عبدالرحيم التدلاوي - الكتابة بصفتها مقاومة، قراءة في رواية "أطياف" للروائية الفلسطينية، وفاء

تحمل رواية "أطياف" للمبدعة وفاء داري تجربة إنسانية جديرة بالاهتمام والتحليل؛ فمنذ الوهلة الأولى نجد أنفسنا أمام غلاف ثري بالدلالات والجمال، يحمل لوحة يمكن اعتبارها دعوة صامتة للتأمل: امرأة مسّنة ، تطل عيناها من خلف حجابها كمرآة تعكس أزمنة وحكايات، وإلى جوارها تتشبث أغصان الزيتون، رمز الجذور العميقة والصمود الأبدي. يتلألأ اسم الرواية "أطياف" بخط عربي فني يلامس الوجدان، وتذكر الكاتبة وفاء داري، إعلاناً عن عمل أدبي يصنف كرواية عربية حديثة؛ هذا الإعلان هو بمثابة ميثاق يخبر بأن المتن تخييلي، وينبغي التعامل معه على هذا الأساس.
وقد صدرت طبعتها الأولى عام 2025 عن "الرعاة للدراسات والنشر"، لتقدم للقارئ مفتاحاً بصرياً ووجدانياً لعالم ينتظره بين صفحاتها.

1751472212565.png

تغوص الرواية في صميم الوجود، مع سيدة اسمها "أطياف"، صحفية بلغت عقدها السابع، إلا أن روحها شابة وذاكرتها حية لا تني. تمسك بكفها لتسير معك في دروب فقدان زوجها "صافي" مبكرًا، وغياب طفلتها "غنوة"، لتعلمك أن الوجع يمكن أن يصنع من الإنسان أسطورة صمود. هي أمّ لـ"ورد" و"نجم" و"زهرة"، ثلاث أطياف من الحيوات امتدت من عروقها، شهدت رحيلهم وتفرقهم، لكنها لم تتوقف عن حمل شعلة الأمل. إنها حكاية المرأة الفلسطينية، التي ترقص على جراحها كل يوم، لترمم ذاكرتها وهويتها في وجه عاصفة الاحتلال والنزوح. ومع عودة "ورد" ومحاولته بناء حياة مع "هدوب" – الشابة التي تحمل في دمائها مزيجاً من الهويات – تتجسد صراعات الأجيال، وتبقى "أطياف" الشاهدة والكاتبة، لتوثق كل لحظة بمداد قلمها، وتقرر أخيراً أن تستقلّ في منزل جديد، لكن قلبها لم يبرح أرضاً تشهد على تاريخها.

تعد الشخصيات أرواحا تتفاعل وتتكامل. وتششكل "أطياف" العمود الفقري، فهي الأرض الصلبة التي لا تهتز. أما"صافي" زوجها الراحل، فهو الروح الحاضرة طيلة العمل، ويمثل قضية نضال ترويها صفحات الرواية. أما الأبناء، فكل منهم يمثل وجهاً من وجوه التشتت والفقد: "ورد" في محاولته للعودة والتأقلم، و"نجم" و"زهرة" في رحيلهما عن الوطن، يعكسان غربة الجسد والروح. وبين "ميسرة" و"حاتم" (والدي صافي)، تتجلى مرارة التهجير من "لفتا" وعبء التاريخ. تلك العلاقات المعقدة، بين الأم وأبنائها، بين الحاضر والماضي، تنسج نسيجاً سردياً غنياً بالانفعالات والدراما الإنسانية.

إن جمال الرواية يكمن في طريقة بنائها المتميزة. فالنص يتدفق بحرية، ينساب بين الماضي والحاضر بمهارة فائقة، دون عناوين صريحة تفصل الأحداث، بل هي تدفقات شعورية، يشار إليها بعناوين فرعية تشع دلالة مثل "طقوس الانطفاء البطيء" أو "نحيب الأطلال". وقد استخدمت الكاتبة تقنيات الاسترجاع وتيار الوعي لتغوص عميقاً في نفس "أطياف"، كأنك تراها وتسمع خواطرها. وتأتي اللغة مثل قصيدة نثرية، مليئة بالاستعارات والتشبيهات التي تلامس الوجدان، بغية جعل القارئ لا يقرأ وحسب، بل يعيش كل نبضة وكل دمعة.

أما عن مكمن القوة في "أطياف"، فهو قدرتها على التعبير عن الوجع الفلسطيني بصدق عميق وبعيداً عن أي تكرار أو نمطية.
"أطياف" هي أيقونة للصمود، ومثال للمرأة التي تناضل بقلمها وصوتها. إنها تلامس شغاف القلب في تصويرها للعلاقات الأسرية، وكيف يصمد الرباط بين أفرادها في أعتى الظروف. كما أنها تعيد إحياء ذاكرة المكان، من "لفتا" إلى القدس، لترسخ أهمية الأرض والهوية. قد يجد البعض أن الإسهاب في تفاصيل المعاناة، أو تكرار بعض الخواطر، إبطاء لإيقاع السرد وهو أمر وارد، وقد تبدو بعض الشخصيات الثانوية أقل وضوحاً من البطلة المحورية. ولكن هذه الملاحظات لا تمحو البصمة العميقة التي تتركها الرواية في النفس، فهي شهادة أدبية آسرة على قوة الروح البشرية في مواجهة المستحيل، ودعوة صادقة للتأمل في معنى الوطن، الذاكرة، والحب الذي لا ينطفئ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى