محمد بشكار - تلميذ مع وقْفِ التنفيذ..!

ليس مَعِيباً أن نحمل في أذهاننا طاولةً بِقِمَطْرٍ و كرسياً بحافرين، لِنُربِّع في حيِّزهما أيدينا مع أرجلنا كالتلاميذ النُّجباء الذين لا يضيقون بالإنضباط سجنا، لأن الحياة تبقى دائما مدرستنا الكُبرى للتعَلُّم حتى يُدركنا الموت بدرسٍ أخير لا نستطيع أن نُلقِّنه إلا بِعِبْرَةِ القبر للأجيال القادمة؛ لكن أشد ما يُغيظني أن يتَّخذ إنسانٌ من رأسه قُفَّةً بأذنين، ليحمل المشروع الفكري لغيره دون أن يُحرِّك ساكناً في دماغه ليجري بأفكار من عيِّنة دمه الشخصي، تجعله في كل التشابهات التي تَسْتَنْسِخُنَا نعاجاً عصيَّ التصنيف..!
يُغيظني إنسان لا يبرَحُهُ لقب التلميذ إلى أرذل العمر، ليس لأنه متواضعٌ و يعتبر التعليم لا ينتهي بسِن، بل لأنه يحمل على كاهل عقله الإرث الفكري لغيره ممن تتلمذ أو تجمَّد على يده التي لم يخلق الله أصابعها قضباناً في زنزانة، ليبقى طيلة ما يكتُبه أو يحاضر به أو يُدَرِّسه، بكل المنتديات الوطنية و الدولية، سجين أفكار شيخه الأستاذ أو الفيلسوف أو العالم أو الزعيم السياسي، الذي لو علم أن أعماله المنذورة للإنسانية جمعاء ستسلب بدون إنسانية من أحدهم حرية التفكير، لضرب رأسه عرض الحائط قبل أن يُحوله بعض السَّدَنَة الأبْرار إلى ضريح..!
أجل يُغيظني تلميذٌ يحمل بَدَلَ اسمه اسمَ غيره، و لا يتحدَّثُ إلا بالإحالة و المرجع دون أن يُعَبِّر عن ما يختلج في نفسه بِبَنْتِ فكرة، عِلْماً أن حتى البهيمة تملك مرجعاً في ذيلها الذي لا يصلح إلا لِنَشِّ الذباب..!
قد نُكذِّبُ أعيننا في ما تراه أحياناً، لكن لن نستطيع إلا أن نُصدِّق الصورة المُتكاملة التي يتخذُها شكل هذا التلميذ، حتى لو شَابَ انطباعيتها بعض السوريالية و هي مربوطة من عنقها في بِدلةٍ رسمية على بطاقة التعريف؛ كل الملامح بألمعيتها تدُلُّ على أنه نجيب، حاذق، مُنضبطٌ، و حافظٌ بذاكرة قوية لا تبلى حتى لو خزَّنَتْ في جمجمة ثلاجتها مع الإرث الفكري للأستاذ جثته التي حوَّلها إلى مومياءٍ في هرمٍ مُتنقِّل..!
قد نتفقُ أن ثمَّة من الأخلاق ما يُفسدُ الأخلاق، حين نُقْحِمُ أنفسنا اختياراً في عبودية أفكار الآخرين بأن نقُدَّها أصناماً؛ فنجد بين هؤلاء التلاميذ السَّحَرة من هو مُشْبَعٌ حد الجوع الروحي بِقِيم الإخلاص و الأمانة و الإنضباط التي يُحرز بها دائما في أي مؤسسة أفرغ في حوضها أفكار أستاذه أو سلفه الصالح، على علامات أحسن من جداً، فلا نستطيع إلا أن نحييه على أخلاقه الحميدة و نحن نعلم في قرارة أنفسنا الأمارة بالمكر، أنه يخدعنا بأخلاق هي منهجيته الوحيدة للوصول إلى أعلى المناصب و لا يضِيرهُ خجلا أن يمُرَّ على أكتافنا جميعاً..!
لا أحبُّ أن أكرهَ، و لكنني أكره تلميذا لا يُفلِحُ حتى لو خسر ذاته إلا تفانيا أو فناءً في نقل ما أنجزه غيره، فيسعى ليستخرج من نفسه نسخةً طِبْقَ الجسد و الروح من شخصية أستاذه أو سلفه الصالح، دون أن يترك ثَغْرةً من الشك بالحجم الذي يمكن بعوضة الإبداع و ما فوقها، أن تمُدَّ الساق لتلسعنا ببعض الإختلاف؛ أليس مثل هذا التلميذ من يَعيثُ فينا بأخلاقه الحميدة فساداً..؟!

(افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس 11 فبراير 2016)


1751190874926.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى