لا أحد يَعْدَم شيئا فيه يستطيع أن يوظفه لمصلحته الشخصية بالسُّلم الذي يوصله لبر الأمان و لو تسلق ظهرَ الإنسان؛ و قد تصلُ براعةُ البعض في استعمال ما امتلك من ملَكات هائلة صدرتْ معهُ في نُسخة فريدة من مطْبعة الرحِم، فصارت أوصافًا تُميِّزه عن بقية الخلق طِباعةً وطبْعاً، لدرجة تجد صعوبة في التعرف عليه هو المُتلونُ حرباءً، و لو كان لمرآة قلبكَ الصقيل أقرب الناس و جها؛ و يمكن أن نَلْئِمَ مُعْجم هذه الصفات التي لا بون بينها و بين الأشكال التعبيرية للإنسان، في ضماد كلمةٍ واحدة تُفيدُ؛ (الجبهة) التي نعلم نحن المغاربة عميقا مدلولها الوصولي لمن يريد بلوغ أعلى المناصب دون حاجةٍ لخيط و احد تفرزه العناكب، فقط يجب أن تتوفر هذه الجبْهة على صلابة كافية لا تَنْدى خجلاً أو وجَلاً؛ فكأنك و أنت ترفع كفكَ إلى الجبين تضعها على جدار..!
يكفيك أن تبحث في مستودعك الذاتي عن ما لا تُفلحُ فيه لتجعله بضَرْبةِ جبْهةٍ سحرية يعود عليك نفعا؛ مثلا إذا زيَّنَ لك الصوتُ الغناءَ في الحمَّام، و اعتقدتَ أنه سيجد في الآذان صداه، فاجعل الجبهة تسبقُكَ كمقدمة الحافلة و أنت تتقدم لإحدى أشهر مسابقات البرامج الغنائية التي تُطلقُ كل عام من أقفاصها سِرْباً من البلابل؛ ثِقْ في جبهتكَ أو حُكَّها مصباحاً سحرياً ولا تخشى مارداً، ثم اصرخ أو اصهل أو انهق حتى، ستُفاجأ أن ما اعتقدته يوما أنكر الأصوات يحظى بموافقة لجنة التعتيم، و يُحلِّق مباشرةً من التلفزيون إلى آذاننا تغريداً..!
و إذا نظرتَ في المرآة و رأيت وجهكَ فوتوجينيك و يحتمل كل الأقنعة التي تستطيع توظيفها حسبما تقتضيه المناسبة، فاستعِنْ بصلابةِ الجبهة دائما لفتْحِ أو نطح الأبواب، و سخِّر بوجهكَ كل ما أوتيت من قُدرةٍ على التحوُّل من مسخ إلى ملاك، و لا تنسى أن تستغل كل ملكاته التعبيرية ما ظهر من سيمائها و ما بطن تحت التجاعيد، في أغراض الحياة غير الشِّعرية طبعاً من بكائياتٍ تسبقُ العين إلى الدمع في المآتم، و مديحٍ يزلق بالكلمات من فرط طلاوتها و حلاوتها، صابوناً من اللسان توا إلى قلب السامعين فيخِرون صرعى مشلولين، و غزَلٍ يجعلك عُرضةً لتحرُّش أجمل الفراشات رغم أنك في الفصول لست ربيعاً؛ كأنكَ بهذا الوجه الصحيح أخذتَ تدريباً في خُلوةٍ مع النفس أمام مرآة تُعتبر بحق المعهد الإنساني الذي يعلمكَ بالإضافةِ للتنشيط النِّفاقي بدَلَ الثقافي تمثيلا..!
كثُرَ الذين يأتون حياتنا جبْهةً قد تحلُّ في مشيها المشبوه موضع الحذاء، مما يُحتِّمُ على بلدنا اتخاذ إجراءات الغربال في فرز ما يضُرنا وسط القمح من حصى يلوث في الطحين بياضهُ، والإعتراف سريعا بكفاءاتها و أطرها الذين يتخَرَّجون سنويا إلى الشارع في مختلف التخصصات القمينة بِرَفْدِ قطاعات مجتمعنا الحيوية، دون أن يجدوا شرياناً حتى لا نقول مصراناً يجعلهم يساهمون في ضخ دم جديد ينهض ببلدنا، و ما ذلك إلا بسبب الكوليسترول الرهيب الذي يسُدُّ بشحمه المزداد في المعلوف شرايين كل مناصب الدولة بالأدعياء و الأشباه و الأنصاف، بينما هي أحوج إلى من يُنقص و زنهم الذي تعرَّمَ على قلوبنا جميعا، بِفرض حِمْيَةٍ قاسية لن يستطيعوا مواكبة سرعة عجلتها الإقتصادية و لو ركبوا بَدَل الجبهة صاروخا نفاثا بجبهةٍ أطول..!
لَشَدَّ ما أخشى أن ينبري الخيال كابوساً، فنرى الجميع يتبارون في فتح جبهاتهم التي ليست في رؤوسهم طبعا، و لكن ما أوتوا من قُدرةٍ على الإدعاء الذي لا ينفُخ إلا في قِرْبَةٍ مثقوبة هواءً فاسدا؛ تُرانا أي مستقبلٍ نصيرُ و نحن نضع تحت أرجل أبنائنا، بمباركة هذه العاهات البشرية التي تفهم في كل شيء و لا تفهم شيئاً، عِوَضَ الأساس فراغاً..!
عُذرا إذا لم أتحدث عن ما خلف الجبْهة من غنائم لا يصل مُخَّها إلا لصٌّ، فقد حالت بيني و بينها صلابةٌ ليست حتى في الحجر، الذي ما أكثر ما يتغير لتجري المياه بدل أن يُداهمه السيل..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 28 يناير 2016)
يكفيك أن تبحث في مستودعك الذاتي عن ما لا تُفلحُ فيه لتجعله بضَرْبةِ جبْهةٍ سحرية يعود عليك نفعا؛ مثلا إذا زيَّنَ لك الصوتُ الغناءَ في الحمَّام، و اعتقدتَ أنه سيجد في الآذان صداه، فاجعل الجبهة تسبقُكَ كمقدمة الحافلة و أنت تتقدم لإحدى أشهر مسابقات البرامج الغنائية التي تُطلقُ كل عام من أقفاصها سِرْباً من البلابل؛ ثِقْ في جبهتكَ أو حُكَّها مصباحاً سحرياً ولا تخشى مارداً، ثم اصرخ أو اصهل أو انهق حتى، ستُفاجأ أن ما اعتقدته يوما أنكر الأصوات يحظى بموافقة لجنة التعتيم، و يُحلِّق مباشرةً من التلفزيون إلى آذاننا تغريداً..!
و إذا نظرتَ في المرآة و رأيت وجهكَ فوتوجينيك و يحتمل كل الأقنعة التي تستطيع توظيفها حسبما تقتضيه المناسبة، فاستعِنْ بصلابةِ الجبهة دائما لفتْحِ أو نطح الأبواب، و سخِّر بوجهكَ كل ما أوتيت من قُدرةٍ على التحوُّل من مسخ إلى ملاك، و لا تنسى أن تستغل كل ملكاته التعبيرية ما ظهر من سيمائها و ما بطن تحت التجاعيد، في أغراض الحياة غير الشِّعرية طبعاً من بكائياتٍ تسبقُ العين إلى الدمع في المآتم، و مديحٍ يزلق بالكلمات من فرط طلاوتها و حلاوتها، صابوناً من اللسان توا إلى قلب السامعين فيخِرون صرعى مشلولين، و غزَلٍ يجعلك عُرضةً لتحرُّش أجمل الفراشات رغم أنك في الفصول لست ربيعاً؛ كأنكَ بهذا الوجه الصحيح أخذتَ تدريباً في خُلوةٍ مع النفس أمام مرآة تُعتبر بحق المعهد الإنساني الذي يعلمكَ بالإضافةِ للتنشيط النِّفاقي بدَلَ الثقافي تمثيلا..!
كثُرَ الذين يأتون حياتنا جبْهةً قد تحلُّ في مشيها المشبوه موضع الحذاء، مما يُحتِّمُ على بلدنا اتخاذ إجراءات الغربال في فرز ما يضُرنا وسط القمح من حصى يلوث في الطحين بياضهُ، والإعتراف سريعا بكفاءاتها و أطرها الذين يتخَرَّجون سنويا إلى الشارع في مختلف التخصصات القمينة بِرَفْدِ قطاعات مجتمعنا الحيوية، دون أن يجدوا شرياناً حتى لا نقول مصراناً يجعلهم يساهمون في ضخ دم جديد ينهض ببلدنا، و ما ذلك إلا بسبب الكوليسترول الرهيب الذي يسُدُّ بشحمه المزداد في المعلوف شرايين كل مناصب الدولة بالأدعياء و الأشباه و الأنصاف، بينما هي أحوج إلى من يُنقص و زنهم الذي تعرَّمَ على قلوبنا جميعا، بِفرض حِمْيَةٍ قاسية لن يستطيعوا مواكبة سرعة عجلتها الإقتصادية و لو ركبوا بَدَل الجبهة صاروخا نفاثا بجبهةٍ أطول..!
لَشَدَّ ما أخشى أن ينبري الخيال كابوساً، فنرى الجميع يتبارون في فتح جبهاتهم التي ليست في رؤوسهم طبعا، و لكن ما أوتوا من قُدرةٍ على الإدعاء الذي لا ينفُخ إلا في قِرْبَةٍ مثقوبة هواءً فاسدا؛ تُرانا أي مستقبلٍ نصيرُ و نحن نضع تحت أرجل أبنائنا، بمباركة هذه العاهات البشرية التي تفهم في كل شيء و لا تفهم شيئاً، عِوَضَ الأساس فراغاً..!
عُذرا إذا لم أتحدث عن ما خلف الجبْهة من غنائم لا يصل مُخَّها إلا لصٌّ، فقد حالت بيني و بينها صلابةٌ ليست حتى في الحجر، الذي ما أكثر ما يتغير لتجري المياه بدل أن يُداهمه السيل..!
(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 28 يناير 2016)