أ. د. عادل الأسطة - ربيع جابر(1--4)

"أميركا في نظر شرقي" أو "ثماني سنوات في الولايات المتحدة" هي سلسلة حلقات كتبها الدكتور فيليب حتّي من أساتذة الجامعة الأميركية في بيروت، ونشرها في مجلة الهلال المصرية في العامين 1922ـ1923، وقد جمعها وأعاد نشرها د. يوسف الشويري في كتابه "الرحلة العربية الحديثة من أوروبا إلى الولايات المتحدة" (1998)، وبدت الحلقات في سبع أدرجت تحت عناوين، واختير للحلقة الأولى عناوين بارزة هي: حيوية الشعب، الخفة والحركة، سرعة النقل والانتقال، وللحلقة الثانية عنوان حب العمل، وللثالثة فاعليتهم، وقد علل د. فيليب حتّي هذه الفاعلية، وللرابعة التعاون والانتظام، وللخامسة البداهة والإبداع، وللسادسة روح الديمقراطية وخصائص الديمقراطية الأميركية: بلاد الفرص السانحة، فيما اختار للسابعة عنوان مقام المرأة والأولاد.
ويبرز د. فيليب حتّي للأميركان صورة مشرقة، وأظنها صورة دفعت كثيرين من العرب للسفر إلى الولايات المتحدة والإقامة فيها والاستقرار هناك، وهي صورة ما عادت أكثر الأدبيات العربية تظهرها للولايات المتحدة منذ وقفت هذه إلى جانب إسرائيل منذ تأسيسها وحتى اليوم، وازدادت الصورة قتامة منذ احتل العراق ودمّر. ولعلّ قارئ الأدبيات العربية، وتحديداً الروايات، التي صدرت في العالم العربي في هذا القرن، القرن الحادي والعشرين، نادراً ما يقرأ شبيهاً لتلك الصورة المشرقة التي أبرزها د. فيليب حتّي. وإن قرأها القارئ العربي ففي أدبيات أفراد زاروا أميركا وكتبوا عن رحلتهم فيها هناك، غاضّين النظر عن المواقف السياسية للولايات المتحدة، مكتفين بتدوين مشاهداتهم والحديث عن تجربتهم الفردية، وكنت قرأت، في جريدة الأيام الفلسطينية، شيئاً من هذا، لبعض كتاب الأيام، مثل تحسين يقين وبسام الكعبي، ولا أنسى طبعاً ما كان كتبه في الطليعة المقدسية، أيام كانت تصدر، بعض كتابها ممن زاروا أميركا، ومنهم المرحوم محمد البطراوي، وثمة كتابة مشابهة لكل من الكاتب محمود شقير والكاتب جميل السلحوت. أما الروائيون العرب الذين كتبوا عن احتلال أميركا للعراق، فقد أبرزوا صورة سلبية لها. وقد تتفاوت هذه الصورة بين السلب والإيجاب في روايات روائيين مصريين، مثل رواية صنع الله ابراهيم "أمريكانللي: أمري كان لي" وعلاء الأسواني "شيكاغو" وعز الدين شكري نشير "عناق عند جسر بروكلين" وآخرين.
ويمكن القول إن صورة الولايات المتحدة بدأت، كما في نفس د. فيليب حتّي، إيجابية بعامة، وبدأت تتغير إلى أن غلب عليها الطابع السلبي، ما دفع بالرئيس الأميركي جورج بوش إلى تعيين مستشارة له، لكي تعمل على تحسين صورة أميركا في العالمين العربي والإسلامي، هي كارين هيوز، إن لم تخني الذاكرة.
في الكتابة عن أميركا في الأدبيات العربية يقف المرء أمام نوعين من الكتابة، أولهما كتابة تعتمد على الرؤية والمشاهدة، وثانيهما كتابة تعتمد على المصادر والمراجع والمرويات والمسموعات. وكنت توقفت قبل أسابيع أمام رواية الروائي اللبناني ربيع جابر "أميركا" (2009) وتفاجأت حين علمت أنه لم يزرها، ومع ذلك كتب عنها. ويختلف عن ربيع جابر اختلافاً كلياً د. فيليب حتّي، فقد أقام في الولايات المتحدة ثماني سنوات، ثم كتب عنها، ويصدّر الدكتور كتابته بفقرتين مهمتين جداً، سأوردهما على طولهما:
"الأميركي تلتقي به على جسر الأمم ـ جسر غلطة ـ في الأستانة، وتقابله في نهر شيرد هوتل، وتخالطه في الجامعة الأميركية في بيروت، ولكن الأميركي لا تفهمه كما هو، ولا تدرك حقيقة كنهه، وتحيط علماً بروحه وأخلاقه إلاّ في وطنه، في أميركا، كما أنه لا يمكنك درس طبائع الدب الأبيض في حديقة الحيوانات ولا عادات القرد الأفريقي في قفص "الفرجة" .. "للأميركي ميزات وصفات تجعله "أميركياً" وتميزه عن الإنجليزي وعن الألماني وعن الأفرنسي. فيه ذاتية وطنية، وروح خاصة، ونفسية معينة تقطن الوطن الأميركي وتقيم في بلاده.."
ويفصح د. حتّي بعد إيراد ما سبق عن مصادره في الكتابة، بالإضافة طبعاً إلى إقامته هناك ومشاهداته، بل واحتكاكه بالأميركان، فيكتب: "طالعت في هذا السبيل زبدة أبحاث الكتبة الأجانب الذين زاروا الولايات المتحدة ودرسوا أخلاق قومها، وما قاله الأميركيون عن أنفسهم، وعلّقت مذكرات في مفكرتي اليومية تتضمن خلاصة اختباراتي الشخصية وتأثراتي النفسية، وجمعت قصاصات من جرائد ومجلات أميركية متعددة، كل ذلك على أمل تدوينها يوماً من الأيام وتقديمها لخدمة الجمهور من متكلمي العربية، علّ العالم العربي يهمه الاطلاع على شيء من ذلك لما يربطه بالعالم الجديد من رُبط تهذيبية واقتصادية ولما بين العالمين من صلة المهاجرة". وقد خلص من تجاربه وقراءاته إلى اكتشاف أن النفسية الأميركية "تختلف باختلاف الزمان والمكان، وتتغير بدواعي التأثرات المتباينة، ولكن هناك مظاهر تظهر بالإجمال فيها، وهي ما نريد أن نتبينه في هذا المقال". (ص120/121).
هل بدت الصورة التي أبرزها حتّي لأميركا ولشعبها إيجابية في المطلق؟ في حلقات لاحقة، وتحديداً في الحلقة السادسة، سيتوقف هو نفسه أمام سؤال مثل هذا، لأنه لو أجاب على السؤال بالإيجاب لما كان أقنع الآخرين، ولربما لما كان أقنع نفسه، وسيتدارك ما قد يبدو تشكل لدى القارئ عن أميركا، وهو أنها خير كامل، لا شرّ فيها. يكتب مفصحاً عن طبيعة كتابته:
"ولقد حاولت في هذا المقال الحكم على الولايات المتحدة بأحسن ما فيها وبموجب القياس الذي يسير عليه الأكثرية، وكان بوسعي أن أصوّر مدنيتها بصورة سوداء مظلمة وآتي بصور فظيعة حقيقية تمثل الحياة الاجتماعية في القسم الشرقي من مدينة نيويورك وفي غيرها من المدن حيث الشقاء يعشش والرذيلة تبيض والجهل ضارب أطنابه. ولكنني بذلك لا أنصف الشعب بل ارتكب الجرم نفسه الذي يرتكبه بعض المبشّرين الذين يسوّدون صحيفة السوري في بلادهم بذكر نقائصه فقط". (191) ويضيف عن منهجه ورؤيته: "كل أمة يجب أن يحكم عليها بأحسن ما فيها. فبلاد الإنجليز هي بلاد شكسبير وملتون.. وفرنسا هي بلاد هيغو.. وروسو.." (ص191).
ومع إدراكه بأن الولايات المتحدة لا تخلو من وجه سلبي، إلاّ أن ما كتبه، في مقالاته/ رحلته/ كتابه، لا يأتي على شيء من هذا، سوى إشارته التي بدت في الأسطر المقتبسة أعلاه. وسيخرج المرء، بعد الانتهاء من قراءة ما كتب، بانطباع مشرق جداً عن الولايات المتحدة وشعبها. أهي عين الرضا التي هي عن كل عيب كليلة، ولهذا كتب عن أحسن ما في أميركا، خلافاً لكثير من روائيينا في ق21 الذين يكتبون بعين السخط، وهذه لا تبدي إلاّ المساوئ؟؟!
وغالباً ما يلجأ الكاتب إلى إجراء مقارنات بين ما يراه في أميركا وبين ما رآه وعاشه في الشرق، وغالباً ما أبرز للأخير صورة سلبية، كأنه كان ينظر إلى الشرق بعين السخط!! حقاً إن العنوان هو "أميركا في نظر شرقي"، لكن الكتابة تأتي أيضاً على الشرق في نظر شرقي، وهذا ما يلحظه القارئ في صفحات عديدة. الأميركي يعمل والشرقي يحلم (ص150) والشرقي يجامل والأميركي يبدو خشناً فظاً لأنه لا يجامل في مكان العمل (156) و.. و.. كتاب "أميركا في نظر شرقي" كتاب يستحق القراءة. إنه كتاب ممتع حقاً!!.

***

«أميركا» لربيع جابر : تداعيات

لم أقرأ لربيع جابر، من قبل، سوى روايتين، أولاهما هي «الاعترافات» (2008) وثانيتهما هي «دروز بلغراد» (2011)، والأولى هي ضرب من التداعيات، حيث يروي مارون على ربيع قصته التي تذكرنا بقصة خلدون (دوف) في رواية غسان «عائد إلى حيفا» (1969) وبمسرحية (برتولد بريخت) الشهيرة «دائرة الطباشير القوقازية»، وموضوعها هو الحرب وما نجم عنها من تداخلات، والرواية الثانية ـ أي دروز بلغراد ـ تقص قصة حنة يعقوب زوج هيلانة، بائع البيض الذي يساق خطأ إلى بلغراد، تاركاً زوجته، وابنته، في بيروت، إذ يخدعه أحد الجنود ليحل حنة محل مطلوب آخر، ويعاني حنة ما يعانيه.
ورواية «أميركا» (2009) التي يصدرها كاتبها بعبارته «هذه الرواية من نسج الخيال، وأي شبه بين أحداثها وأشخاصها وأماكنها مع أشخاص حقيقيين وأحداث وأماكن حقيقية هو محض مصادفة ومجرد عن أي قصد» هي الرواية الثالثة التي أقرؤها لربيع جابر، وكنت حصلت على نسخة منها قبل أربع سنوات، ولا أدري لم تأخرت في قراءتها، وقد تذكرتها في نهاية العام 2014 لأنني، كما أشرت في مقالي السابق، قررت أن أدرس صورة أميركا أو رواية أميركا في الأدب العربي المعاصر، وأن أكتب سلسلة مقالات عن هذا الموضوع وتلك الروايات.
عنوان الرواية عنوان لافت، وثمة روايات عربية كثيرة، في القرن الحالي، بدأ اسم أميركا ومشتقاته يكوّن جزءاً منها: أمريكانللي (أمري كان لي) لصنع الله إبراهيم، و»الحفيدة الأمريكية» لإنعام كجه جي، وأحياناً نجد اسم مدينة أميركية أو مرتفعات في أميركا تحتل عنوان رواية أو جزءاً من عنوان رواية «شيكاجو» لعلاء الأسواني، و»مرتفعات بروكلين» لميرال الطحاوي، و»عناق عند جسر بروكلين» لعز الدين فشير، ولم يتوقف سيل احتلال اسم أميركا أو بعض مدنها جزءاً من عنوان الروايات التي أخذت تصدر بعد رواية ربيع جابر: «حليب المارينز» و»فتاة هايدلبرغ الأميركية» و.. و..، وقبل أن يكتب أي روائي عربي رواية عن «أميركا» كان الكاتب التشيكي (فرانز كافكا) كتب روايته المعروفة (أمريكا) (Amerika) (قبل 1927).
واللافت، كما عرفت، أن أياً من (كافكا) وجابر لم يزر القارة التي كتب عنها، وقد كتب كل منهما عن تجارب أقاربهما الذين هاجروا إلى تلك القارة من قارات أخرى.
وعلى الرغم من البون الشاسع بين زمني النشر: (1927) رواية كافكا، و(2009) رواية جابر، إلاّ أن ثمة تقاطعاً جزئياً في الزمن الروائي.
وإذا كان هذا توقف في رواية كافكا مبكراً، لأن الرواية نشرت في 1927، فإنه في رواية جابر امتد حتى العام 1973 تاريخ وفاة مرتا حداد بطلة الرواية، بل إنه امتد في العام 1975، وآمل أن أكون دقيقاً.
ومن التقاطعات بين الروايتين أنهما تأتيان على قسوة الحياة في المجتمع الرأسمالي.
لفت هذا الموضوع أنظار النقاد الماركسيين الذين درسوا في مؤتمر براغ في 1964 أعمال (كافكا) ورأوا أنها تدين العالم الرأسمالي وتعبر عن وحشة الحياة فيه ـ طبعاً هذا لم يرق للنقاد البرجوازيين الذين رأوا في القراءات الماركسية ضرباً من الاغتيال لأعمال كافكا، ونوعاً من إسقاطات أفكار النقاد على النصوص، ووجهة نظرهم أن (كافكا) لم يكن، يوماً، ماركسياً.
وحتى اللحظة لم أقرأ مراجعة غربية لرواية ربيع جابر تذهب هذا المذهب، ولكنني قرأت صفحات من الرواية دفعتني لإبداء ملاحظات إلى جانبها، وذكرتني، في الوقت نفسه، بتأويل النقاد الماركسيين لروايات (كافكا)، بخاصة روايتا «أميركا» و»التحول» ـ المسخ، وهذه قصة طويلة.
ويمكن قراءة الصفحتين 186/187 للتعرف إلى حياة العمال القاسية جداً في أميركا في أثناء السنوات 1913ـ1918.
عموماً، وأنا أقرأ «أميركا» ربيع جابر تساءلت مراراً إن كانت «أميركا» (فرانز كافكا) من قراءات الأول، ولم ألحظ في المراجعات التي أنجزت عن رواية جابر أية إشارة إلى هذا، فمن ربط بين رواياته وروايات أخرى أشار إلى إحدى روايات (إيزابيل الليندي)، كما ذهبت شيرين أبو النجا التي انسحبت من لجنة تحكيم جائزة بوكر للرواية، لأنها رأت في رواية جابر صدى لرواية «صورة عتيقة»، وأشار أيضاً إلى رواية الكاتب الكولومبي الشهير (مائة عام من العزلة)، كما رأى عقبة مشوّح.
وبإيجاز فإن الرواية تأتي على حياة مارتا (مرتا) حداد اللبنانية ابنة قرية بتائر التي تسافر، بالسفينة، مثل بطل كافكا، إلى أميركا، بحثاً عن زوجها خليل حداد الذي سبقها إلى هناك، ولم يعد يسأل عنها، فقد تعرف إلى امرأة أميركية وتزوج منها وعاش حياته، ولم يفكر في أمر زوجته إلاّ بعد فترة من الزمن، كانت فيها هذه رأته مع زوجته الأميركية، ثم قررت ألا تكلمه، وانصرفت إلى حياة العمل، وكونت ثروة كبيرة، وتزوجت من اللبناني الدرزي علي جابر، وكان زواجهما أول زواح مدني هناك، وأنجبت أربعة أبناء، ذكوراً وإناثاً، وماتت في 1973 عن ثمانين عاماً.
وكانت رحلتها إلى أميركا بدأت في العام 1913، وإذا ما تتبع المرء إيقاع الزمن في الرواية، فإنه يلحظ أنه بدأ بطيئاً وبطيئاً جداً، ثم تسارع بشكل لافت وإذا ما قسمنا عدد الصفحات على عدد السنوات التي أنفقتها (مرتا) هناك، لاحظنا ضرباً من الاختلال، إذ أعطى الروائي، وهو سارد روايته غالباً، الفترة المبكرة من حياة (مرتا) في أميركا جلّ الصفحات وأكثرها.
ذكرتني الحياة الصعبة التي عاشتها مرتا حداد في أميركا، في بداية رحيلها هناك، بحثاً عن زوجها الذي لم تلتق به وتتحدث معه مواجهة، وإن رأته، بعد رحلة المعاناة، في المزرعة، مع زوجته الأميركية، فلم تكلمه، وعادت لتشق حياتها في الحياة من جديد، ذكرتني برواية (جوزيف كونراد) «قلب الظلام» التي قرأت ترجمة ابن رام الله لها، صلاح صلاح.
بطل الرواية في «قلب الظلام» هو (كورتيز) الذي يغادر لندن إلى افريقيا بحثاً عن الذهب، وتظل خطيبته تنتظره، وهناك في افريقيا يعيش كالأفارقة، ويمارس شعائرهم وطقوسهم حتى يثقوا به، ويحصل على الذهب، ويعود إلى لندن ثرياً، ولكنه لا يعود، وتظل خطيبته تنتظره، وهي خلافاً لـ (مرتا) في أميركا ربيع جابر لا تغادر مدينتها بحثاً عنه، وإنما تظل تنتظر وتنتظر، حتى يأتيها ساعي البريد، إن لم أكن نسيت، بورقة نعيه. [أذكر أنني كتبت في الشعب عن بطل تلك الرواية، في بداية 80 ق20، مقالاً عنوانه «كورتيز الفلسطيني من أبها إلى مخيم بلاطة» وقد أتيت فيه على مأساة عائلة من مخيم بلاطة جرفها السيل في أبها السعودية، حيث كان رب العائلة معلماً].
(مرتا) الشخصية المحورية في «أميركا» ذكرتني أيضاً بشخصية «أم سعد» في رواية غسان كنفاني «أم سعد»، ففي كلتا الروايتين يبدو الزوج غير مكترث، وتبدو المرأة هي المكافحة والمناضلة.
يجلس أبو سعد على المقهى ويهرب من واقعه، ويكثر من شرب الخمر، فيما تذهب أم سعد إلى بيوت الآخرين تخدم فيها ثم تقص معاناتها على السارد. وفي «أميركا» تكد مرتا وتعاني وتحيا حياة قاسية جداً: الكفاح والعزلة والوحدة والنوم في المتجر، ومن قبل، حمل الشنطة والتجوال في الوهاد والجبال وبين المدن، وتكاد تفقد حياتها ذات مرة.
المرأتان نموذج إيجابي للمرأة العربية التي تشق طريقها في الحياة بعد أن يخذلها الواقع والرجل معاً.
هل أجازف إذا تساءلت: هل كان ربيع جابر، وهو يكتب روايته يسير على خطى (كنديد) لـ (فولتير) و»الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل) (1974) لأميل حبيبي؟
في (كنديد) يذهب البطل كنديد إلى الدورادو، الجنة التي ترابها ذهب، ويعاني معاناة هائلة، وقد تأثر أميل بالرواية الفرنسية حتى أنه عقد في روايته فصلاً عنوانه «الشبه الفريد بين سعيد وكنديد».
ثمة أبطال يعانون، وثمة هجرات ومضايقات، ولكن الأهم مما سبق كله هو البناء الروائي في الروايات: تقسيم الرواية إلى كتب أو أجزاء، وتقسيم الكتاب أو الجزء إلى فصول لكل فصل عنوان، ويتكون كل فصل من ثلاث إلى أربع صفحات.
حقاً إن هناك تشابهاً لافتاً في البناء الروائي، وإن كانت لغة أميل تختلف اختلافاً كلياً عن لغة ربيع جابر، فالأولى تراثية والثانية واقعية، ولعل الموضوع يحتاج إلى مزيد من الحفر!!


***

3 - دروز بلغراد: حكاية حنا يعقوب *أشتري الرواية أو لا أشتريها:

في كانون ثان من هذا العام، زرت عمان ليومين أنفقت أحدهما بالتردد على المكتبات: دار الشروق والمكتبة الأهلية ودار ورد وكشك أبي علي. وأخذت أبحث عن قائمة البوكر القصيرة، فقد مزقت الخبر الوارد في جريدة "الأيام" عنها واحتفظت به، لأقتني الروايات من عمان، إن سافرت إليها، وهذا ما كان.
في مكتبة دار الشروق حصلت على أربع من الروايات: العاطل ونساء البساتين وعناق عند جسر بروكلين ودمية النار، ولم أجد شريد المنازل. حين عرض علي أبو أحمد رواية "دروز بلغراد: حكاية حنا يعقوب" لربيع جابر لم أفكر لحظة واحدة في اقتنائها. رددتها قائلاً: قرأت له "الاعترافات" وكتبت عنها، حتى اللحظة لم أقرأ له "أمريكا" التي كانت العام الماضي على القائمة القصيرة لبوكر أيضاً. أيعقل أن يكتب المرء كل عام رواية؟ ثم.. ثم إنها رواية تتكئ على التاريخ، وأنا لا أميل إلى هذا اللون من الروايات. أتذكر رأي محمود درويش في شعر أدونيس، الرأي الذي عرفته من مقالات حسن خضر، وأكرره وأنا أعرف أن الرواية رواية تاريخية: شعر أدونيس لا ماء فيه، والرواية التاريخية كذلك: رواية لا ماء فيها. هذا رأي. هذا اجتهاد. هذا رأي غير ملزم للآخرين، لكنني أعتقده وآخذ به شخصياً.. ثم.. ثم إن هناك روايتين فازتا ببوكر، وهما روايتان تاريخيتان: "واحة الغروب" لبهاء طاهر، و"عزازيل" ليوسف زيدان. ما السر في فوز الروايات التاريخية؟ الإعجاب بالروائي أمين معلوف والتذكير بالروائي جرجي زيدان أم الهروب من الواقع والرواية الواقعية.. و.. و.. و..؟
ولا أشتري "دروز بلغراد: حكاية حنا يعقوب"، فيما أقرأ، قبل 27/3/2012 تاريخ إعلان الجائزة، الروايات الأربع وأكتب عنها، وأبحث عن الرواية الخامسة "شريد المنازل" لأقتنيها وأقرأها وأكتب عنها، فلعلها تفوز. وسأعرف من أكرم مسلم أن "دروز بلغراد: حكاية حنا يعقوب" لربيع جابر هي التي فازت. بعد أيام سأحصل على نسخة من الرواية وأقرؤها...
الرواية أعيدت طباعتها في فلسطين. هذه عادة غدت شبه ثابتة. ما إن تعلن القائمة القصيرة لبوكر، حتى يتسابق الناشرون هنا في الأرض المحتلة إلى طباعة أكثرها. هل هذه ظاهرة جيدة؟ هل تعني أن هناك قرّاء روايات في فلسطين؟ هل تراجع الشعر أيضاً هنا؟ هل التزوير مفيد أم سيئ؟ أنا أشتري الروايات من عمان غالباً أو من دار الشروق في رام الله إن وجدت فيها، إن لم أسافر إلى عمان.

ذائقة بائسة:
أن تكون الروايات التي تفوز، غالباً، تاريخية، وأن لا يروق لي هذا، فهذا يعني أن هناك مسافة جمالية بين ذائقتي الشخصية وذائقة أعضاء اللجنة. هم كثر وأنا فرد، وكما علمت، فقد فوزوا "دروز بلغراد.." بالإجماع. يا لذائقتي البائسة إذاً، وعلي أن أفيد من (هانز روبرت ياوس) ومقولاته بخصوص المسافة الجمالية، فلعلني أغدو، ذات نهار، من أنصار الرواية التاريخية! لعلني؟ هل أنا مثل جمهور محمود درويش الذي لا يطرب إلا لقصيدة "سجل أنا عربي"، وهل ستكون اللجنة مثل محمود درويش الذي كان يقرأ، باستمرار، قصائد جديدة، ويرفض قراءة "سجل أنا عربي" وقصائده القديمة لقرّائه، حتى يغير في ذائقتهم الشعرية؟ ربما!

عنصر التشويق:
هناك روايات ما إن تبدأ قراءتها حتى تنهيها. عنصر التشويق فيها حاضر، وقد لا يروق لك كاتبوها. نعم قد لا يروق لك كاتبوها، ولكنك تجد نفسك تقرؤها. هناك عنصر ما فيها، هو عنصر التشويق، يجعلك تنسى أشياءك ومواعيدك وطعامك، فهي -أي الرواية- تغني عما سبق.
أنا لا أعجب بأكثر روايات سحر خليفة. لماذا؟ لأنها، من وجهة نظري، تكرر أفكارها، ولأنها، في روايتيها الأخيرتين "أصل وفصل" و"حبي الأول"، عدا تكرارها الثنائيات نفسها، تفتعل عوالمها. أنها تكتب، خلافاً لرواياتها السابقة، عن زمن لم تكن شاهدة عليه. ومع ذلك، فحين أقرأ روايتها أواصل قراءتها. حتى اللحظة لم تتخل سحر عن عنصر التشويق. هل غاب هذا العنصر عن رواية بهاء طاهر "واحة الغروب"؟ وربما وجب أن يكون هذا السؤال على النحو التالي: ما مدى حضور هذا العنصر في رواية "دروز بلغراد"؟

عنصر اللغة:
حين قرأت "عزازيل" يوسف زيدان والتقيت به في مؤتمر جامعة البتراء في الأردن، الجامعة التي كرمته وعزمي بشارة، قلت له: لعل اللغة أهم عنصر كان وراء منح الرواية الجائزة. وسأخوض معه في أمر لغته. يوسف زيدان قرأ كتب التراث بحكم عمله في جامعة، في مكتبة الاسكندرية تحديداً، وسيخبرني أنه، بالفعل، قرأ أكثر كتب التراث. أين هي لغة "دروز بلغراد" من لغة "عزازيل"؟ هل أوافق نجوان درويش، فيما ذهب إليه، في مقالة في "الأيام" الثلاثاء 3/4/2012، بخصوص لغة ربيع جابر ولغة الصحافة اللبنانية؟ هل اللغة في "دروز بلغراد" آسرة ومميزة حقاً؟

دروز بلغراد: حكاية حنا يعقوب:
لا يكتب ربيع جابر عن زمن عاشه أو يعيشه، خلافاً لروايته "الاعترافات". في الأخيرة ثمة تطابق زمني –أعني الزمن الروائي والزمن الكتابي، والكاتب يكتب عن لبنان في 80 ق20. يكتب عن الحرب الأهلية، عما يشاهده ويعيشه، والأهم عما شاهده وعاشه وكان شاهداً عليه. هل الأمر هو نفسه في "دروز بلغراد"؟
ثمة فارق واسع في "دروز بلغراد" بين الزمن الكتابي والزمن الروائي. الزمن الكتابي هو 2010 و2011، والزمن الروائي يعود إلى 140 عاماً خلت وأكثر. أي أن ربيع جابر لا يكتب هنا عما يشاهد ويرى ويسمع. إنه يكتب مما يقرأ، وفي نهاية الرواية يورد ثبتاً بأسماء المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في كتابة روايته. هل يواصل كتابات أمين معلوف الذي حقق انتشاراً واسعاً؟ هل كان أمين معلوف مثالاً يحتذي به الكتّاب اللاحقون ليحققوا ما حقق؟
بهاء طاهر ويوسف زيدان وإبراهيم نصر الله وأحمد رفيق عوض وربيع جابر كتبوا، ضمن ما كتبوا، الرواية التي يعود زمنها الروائي إلى فترة خلت، فترة لم يكونوا شهوداً عليها زمنياً ومكانياً، ومثلهم فعلت سحر خليفة في "أصل وفصل" و"حبي الأول". والسؤال هو: لماذا يفعلون هذا؟ لماذا يكتبون عن فترات زمنية لم يكونوا شهوداً عليها؟ هل أقفر الواقع من الموضوعات؟
هل قالوا في رواياتهم السابقة كل ما أرادوا قوله؟ هل رأوا أن الماضي لم يكتب روائياً، وأنه غير معروف للقرّاء، وأن كتابته روائياً تجعله معروفاً، بخاصة أن هناك ميلاً لقراءة الرواية؟ هل أراد الكتاب أن يقدموا رؤى جديدة وتفسيرات جديدة لذلك الماضي؟

دروز بلغراد: العنوان الرئيس والعنوان الفرعي:
العنوان الرئيس للرواية هو "دروز بلغراد"، وأسفل منه العنوان الفرعي "حكاية حنا يعقوب". هل الرواية رواية دروز بلغراد أم أنها رواية/حكاية حنا يعقوب؟
سيقرأ المرء عن دروز لبنان الذين رحلوا من لبنان إلى بلغراد، وسيقرأ عن حنا يعقوب الذي رحل معهم على أنه درزي، ولاقى مصيراً كان ينبغي أن يلاقيه أحد الدروز.
ينفى الدروز من لبنان إلى بلغراد عقاباً على ما اقترفوه. إنهم خمسة إخوة، فمن يتبقى لأبيهم، وهكذا يخدع أحد معارف أبيهم حنا يعقوب، ويجعله يحل محل سليمان غفار عز الدين. حنا يعقوب مسيحي فقير يبيع البيض في الميناء، وله زوجة (هيلانة) وطفلة هي (بربارة). يخرج في الصباح المبكر طالباً رزقه ورزق عياله، وسيقوده خداع الآخرين له إلى بلغراد، والسفينة التي قيل له إنها ذاهبة إلى عكا وستعود في المساء، أو بعد يومين، تبحر إلى صربيا، ويعامل حنّا على أنه سليمان، فيعاقب ويضرب ويسجن، فيما تظل (هيلانة) تنتظره، ولا يعود إليها إلا بعد اثني عشر عاماً وقد لاقى ما لاقى.

هل الفكرة جديدة؟
ما الروايات التي يتذكرها قارئ الرواية؟ هل كانت فكرتها جديدة واستحقت بذلك الجائزة؟
أنا شخصياً سأتذكر ثلاث روايات، ولو حككتُ ذهني لتذكرت أخرى. الرواية الاولى هي رواية (فرانز كافكا): "المحاكمة". يصحو يوسف... ذات نهار ويجد نفسه مسوقاً إلى المحكمة وحبل المشنقة، فثمة امرأة وشت به وشاية ما. والرواية الثانية هي رواية التركي الساخر (عزيز نيسين): "الطريق". ثمة خطأ ما، خلل ما قاد إبراهيم إلى عوالم غريبة مرعبة شاذة، فلحق به ما لحق وعاش شريداً طريداً. هل الرواية الثالثة هي رواية (فولتير): "كنديد"؟ ربما كانت الأولى، فمن قرأ "كنديد" وما ألمّ به، من قرأها لا يتذكر دائماً. هل خرجت رواية "دروز بلغراد" فكرة من معطف هذه الروايات أم من كتب التاريخ؟
ليغفر لي ربيع جابر ولتغفر لي اللجنة رأيي: الرواية لم ترق لي كثيراً!!

أ. د. عادل الأسطة
2012-04-08

***

4 - اعترافات ربيع جابر.. جنون الحرب

"الاعترافات" (2008) عنوان رواية ربيع جابر اللبناني الأخيرة، وكان صدر له من قبل روايات عديدة وكتاب عن بيروت بثلاثة أجزاء. وليس ربيع جابر هو الذي يدلي باعترافاته، فهو ليس الراوي في روايته، إنه المروي عليه/ له، ومن يروي هو مارون وفي صفحة من صفحات الرواية يذكر الراوي اسم ربيع. ومارون هو مارون وليس مارون، وهو يذكر، في غير صفحة من الرواية، إنه شخصان: أنا لست أنا. لماذا وما هي قصته؟
في الحرب الأهلية اللبنانية في العامين 1975 و1976، يقتل فيكلس الآخرين بجنون. لماذا؟ لأنه فقد ابنه مارون الصغير، إذ قتله الطرف الثاني، وهكذا يقرر فيكلس أن ينتقم، ويفعل هذا ويمارس القتل بوحشية. إنه يتحول إلى وحش، وذات نهار، وعلى خط التماس بين بيروت الغربية وبيروت الشرقية يطلق النار على سيارة مدنية، قد يكون سائقها ضل الطريق، بوحشية فيقتل كل من فيها، وينجو طفل صغير بأعجوبة، ما يجعل فيكلس يداويه ويحتضنه ويربيه ويسميه باسم ابنه الذي فقده: مارون. وفي سنوات لاحقة يبحث مارون عن اسمه الحقيقي وعن أهله الذين قتلوا، دون أن يتوصل إلى نتيجة.
يقيم الصغير الذي غدا مارون مع أسرة مسيحية ويغدو واحداً من أفرادها ويدرس، حين يكبر، الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت، وتكون الحرب قد وضعت أوزارها، وفي تلك اللحظة يؤرقه سؤال الهوية: من أنا. ولا يقص مارون سيرة أهله البيولوجيين، فهو لا يعرف عنهم شيئاً، ولكنه يقص قصة أهله الذين ربوه ونشأ بينهم، ويغدو فيكلس أباه، وتغدو زوجة فيكلس أمه، ما يذكرنا برواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" (1969) وقصة سيدنا سليمان مع المرأتين، القصة التي بنى عليها (برتولد بريخت) مسرحيته الشهيرة: "دائرة الطباشير القوقازية". في "عائد إلى حيفا" يربي ايفرات وميريام خلدون الذي تخلى عنه والده في غمرة أحداث العام 1948 وعادا ليرياه في إثر حرب .1967 تخليا عنه لا طوعاً ولا رغبة وإنما خطأ في لحظة جنون شهدته المدينة بسبب الحرب، وهكذا غدا (ايفرات) اليهودي والد خلدون/ دوف، وغدت ميريام أمه. وحين يعود الوالدان لاسترداد ابنهما يرفض العودة، ويصر على البقاء مع والديه اللذين ربياه. لكن والدي مارون الذي لا يعرف حتى هو اسمه الحقيقي لا يعودان، فقد قتلا. وفي قصة سيدنا سليمان تعود الأم البيولوجية لتطالب بابنها، ولا تستحقه، لأنها تخلت عنه، وفي "اعترافات" ربيع جابر، حيث يعترف مارون، لا تعود الأم، فيحيا مع أمه التي ربته، وحين يشرع في البحث عن أصوله وجذوره تخونه الأرشيفات ويظل سؤال الهوية قائماً: من أنا؟
هل ثمة أبعاد رمزية في رواية ربيع جابر "الاعترافات"؟ هل مارون، في النهاية، هو اللبناني، ولبنان، في حربها الأهلية تأكل أبناءها؟
"الاعترافات" لربيع جابر رواية عن جنون الحرب. عن القتل والثأر والهمجية، حيث لا رأفة ولا شفقة. والطريف أن هؤلاء القتلة لا يخلون من بعض أخلاق، ففيكلس الذي يتحول إلى وحش، فيقتل ويقتل ويقتل يرفض أن يسرق، ويفخر هو ومعارفه بأن يده ظلت نظيفة، فهو لا يريد غنائم حرب، وحين يشك في أن أحد أبنائه، ممن يقتلون أيضاً بوحشية، يحضر إلى البيت غنائم حرب يهدده الأب بالقتل، ذلك أن يد الأب نظيفة، فماذا سيقول عنه معارفه.
و"الاعترافات" هي واحدة من روايات الحرب. الحرب اللبنانية. ولا يدري المرء عدد الروايات التي كتبت في هذا الموضوع في لبنان. في الثمانينيات كانت رواية "الشياح" للكويتي اسماعيل فهد اسماعيل هي الأولى التي تقارب هذا الموضوع، وفي السنوات الأخيرة قرأت أنا شخصياً "يالو" لإلياس خوري، ولم تكن هذه روايته الأولى التي يقارب فيها موضوع الحرب اللبنانية، وقرأت أيضاً رواية "يا سلام" لنجوى بركات، و"مريم الحكايا" لعلوية صبح، ولم أعد أذكر عنوان إحدى المجموعات القصصية التي صدرت في سلسلة كتاب في جريدة، وأظنها ليوسف الأشقر، وكلها تدور في أثناء الحرب الأهلية. وربما ما هو مشترك بين الروايات المذكورة ورواية ربيع جابر، غير موضوع الحرب وجنونها والتحولات التي ألمت بلبنان وسكانه، هو كثرة المنامات في الروايات، ولقد برزت المنامات بروزاً لافتاً في رواية الياس خوري "كأنها نائمة"، وإن لم يكن موضوعها، أساساً، الحرب الأهلية اللبنانية، كما هو حال "يالو"، ولعل المهتمين بفن المنامات، لا المقامات، يجدون مادة ثرية لهم في الروايات المذكورة.
كنت مؤخراً حضرت فيلماً إسرائيلياً عنوانه "رقصة فالس لأجل بشير" (أنجزت عنه مقالة في "الأيام"، في 12/7/2009) يبدأ الفيلم بمشهد كلاب مسعورة عددها ستة وعشرون كلباً، تهاجم وتهاجم. والبشر في "الاعترافات" يتحولون الى كلاب مسعورة وأكثر، فنحن في ص36 من الرواية نقرأ الفقرة التالية:
"رأت في "منامها" هؤلاء يتسللون في الليل من وراء أكياس الرمل وأنهم كانوا أناساً، مثل الناس، مثلنا، لكن وجوههم طويلة وتشبه وجه الكلب، وأظافرهم طويلة، ويخطفون الأطفال من أسرّة الأطفال الصغيرة، ويصرخون ويركضون ويختفون ولا يبقى منهم أثر إلا الرائحة الغريبة".
وربما تذكر المرء مفتتح رواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط" وما أورده عن الإنسان/ الوحش، الإنسان الذي قتل الحيوانات كلها وروضها، ولم يجد أمامه إلا أن يقتل نفسه. هل نحن شرسون الى هذه الدرجة وسيقول من يشاهد المجازر والقتل على الهوية: وأكثر.
الطريف أن الراوي، في نهاية الرواية، وبعد معرفته الحقيقة، وإدراكه أنه هو وليس هو، وإخفاقه في معرفة من هم أهله الحقيقيون، وبعد مقاربة الحرب على الانتهاء، يذهب الى كافتيريا ويأكل الكاتو و... "أكلت القطعة كلها وشعرت بالسعادة" (ص142).
هل يتذكر قارئ هذه الرواية ويلاحظ نهايتها كتابات الكتاب العرب في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين؟ ربما. "الاعترافات" لربيع جابر واحدة من روايات الحرب الأهلية اللبنانية. إنها رواية عن جنون الحرب.

***



***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى