميذ و الأساتذة والباحثين، من اغتنام أيام في رزنامة فعالياته، و أن يَفْصِل المعرض في برنامجه الندوات و اللقاءات الثقافية عن
الصبيحات التي تشهد إنزالا غفيرا للأطفال، بأنْ تُخصَّصَ لوجباتها الدَّسِمة موائدَ هادئة في المساء حتى يسمع كلُّ متدخل ما يقول..!
أرفع كفي لأتحسَّسَ وجهي هل ما زال في موضعه أم سرقهُ مني الفايسبوك الذي لن يُعوِّضنا مهما برَع بكل المساحيق لتجميل بعض القُبح، خسارتنا الثقافية الفادحة التي تعيشُ فُصاماً حاداً و مُزْمِناً عسى نعود قريباً من جنونه إلى رُشْدنا؛ و لَشَدَّ ما يُؤلمني هذا الإغتراب الماكر و المُخاتل حين يجعل الريح تهرب بكل ما في قفتنا المعرفية ، ليتركنا عُراةً من كل ثقافة و تفكير، و يزداد ألمي حين أنظر لمن يعيشون نجومية مُفترضة في الفايسبوك، بمجرد أن ينزلوا إلى أرض الواقع حيث المِحك الحقيقي للوجود الثقافي من عدمهِ، ينطفئون مع كل النجوم التي غذوا في سماء أنفسهم وهمها و ليس ضوءها؛ و يتَّضح أن لا أحد يعرف كاتباً أو شاعرا أو فيلسوفاً، لا بالإسم و لا بالصورة، فبالأحرى أن يعرفه بكتابٍ لن يشتريه ولو بِدافع الخير والإحسان؛ لكأن المثقف صار ميتا في الحياة برُمَّتِها وليس فقط في المعرض حيث لكل أجَلٍ كتاب..!


(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 25 فبراير 2016)



1750674440128.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى