عبدالرحيم التدلاوي - نافذة بلا جدار: كتابة من فراغ الجدار وامتلاء البياض

عندما تقرأ "نافذة بلا جدار" لمحمد ياسين صبيح، تجد نفسك مجبرًا على التوقف لفترة طويلة في منتصف الجملة، تغمر في قلب المفارقة، وتضيع في صمت البياض. لا تمثل هذه النصوص حكايات تقليدية، بل تشع ومضات مؤلمة. كل نص يبدو كأنه محاولة لإمساك لحظة تفلت من القبضة المعنوية، أو للتعبير عن شيء لا يُمكن التعبير عنه. هنا، لا تكون اللغة مجرد أداة بل ساحة معركة. الكتابة تتجاوز السرد، فتشير دون أن تملأ، وتختار الحذف بدلاً من الإضافة. القصة القصيرة جدًا، كما يجيدها صبيح، ليست موجودة لتُفهم، بل لتُثير القلق وتترك أثرًا عميقًا تحت الجلد.

Messenger_creation_11A4BE05-422F-454A-8C7E-AEEA6E26539B.jpeg

ما يميز هذه المجموعة هو قدرة الكاتب على اللعب الرمزي دون أن يغرق نصوصه في التعقيد الغير مبرر. الرموز تتجلى من التفاصيل الصغيرة: النافذة، الجدار، الصورة، الرصيف، الحقيبة، والوردة، جميعها تتحول إلى دلالات على الخواء الداخلي، والغربة، ورغبة مُجهضة في الخلاص. ففي قصة "انعكاس" (ص.11)، نجد:
"حاول جاهدًا نزع الصورة عن الجدار... لم يستطع... حمل فأسه وحطمه... خلفه راح يلملم بقايا وجهه ".
تتجاوز الصورة بعدها الفوتوغرافي لتصير انعكاسا للذات المستلبة، العالقة في وهم الماضي أو في نظرة الآخر.
بالإضافة إلى الرمزية، تبرز لغة البياض والحذف كأداة فنية أساسية. القصص تعتمد على الصمت أكثر من اعتمادها على السرد. الجمل قصيرة ومكثفة، وتنقطع فجأة، كما لو أن السارد يُمسك نفسه عن استكمال العبارة. لا وجود لمقدمات أو شروحات، بل اقتحام لحظة حرجة ثم انسحاب. في قصة "محاولة" (ص.13)، نقرأ:
"وحاولت الخروج من النافذة،
سقطت بقسوة على الأرض...
وخرج ظلي وحيدًا".
كل ما نعرفه هو حدوث سقوط، لكن القصة لا تنشغل بشرحه، بل تُسجل أثره العاطفي.
أما المفارقة، فهي العمود الفقري للبناء السردي في العديد من النصوص. في قصة "سرعة" (ص.13)، يتلقى رجل لا يملك سيارة مخالفة سير لأنّه عبر الطريق بلا رخصة:
"لكنني لا أملك سيارة – قال للشرطي،
نعم، لانك لا تملك رخصة دخول،
فالمقبرة خاصة بأصحاب الأوامر".
مفارقة تثير السخرية المريرة وتكشف عن منطق العبث الذي يسود العلاقات بين الفرد والمؤسسة، وبين المواطن والنظام.
هذا النوع من المفارقات لا يأتي بالسخرية الكوميدية، بل يمتاز بالسخرية القاسية التي تكشف واقعًا مؤلمًا. في قصة "الرصيف" (ص.9)، ينام رجل بثياب وسخة على الرصيف، والسطر الأخير يأتي ليقلب المعنى:
" في الصباح عندما كان الثلج ناصعا، كانت بشرته باردة، وثيابه نظيفة جدا..".
الجملة، ببساطتها، تشكل مفارقة تحوّل مشهدًا عابرًا إلى دراما شاملة عن التحوّل الاجتماعي والكرامة المهدورة.
وأحيانًا، تبلغ المفارقة ذروتها في نصوص تتقاطع مع رمز الموت أو العدم، كما في قصة "أناشيد" (ص.8):
"يستلقي المسافر على أناشيده التي اكتنز بها جسده عبر السنين.. وعند الوصول، يفكك جمجمته بأصابعه.. كآخر ذكرى للموت.. وينام بلا ضجيج".
النص لا يسرد ما حدث، بل ينشئ أجواء من الانطفاء التدريجي، موتٌ ينتشر كلحظة نشيدية، ضاجّة ومتلاشية.
ويظهر أن الكاتب يعوّل كثيرًا على القفلات المراوغة كأداة دلالية. القصة كلها تتجه في اتجاه معين، ثم تنحرف فجأة في آخر سطر، لا لتغلق المعنى، بل لتفتح أمام القارئ آفاقًا جديدة. في "تبادل" (ص.22)، يقول الكاتب:
"مالت الوردة على الشوكة… ومالت الشوكة على الوردة… فاهتزت الشوكة من العطر".
تُروى القصة في ثلاث جمل، لكن قفلتها تتيح المجال لتأويل العلاقة بين الحب والخطر، بين الشغف والانهيار.
تلك القفلات لا تقدم تفسيرات، ولا تبرر، ولا تحسم الأمور. بل تتوجه نحو القارئ كضربة خفيفة لكنها مزلزلة. أحيانًا تُعيد بناء النص بالكامل، كما في "انعكاس"، وأحيانًا تجعل القارئ يتوقف، لا للبحث عن المعنى، بل ليشعر بثقله.
المكان في هذه النصوص يبدو غائبًا أو داخليًا. لا توجد مدن أو خرائط، بل "النافذة"، "الشارع"، "القبو"، "السرير". والزمان أيضًا مفكك. لا بداية أو نهاية، بل لحظة سردية مكثفة، وكأن القصة بأكملها مستندة إلى لحظة توقف فيها الزمن.
ورغم كل هذه العتمة، يظل هناك شعاع خافت من الضوء الإنساني. القصص لا تعطي وعودًا زائفة بالأمل، لكنها تحافظ على شعلة صغيرة تنبض في مشهد الخراب. في لحظة عابرة، أو في نظرة، أو حتى في انكسار صامت.
"نافذة بلا جدار" تجربة سردية تؤسس لمشروع جمالي وإنساني يعتمد على الإيحاء لا الإفصاح، وعلى اللمح لا البوح. فالقاص محمد ياسين صبيح يسعى من وراء قصصه إلى تحفز القارئ على اكتشافها في أعماقه. في زمن مليء بالضجيج، كتابة تهمس، لكن همسها يترك صداه طويلاً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى