السي حاميد اليوسفي - اللبّان و(زعطوط) ... -

جاء ولد يزة اليوم مبكرا إلى المقهى لحجز مكان أفضل لمشاهدة مقابلة في كرة القدم. وعليه أن يحجز مقعدين أو ثلاثة لأصدقائه.. طلب فنجان قهوة سوداء.. أشعل سيجارة شقراء من صنع أمريكي، ليهضم بها أخرى محشوة بالحشيش دخنها في الطريق..
لم تعجبه التشكيلة التي دخل بها المدرب المقابلة. وخمن أنه سيخسر.. شتم رئيس النادي، واتهمه بأنه تاجر أكثر منه عاشق للمستديرة.. لم يتمكن لاعب شاب من استقبال الكرة بالشكل المطلوب، التفت لصديق يجلس بجانبه، وقال:
ـ لعنة الله عليه.. (البرهوش)* دفعنا فيه أكثر من مئة مليون دولار، ونُقدم له أكثر من خمسة عشر مليون يورو في السنة، ولا يعرف كيف يُروض الكرة؟!
فجأة انتبه إلى أنه استعمل ضمير المتكلم، فتناسى أنه لا يحصل على قوت يومه حتى يرى النجوم بالنهار، وأن والدته لا زالت طريحة الفراش، تعاني من مرض مزمن.. طبيب مستوصف الحي نصحه بأن حالتها الصحية متدهورة، وتحتاج إلى مال كثير لترميمها.. على العكس من ذلك نصحه إمام المسجد بمزيد من العبادة والتقرب إلى الله، وقراءة القرآن عند رأسها، والدعاء لها بالشفاء، فالأطباء والمصحات أصبحا مثل حطب جهنم يحرقان الجيوب وأصحابها..
تخيل نفسه أحد نجوم كرة الكرة القدم، ويتقاضى أجرا وتعويضات خيالية.. حاول أن يلعن الشيطان، ويعود من حيت انطلق، لكنه قال لنفسه:
ـ أغلب نجوم كرة القدم تخرجوا من أسر وأحياء فقيرة؟! عشقوا الكرة منذ الصغر، وحولوها إلى حلم..
ثم أضاف بمرارة:
ـ لتكون نجما لا بد أن تكون موهوبا وعاشقا وحالما، وتعيش في بلد يُقدر الموهبة والعشق والحلم.. أنت هنا في بلد ملعون بلا موهبة ولا عشق ولا حلم كبير..
انتهت المقابلة بهزيمة فريقه المفضل.. تشاجر مع متفرج يناصر الفريق الخصم.. تبادلا الشتائم، وكادا أن يستعملا الأيدي لولا تدخل النادل وزبائن المقهى..
عندما ينتهي من الكرة يختلط عليه الحلال بالحرام.. لم يعد حتى الفقهاء في نظره قادرين على التمييز بينهما.. قال لنفسه:
تصور رونالدو يوقع عقدا بأربعمائة مليون دولار في السنة، وربما أكثر.. ويعلم الله وحده كم يأخذ في الشهر.. الناس تذهب إلى الحج لمحو الذنوب، والتقرب إلى الله ورسوله، وتخسر ما وفرته لسنين طويلة. وبدل أن يُصرف المال في بناء المستشفيات والمدارس والجامعات، يُقدم للاعبي الكرة والراقصات ولصوص الدول العظمى..
بدا كأنه وقف على كشف عظيم، ثم سأل الراوي:
ـ أليس فقراء الأمة ـ حسب كلام الله ـ أولى بهذه الأموال بدل أن تُسرق منهم، وتُقدم للبغايا واللصوص والغرباء بغير حق؟!
تظاهر الراوي بعدم الفهم، فأضاف ولد يزة
ـ كل شيء من الخليج إلى المحيط أصبح يشبه حكاية بائع اللبن و(زعطوط)؟
سأل الراوي بدهشة واستغراب:
ـ من هو زعطوط ؟
شعر ولد يزة بغبطة، لأنه سيتحكم في المشهد، ويجعل من الراوي مجرد مستمع، ثم قال:
ـ اسمع! الأمازيغ يسمون القرد زعطوط.. زعطوط هذا كان يراقب لبّانا قرب النهر.. ولاحظ أنه يملأ نصف الجرة باللبن، والنصف الثاني بالماء. وعندما يبيع الجِرار في السوق، يجني ربحا مضاعفا. حدث أن فاجأ (زعطوط) اللبانَ، وسرق منه كيس النقود، وتوجه صوب النهر، وانتقل إلى الضفة الأخرى، وتسلق شجرة عالية. وبدأ يضع نقود اللبن بجانبه، ويرمي نقود الماء في النهر. ولما عجز الرجل عن اللحاق بزعطوط، تحسّر على ماله، وما بذله من جهد في جمعه. فوصف وضعه بالمثل المشهور: النقود التي يجمعها صاحب اللبن يأخذها زعطوط..
ومع توالي الأيام سيطر اللبان وزعطوط على الأسواق، وانتشرت عدوى الغش مثل الوباء بين البلدات والأمصار..
ضحك الراوي حتى دمعت عيناه.. ثم أضاف ولد يزة بامتعاض، وتابع سيره:
ـ لمن تحكي زبورك يا داوود؟!

الهامش:
ـ البرهوش: الشاب الغر

مراكش 29 / 06 / 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى