محمد بشكار - لا تُحَرِّفْنِي لأفْقِدَ رَأْيِي..!

إذا أردتَ أن تقيس درجة الحرارة التي بلغها الوعي في فرن المجتمع، يكفيك أن تُلقي بدل عجين الخبز، من القول أو الفعل جميلُهُ أو سيِّئُهُ ما يُفيد النقد، و تنتظر دون أن تتقيَّد مع الساعة في حزام، أن يأخذ نصيبه في خميرة أو مسافة التوتر قبل أن يصل إلى الناس، لتُفاجأ كيف اتخذ كلامك أو صنيعك الجميل أو السيء الذي تجاوز النقد إلى النَّكَد، ما لا يخْطُر على إبداع من أقنعة استعارية ليصير مسْخاً..!
فما عليك و قد أصبح رأيكَ رأياً متعدداً، إلا أن تسبق طيفك للمرآة، كي تنظر هل ما زلت أنتَ هو أنتَ، أم أنَّ ما يُسمَّى بالرأي المتعدد قد وضع لك وجها غير الذي صوَّره الله؛ ما أكثر ما لا نتعرَّف على أنفسنا في ما نكتب، فنضطر و قد تملَّكنا من الإستنساخ ما يُرْدينا محواً، أن نمُدَّ اليد لأقرب كرسي كي نجلس مشلولين بعد أن أفرغت الصدمة رُكَبَنَا، و نرفع أعيننا بالشكوى للسماء، لِنَتَفَرَّجَ في شاشتها على أفكارنا و قد صارت فيلما هنديا لا يتبعه إلا الدمع، و نَنظُر إلى كلامنا و قد غدا عُرضةً لكل سينما بعد أن طار من الشفتين فراشةً تعِدُ بالربيع و صار أحْقَر من صرصار..!
لسْتُ مع أُحادية الرأي التي تجعلنا متشابهين في خُطوط كتاباتنا كحُمُر الوحش أو كؤوس حياتي، و لكن الفظيع أن ينتابكَ ندَمٌ على اليوم الذي أمسكَ بِيدك قَلَمٌ كأنَّكَ أعمى ليجتاز بفكرتك في شارع المجتمع، من رصيف الجهل إلى رصيف التنوير؛ لتُباغَتَ أن الفكرة التي سدَّدْتَها سهما هادفاً لِتنْكَأَ إحدى القضايا التي تؤرق بالدَّاء تخلُّفنا، قد تلقَّفَهُ بالباطل و التحريف من لا يُساوي في الكتابة الأدبية أو الإعلامية حرفاً، لِيرْتَدَّ السهمُ إلى القلب بوَجَع الجراح..!
لقد أصبحت حبَّةُ الفهم تُباعُ بالمكاييل مع أكياس القطاني و حبَّة حلاوة و الحبَّة السوداء في السوق الرحبة للثقافة، و صار الجميع كاتبا و شاعرا و صحافيا، يشتغل ليل نهار دون حاجة لمكتب في القطاع العمومي لصفحات التواصل الإجتماعي، و غدا بعضُ هذا الجميع لا يني يتَّخذُ من الكلمة كيفما اتفق دونما ضوابط أسلوبية و نحوية أو حتى إيقاعية قد نجدها في البندير، سكِّيناً للكريساج في شوارع الفيسبوك أو التويتر و غيرها، الخالية من حراس المعنى، فلا نملك إزاء هذا العنف الرمزي، إلا أن نُفرغ جيوبنا من كل الأفكار مُعلنين الإفلاس الروحي، لنهرع إلى النوم باكراً مع أهل التخصص الذين أدركوا أن أعين السهر قلقاً في ضريح الكتابة قد اتسعت أكثر من اللازم، و لم تَعُد تصلح مع سيادة كل هذا الفهم الكبير في النقد غِرْبالاً..!
أبداً، لستُ مع أحادية الرأي، على أن ينبري من الآراء أحدُها يتحلَّى بالحُجَّة الدامغة التي تجعلني أنزف من رأسي حبرا لأغيِّر رأيي..!
أنا لم أَعْنِ ما أصبح له معنى آخر لا يُشبهني رغم حُسن النية الذي جعلُهُ بالقراءة المُتعددة يمُر بآلات غسيل تُصبِّنُ كل شيء، لأعود كما وُلدتُ إلى بياضٍ في الورقة، عِلماً أن البياض في بعض السياقات الجمالية أبلغ من كل ثرثرة..!
لا ضير أن تصير لروحي بالحُلول الصوفي في أفكار الآخرين سبعة أرواح، و لكن لا أحب أن أفقد روحي..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 14 يناير 2016)


1751976715679.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى