جمعي شايبي - المزحة... ميلان كونديرا .

( لودفيك ، هيلينا ، جاروسلاف ، كوستكا ) إنها أسماء لأربعة شخوص إختلقها ميلان كونديرا ووزع بينها أدوار البطولة ، وقسم بين أصواتها الحوارية سردية نصه المبهر ، على تباين واختلاف وجهات نظرها وتشابك مصائرها المؤلمة ، وتقاسم آلام وعذابات أرواحها الممزقة .
( التفاؤل أفيون الشعب ، العقل السليم معفن بالغباء ، عاش ترويسكي .) إنه نص المزحة التي خطها لودفيك جان بيده على بطاقة بريدية أبرق بها لصديقته ماركيتا ، متناولا بالهزل ما كان عد مقدسا ، وقد نجم وترتب عن هذه البطاقة المضحكة مالم يكن بتاتا مضحكا .

1752253778895.png

ذلك أن سخرية لودفيك وتهكمه فوضا رفاق حزبه الشيوعي المتزمتين بإنزال أقسى العقوبات عليه ، إذ تم فصله من الحزب ومنعه من متابعة دراسته الجامعية ، وأدمجوه ضمن كتيبة من الجند السود الخطرين سياسيا على نظام البلد ، وأرسلوه للعمل في المناجم طيلة خمسة أعوام كاملة .
لقد تخلى عنه الجميع دون أن يؤازره أحد ، يوم ارتفعت ضده أيدي أصدقائه بالإجماع مصادقة على تدمير حياته البائسة .
فعاش مذ ذاك وهو يتملكه الصخط ، مسكونا بالكراهية والإنتقام والحقد ، متحسرا على إمتيازاته الضائعة .
لقد كان لميوله الهزلية في عصر جدية مستحكمة أن تقلب حياته رأسا على عقب .
فبعد أن ألقي خارج مساره النضالي ضاع كل ما له معنى في مسارات عمره التعيس ، وتقطعت حياته وتملصت من بين أصابعه خيوطها ، ولم يعد متعلقا بأي شيئ ، سوى بزمن موغل في العبث وماض يشحنه بالإنتقام .
بعد.قضاء خمسة عشرة سنة بعيدا عن الأصدقاء والديار ، يعود لودفيك مشحونا مدججا بروح انتقامية حاقدة ، ومن هنا تكون له قصة أخرى .
إنها حبكة حاكها كونديرا باقتدار وإحكام ، وإنها لرواية مدهشة ضمنها المؤلف بفنية متفردة العديد من الثيمات الدسمة بتفاصيلها المربكة المعقدة ، كالحب والخيانة والجنس والصداقة والإنتقام ، والصراع الأزلي المحتدم بين الروح والجسد وسياسة الأنظمة الشمولية المستبدة بصراعاتها الطبقية الحزبية المتوحشة ، وديكتاتورية البروليتاريا المتغولة ، كما أتقن توظيف ثيمة التاريخ العابث بسيرورتنا المتعثرة ، وثيمة الموسيقى والفن والتراث بهالاتهما الأصيلة الآفلة .
رغم كون المزحة أولى روايات كونديرا ، إلا أنها مكنته من اعتلاء ذرى الشهرة والمجد ، وهو مالا يتاح بالكاد حتى لأكبر العمالقة والملهمين .
إن العملاق ميلان كونديرا ولدا كبيرا منذ البدء ، وهو ما يزيدنا شغفا بقراءة المزيد. من نصوص هذا الروائي المدهش والفيلسوف الحكيم .
يعلمنا كونديرا من خلال تحفة المزحة ألا نحتقر المصادفات الصغيرة في حيواتنا ، إذ من شأنها أن ترسم مصائرنا ، وذلك ما يجعلنا نعمل عقولنا بالتفكير في كل قراراتنا واختياراتنا الشخصية الخاصة.
أخيرا نرفع القبعة للأستاذ خالد بلقاسم عن ترجمته الرائعة .

جمعي شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى