رسائل الأدباء رسالة من اياد شماسنة الى رائد الحواري

دالأستاذ رائد الحواري المحترم،
تحية طيبة وبعد،

قرأت مقالتك المعنونة بـ «المرأة في مجموعة ‘الأخوات الحزينات’ لنجاتي صديقي» باهتمام بالغ، وأقدّر سعيك الواضح إلى تسليط الضوء على حضور المرأة في هذا العمل القصصي الذي يشكّل إحدى اللبنات الأساسية في سرديات ما قبل النكبة. ومع إقراري بوجاهة بعض الملاحظات التي طرحتها، إلا أنني وجدت في مقاربتك جوانبَ تستحق التوقّف عندها، سواء من حيث المنهج أو زاوية النظر، وهو ما يدفعني إلى مشاركتك ببعض الملاحظات النقدية التي أرجو أن تُقرأ في إطار الاحترام والحوار لا الجدل أو التنازع.

أول ما استوقفني في مقالتك هو استهلالك المتحفّظ، إذ تعلن منذ البداية أنك لن تتناول تفاصيل المجموعة، بدعوى أن عبد الرحمن ياغي قد «أوفى وكفى»، وهو ما بدا لي أقرب إلى تعليق للنقاش النقدي قبل أن يبدأ. فمهما بلغت مقدمة من السعة والثراء، فإن النصوص الكبرى تحتمل دومًا قراءات متعددة، بل إنها تستدعي ذلك. وقد بدا تناقضًا أن تبدأ بالإحجام عن التحليل التفصيلي، ثم تنخرط لاحقًا في استعراض القصص، وتقييم الشخصيات، والحكم على تمثيلاتها، مما أضعف التماسك المنهجي للمقال.

لفت نظري أيضًا ما طرحته حول فرضية أن فلسطين، لولا الاحتلال، لكانت إحدى الحواضر الأدبية الكبرى في العالم العربي. ورغم أن هذا القول يعبّر عن طموح تاريخي مشروع، بل وربما عن قراءة وجدانية لما كان يمكن أن يكون، إلا أن الاستناد في دعمه إلى قصة واحدة – «الجثة الحية» – بدا لي غير كافٍ. فالمطلوب في مثل هذا الادعاء تحليل مقارن، وربط بالتحولات الثقافية التي كانت تعيشها المدن العربية آنذاك، أو على الأقل إضاءة للسياق التعليمي والثقافي الفلسطيني تحت الانتداب البريطاني، كي لا يُؤخذ النص القصصي بوصفه وثيقة إثبات خارج زمنه التخييلي.

أما في ما يخص تمثيل المرأة، فقد قدّمتَ جردًا واسعًا لشخصيات نسائية متنوعة، ووصفت أدوارهن بدقة لافتة، لكن هذا الجهد بقي – في تقديري – في حدود الوصف، ولم ينفذ إلى عمق البنية السردية. فقد غابت أسئلة محورية تتعلّق بكيفية بناء الشخصية الأنثوية: هل كانت المرأة في هذه القصص كائنًا فاعلًا أم موضوعًا لوصف الراوي؟ هل مُنحت صوتًا سرديًا خاصًا، أم بقيت تابعة لبنية الذكر المتكلم؟ هل كان حضورها تعبيرًا عن ذاتها أم مجرد انعكاس لقلق الرجل الفلسطيني في مواجهة العالم؟

وقد بدا واضحًا أن مقاربتك أعادت إنتاج ثنائية ثقافية معيارية، حين وضعت المرأة «العربية» في خانة النبل والتضحية حتى وإن كانت راقصة، بينما قُدّمت المرأة «الغربية» أو «اليهودية» باعتبارها ماكرة، مخادعة، خالية من الأخلاق. وأتفهم تمامًا أن هذا التوزيع قد يكون نابعًا من منطق القاص نجاتي صديقي نفسه، غير أن المهم في المقال النقدي هو تفكيك هذا المنطق لا تبنّيه. فالمطلوب في القراءة الجندرية ليس الإدانة أو التبرئة، بل مساءلة الكيفية التي بُنيت بها هذه الصور، واستكشاف الدوافع الثقافية والأيديولوجية التي تقف وراءها.

توقّفت عند مقارنة أجريتها بين «الراقصة مارغو» و«كلوديت»، فرأيت أن المفاضلة التي أجريتها بين الاثنتين لم تخرج عن معيار أخلاقي محض. فمارغو نالت ثناءك لأنها شرقية منضبطة رغم عملها، فيما أُدينت كلوديت لأنها مثقفة «باريسية» تتلاعب بشغف الشرقيين. وهذه المفاضلة، في ظني، كانت تقتضي قراءة أبعد لما تمثّله كل شخصية من تصوّر ثقافي، وتفكيكًا للسلوك لا حكمًا عليه. فربما كانت كلوديت تجسيدًا لقلق الرجل الشرقي من المرأة القارئة، في حين قد تمثل مارغو انعكاسًا لصورة متخيّلة لـ «الأنثى الحامية» التي تريح الرجل من تهديد المرأة الفاعلة.

أعترف أنني افتقدت في قراءتك تأطيرًا منهجيًا أعمق. لم تستدعِ مفاهيم من النقد النسوي، ولا من دراسات السرد، ولا من تحليل الصوت الراوي أو توزع السلطة داخل النص. كما غابت عن المقال مداخل ما بعد استعمارية يمكن أن تُغني تحليل العلاقة بين النوع الاجتماعي والسياق السياسي. وظلّت المقاربة أقرب إلى التقييم الأخلاقي منها إلى التحليل التفكيكي.

مع كل هذا، لا أنكر أن مقالك يثير أسئلة مهمة، ويعبّر عن انحياز صادق للمرأة العربية في وجه مجتمع يقمعها، وسياق استعماري يهمّشها. لكن الانحياز – حتى حين يكون نبيلاً – لا يُغني عن الحاجة إلى مساءلة الصور، وتعقيد الأحكام، وتحرير النصوص من منظومات الثنائية المطلقة.

أكتب إليك بهذه الملاحظات تقديرًا لجهدك، واحترامًا لمسيرتك في نقد الأدب الفلسطيني، ورغبةً في أن يستمر هذا النقاش في فضاءٍ يحتمل التعدد والتباين. فالنصوص العظيمة لا تُختزل في قراءة واحدة، والقراءة العظيمة هي التي تفتح الأسئلة لا التي تُغلقها.

مع خالص المحبة والتقدير،
إياد شماسنة
القدس، تموز 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى