محمد بشكار - مِزاحٌ يصْنعُ خريف الوزراء.. !

قد تَسْتفحلُ الغيبوبة بالوعي حتى نفْقدَ الشعور بأنفسنا، فنمضي مطأطئي الرأس بذريعة التواضع و نحن في ضِعةٍ من بؤسنا؛ و ينتقل هذا الشعور باللاجدوى الذي تطرح إغماءته تفكيرنا فِراشاً، من أنفسنا إلى المجتمع الذي قد يَعْتَلُّ جسدَهُ أحدُ الأمراض يكبر بِنفْخه الأليم في قلوبنا حتى يصير جبلا دون أن نُعيره من عنقنا التفاتا أو التفافا..!
لقد صارت للمجتمع القدرة على الجهر بنقدٍ لا تستطيعه أفصح الأقلام أدبا و إعلاما، متجاوزا كل الخطوط التحريرية التي يجب أن نُحرِّر وديان أسطرنا من ربْقتها كي تجري المياه بأفكار تُواكبُ و ليس فقط تركبُ على ما يُصدره المجتمع من أصواتٍ يُحوِّلها إلى تجارة مربحة بإنتاج الصدى..!
يجدر إذاً التأكيد دون أن نتْرك أسناناً بِالعَضِّ في لحْم أحدٍ، أن الشارع المغربي بلغ من النضج في وعيه السياسي تُجاه ما ينخره من فساد، درجةً صارت تسقط من جراء حرارتها في الرأي، الكثير من الكروش التي كبرت على حساب هزالنا السقيم، و ليتها كانت فاكهةً في شجرة طيبة، لنوعز هذا السقوط الذريع لنضج سياسي يخدم البلد، ولكنها للأسف تتخذ من أكتاف المواطنين سُلماً لتصل لأعلى المراتب في سلَّم الأجور..!
لا مِراء أن السلطة الإعلامية التي تضرب برأي من حديد، انتقلت إلى الشارع المغربي لتصنع الحدث بنفس القوة التي تصنعُها الصحافةُ في دول الغرب الديمقراطية، دون أن تكْبح جِماحها الغاضبة، رقابةٌ وضع خطوطها الحمراء الزائفة، ثلةٌ ممن يتواطأون مع ذوي المصالح الشخصية و يخْشون في الأقلام أوْهَنَ عودٍ قد يُحرك في الفساد رائحةً؛ و رغم أن النقد الذي يُبلوره الشارع المغربي و يجدُ تصريفاً أو تنفيساً لِسيْلهِ العارم عبر ثقوب التواصل الإجتماعي، قد يبدو في تعبيره المتناثر و الركيك مِزاحاً بطَعْمٍ حامض ككذبة أبريل، لكنه سرعان ما يُجَيِّشُ طوفانا من المتعاطفين مع نفس الرأي، ليأخذ المِزاحُ طابع الجدية و يصبحَ طعامَنا الذي نلوكه أو نتلمَّظُه و لو كان فلفلا، بالتعليق و السخرية في كل الوجبات، حتى يأتي الخبر اليقين بسقوط أحد الوزراء كان قد استهدفه أو رجَمهُ الرأي العام بوابلٍ من المِزاح، ليمضي إلى حالِ نسْيانهِ وهو يحْملُ معه بدل لقب وزير في أحد القطاعات توصيف "وزير الكرّاطة" أو "وزير الشكلاطة" و في الطريق"وزيرة جوج فرانك" التي اسْتَبْخَسَتْ التقاعد الذي يتقاضاه الوزير و هو مبلغٌ محترم، فصار الجميع يطالب بجوج فرانك..!
لا عين يمكنها أن تَعْمى و لو كان قلبُ صاحبها أسود، عن حقيقة أن الشارع المغربي صار ناقدا لبعض من يُحيقون بأوضاعه تردِّياً، و يمكن أن يلبس هذا الشارع بُردة الشاعر ليس ليكتب قصيدة رثاء في نفسه تُلقى بعد الدفن، و لكن ليوظف ذبذبات اسْتشعار عفوية و قوية تُنذر المجتمع أن الخطر الذي يَبْرم ُخيوطه بعض المفسدين المتعاقدين مع الشيطان وَ لْيَشربْ الجميع البحار، قد تجاوزوا في مسافة النهش و الاستغلال قياس البعيد أو القريب، وصار الخطر هو نفسه ُحبلَ الوريد الذي يخنق البلد اقتصاديا دون أن يطلع مع الروح فَلْسٌ إلى جيوب المستضعفين..!
لِنقُل إن قَصَبَ السَّبْقِ الإعلامي الذي تُنتجه بعض الصحف وهو أشبه في كثير من كلماته بقوالب السكر، أصبح اليوم ينبتُ في المستنقع الأسفل لحقول المجتمع، يسقيها بَدَلَ حبْر المطابع، عرقٌ لا يُنتج في قَصَبِ السَّبْقِ و هو يَتَفَصَّدُ من شظف الشعب إلا مُراً..!

(افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليومه الخميس 24 دجنبر 2015).


1752512889198.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى