شهادات غزّاويين: صمودٌ مُنظّمٌ يومًا بيوم في جحيم غزة*... النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود

15-7/2025

1752849905395.png


بالنسبة لأهل غزة، يمثّل وقف إطلاق النار لحظة هدوء نادرة في مدينة اعتادت الموت، وفرصة لاحتضان أطفالهم دون خوف، ومشاهدة غروب الشمس دون دخان أو صراخ. إنه استعادة أبسط شعور بالأمن، ذلك الشعور الذي افتقدوه بشدة في الحروب المتكررة، تلك التي اجتاحت منازلهم وحطمت أحلامهم بلا رحمة. ولوقف إطلاق النار بُعدٌ إنسانيٌّ عميق، إذ يُعيد لأهل غزة الشعور بالوجود كبشر، لا مجرد أرقام في التقارير الإخبارية. إنه شعورٌ بالانتماء إلى عالمٍ لا يزال يُقرّ بحقهم في البقاء، ولو لبضع ساعات.


1752850052825.png
وعلى الصعيدين النفسي والاجتماعي، لا تقتصر آثار الحرب على الجروح الجسدية؛ بل تخترق أعماق الروح. يعاني الأطفال الذين نشأوا محاطين بالانفجارات من اضطراب ما بعد الصدمة، وخوفٍ دائم، وانعدامٍ تامٍّ للأمن. لم يعرف الكثير منهم يومًا "طبيعيًا" واحدًا في حياتهم. لذا، يُصبح وقف إطلاق النار ضرورةً نفسيةً قبل أن يُصبح مطلبًا سياسيًا. إنه يفتح بابًا، مهما كان ضيقًا، للشفاء المُحتمل.


شباب غزة يفقدون طموحاتهم جرّاء العنف المُستمر. حيث إن الحرب لا تسلبهم عائلاتهم ومنازلهم فحسب، بل تسلبهم أيضًا أحلامهم بمستقبلٍ أفضل. يمنحهم وقف إطلاق النار المساحة التي يحتاجونها للتعافي، وفرصة لالتقاط أنفاسهم، وتضميد جراحهم، وإعادة بناء أرواحهم التي حطمتها ضربات الحرب. كما يخفف من حدة التوترات الاجتماعية والأسرية التي تفاقمت بفعل الضغوط النفسية المتراكمة، مما يساعد المجتمع على استعادة بعض التماسك.
اقتصاديًا، ترزح غزة تحت حصار خانق منذ سنوات طويلة، مما جعل اقتصادها هشًا للغاية، ويعتمد بشكل كبير على المساعدات الإنسانية. مع كل حرب، تعاني البنية التحتية من دمار هائل: تُهدم المصانع، وتُوقف المشاريع، وتفقد آلاف العائلات مصدر دخلها. يمثل وقف إطلاق النار مرحلة جديدة محتملة - وإن كانت محدودة - في الانتعاش الاقتصادي: فتح المعابر لإدخال مواد البناء والوقود، وإحياء المشاريع الصغيرة، والسماح بعودة النشاط التجاري إلى الأسواق المحلية.
وقف إطلاق النار يمثّل بصيص أمل لآلاف الخريجين العاطلين عن العمل، الذين قد تتاح لهم، في ظلّ هدوء نسبي، فرصة سانحة. ولا يمكن للاقتصاد أن يزدهر تحت وطأة القصف، والاستثمار - سواءً أكان محليًا أم أجنبيًا - مستحيلٌ في غياب الأمن. الاستقرار، حتى لو كان مؤقتًا، قد يُحفّز بعض المبادرات في الحياة المدنية ويُنعش الشوارع الخالية من أيّ نشاط سوى سيارات الإسعاف وأصوات الأنقاض.



1752850134298.png
وسياسيًا، يُمثّل وقف إطلاق النار إشارةً إلى أن الأفق الدبلوماسي، مهما كان محدودًا، لا يزال ممكنًا. إنه اختبار حقيقي لرغبة الأطراف الدولية الفاعلة في الضغط من أجل حلول عادلة ودائمة، بدلًا من مجرد إسكات البنادق مؤقتًا. كما أنه رسالة للعالم: الشعب الفلسطيني، وتحديدًا سكان غزة، ليسوا كيانًا منسيًا في هذا الصراع، بل شعبٌ كريمٌ له حقوقٌ ومطالب. مع كل هدنة، تتوقع عائلات غزة مواقف ملموسة من المجتمع الدولي، تتجاوز مجرد الإدانات الكلامية وتتجه نحو تدابير ملموسة لحماية المدنيين ومنع تكرار المأساة. لكن سكان غزة تعلموا من خلال التجربة أن هذه الهدن غالبًا ما تكون هشة، وأن السياسة وحدها لا تكفي دون عدالة وإنصاف حقيقيين. لذا، يجب أن يكون وقف إطلاق النار مدخلًا لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع، وعلى رأسها الاحتلال والعدوان والحصار، وليس مجرد استراحة قبل تصعيد جديد للعنف.
رغم كل الأمل الذي يمكن أن يبعثه وقف إطلاق النار، إلا أن قلقًا دائمًا يطارد سكان غزة: ماذا بعد؟ هل هذه هدنة حقيقية، أم مجرد استراحة قصيرة قبل موجة دمار جديدة؟ لقد عاش سكان غزة هذا السيناريو مرارًا وتكرارًا، لدرجة أنهم يترددون في الفرح أو التجاوب مع الأخبار الواعدة، خوفًا من أن تتحول بسرعة إلى كابوس آخر. الثقة معدومة، والواقع يُثبت أن السلام في غزة هش كخيط دخان، جاهز للتلاشي في أي لحظة.
ومع ذلك، فهم لا يملكون ترف الاستسلام. إنهم يزرعون الأمل في قلوب أطفالهم، ويُعلمونهم أن الغد قد يكون أفضل، حتى لو لم يروا ذلك بأنفسهم. لذا، فإن وقف إطلاق النار فرصة بقدر ما هو مسؤولية - مسؤولية يجب على العالم أجمع احتضانها وحمايتها، حتى لا يصبح مجرد هدوء مؤقت، بل بداية مرحلة جديدة أكثر عدلاً واستقراراً.
إن وقف إطلاق النار في غزة ليس مجرد نهاية حرب، بل هو بداية حلم طويل بالسلام الحقيقي. سلام لا يقوم فقط على إسكات الأسلحة، بل على عدالة تعيد حقوق السكان وتضمن كرامة الإنسان الفلسطيني. هذه خطوة أولى على طريق طويل، ولكنه طريق لا بد من اتخاذه إذا أراد العالم حقاً إنهاء هذا الصراع المزمن.
ما تطلبه غزة ليس مستحيلاً. ببساطة تطلب تطلب أن تُعامل كأي شعب آخر على وجه الأرض: أن يعيش سكانها بأمان في منازلهم، وأن يذهب أطفالها إلى المدارس دون خوف، وأن تُفتح لهم أبواب الأمل، لا أبواب المقابر. وقف إطلاق النار، في جوهره، هو استفتاء عالمي على الضمير الإنساني: هل ما زال يُنظر إلى الفلسطينيين كبشر؟ هل ما زالت الحياة في غزة تستحق الحماية؟ الجواب لا يكمن في الكلمات، بل في الأفعال، في القرارات الشجاعة التي ستنهي المعاناة وتمنح هذا الشعب المظلوم فرصة حقيقية لحياة كريمة، بعد عقود من القمع وإراقة الدماء والتخلي عنه.
***

1752850225307.png

وفي نهاية المطاف، وصف أبو أمير حالة اليأس التي يعيشها سكان غزة، متأرجحين بين انتظار الاتفاق وانهيار الأمل.
يعيش قطاع غزة حاليًا حالة من اليأس العميق الذي يؤثر على جميع مناحي الحياة اليومية لسكانه. يأتي ذلك في أعقاب تراجع حاد في المؤشرات الإيجابية التي كانت قد بعثت مؤخرًا بصيص أمل بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق تبادل أو هدنة تُنهي دوامة الحرب والمعاناة المستمرة. ورغم بصيص الأمل الذي ظهر في الأسابيع الأخيرة، إلا أن جمود المفاوضات السياسية وتزايد التصريحات المتناقضة من الأطراف المعنية قد أغرق سكان القطاع في حالة من الترقب الممزوج بالإحباط واليأس.
منذ بداية الحرب الأخيرة على غزة، ينتظر سكان القطاع بفارغ الصبر أي بوادر انفتاح سياسي أو تقدم حقيقي في المفاوضات التي يجريها الوسطاء الإقليميون والدوليون، وخاصة مصر وقطر. ومع كل تصريح لمسؤول إسرائيلي أو دولي يُشير إلى تقدم، كان سكان غزة يتمسكون بالأمل كنسمة من الهواء النقي، لا سيما في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشونها. لكن هذه المؤشرات تلاشت تدريجيًا مع عودة الخطاب العدائي، والإشارة المتكررة إلى "التعقيدات". "مطالب غير واقعية" و"شروط غير مقبولة"، مما أدى إلى خيبة أمل واسعة النطاق بين السكان.
لا ينبع اليأس في غزة من تعثر الاتفاق فحسب، بل من شعور عميق بالعجز الجماعي. لقد دمرت الحرب البنية التحتية، وأودت بحياة آلاف المدنيين، وشردت مئات الآلاف. وأصبحت الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والرعاية الطبية شبه معدومة. في مواجهة هذا الواقع المرير، لم يعد السكان قادرين على عيش حياة طبيعية. حتى أمل البقاء أصبح رفاهية بعيدة المنال بالنسبة للكثيرين، ناهيك عن حلم الاستقرار أو مستقبل أفضل.
في ظل حالة عدم اليقين المحيطة بالمواقف الإقليمية والدولية، يشعر سكان غزة بأنهم منسيون، وأن معاناتهم أصبحت مجرد قطعة في لعبة سياسية أوسع نطاقًا لا يملكون فيها أي سلطة. هذا الافتقار إلى المنظور السياسي وركود المفاوضات يجعل أي أمل في حل قريب الأمد وهمًا تقريبًا. علاوة على ذلك، تتزايد المخاوف من أن الحرب ستطول أكثر، أو أن أي اتفاق، في حال التوصل إليه، سيكون محدودًا أو غير عادل من قبل بعض الأطراف، مما لن يؤدي إلا إلى تفاقم اليأس الجماعي والتوترات الداخلية.
تأثيراً، يتجلى اليأس جليًا في السلوك الاجتماعي في غزة.حيث يتصاعد الضغط النفسي، وتبدأ بوادر التفكك الاجتماعي بالظهور تحت وطأة الضغوط الهائلة على الأفراد والأسر. المدارس مغلقة، والأطفال محرومون من التعليم واللعب، والكبار منهكون من القلق والانتظار المستمر. نفدت أطعمة العديد من العائلات، والدواء غير متوفر، والبطالة في مستويات قياسية. هذا الواقع يُولّد شعورًا واسع النطاق بالظلم والتخلي، سواء من جانب المجتمع الدولي أو من جانب مختلف الأطراف الفلسطينية نفسها.
وفي ظل هذا المناخ، يُصبح من الضروري تعزيز خطاب إعلامي وسياسي واقعي ومسؤول - خطاب لا يُضخّم التوقعات ولا يُغفل الشائعات والمعلومات غير الدقيقة. يستحق سكان غزة الوضوح. يجب إخبارهم بصراحة بطبيعة المرحلة الحالية والإطار الزمني المعقول لأي تسوية. إن تغذية الأوهام لا تُفاقم إلا خيبة الأمل عندما ينهار الأمل، وتُعزز الشعور بالخيانة والتخلي.
يجد قطاع غزة نفسه اليوم عند مفترق طرق، في لحظة حرجة تتفاقم فيها المعاناة وتتضاءل الآمال. أمام هذا الوضع المأساوي، لا بد من تدخل حقيقي وفعال - تدخل لا يقتصر على التصريحات، بل يترجم إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع: وقف الأعمال العدائية، وتقديم مساعدات إنسانية فورية، والعمل الجاد نحو اتفاق عادل وشامل يعيد الحياة لسكان القطاع.
اليأس ليس مجرد شعور: إنه حالة وجودية تزداد خطورة، تهدد بتآكل ما تبقى من صمود إنساني في غزة - ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة ومسئولة.
-*Témoignages de Gazaouis : La survie qui s’organise au jour le jour dans l’enfer de Gaza

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى