د. نجاح بن زائد - للبيت ربٌّ يحميه

٠٠بلا سابق إنذار، وعلى طريقة المخادعين والختلة، تغادرنا الكهرباء، تلك المارقة التي لا يُعرف لها أبٌ ولا أم، ولا يُلحق نسبها بوزارة، أو عقد، أو حتى فتوى.
تمرّ كعادتها مرور الكرام، ثم تختفي كما تختفي وعود الإصلاح في خطب المترشحين للرئاسة.
الكلّ يتلظّى، ولا شفاعة هنا لدموع الأطفال، ولا لأنين المرضى، ودعاء الجدّات عند عتبات البيوت.
ويأتي من أقصى المدينة رجلٌ يلهث، يحمل نبأً أشدّ بؤسًا من مقتل كُليب، يقول:
"هنالك عطل في مضارب قبيلة الهوام؛ هامةٌ ضالّة أفسدت أحد المحوّلات."
وكما كان عروةُ الصعاليك* يسرق الأغنياء ليُطعم الفقراء، تطوّع فتى من الأعراب، يحمل سلكًا، ومفكًّا، وكثيرًا من الدعاء، وحاول أن يسرق خيطًا من قبيلة المْرادف** تلك التي لا تعرف معنى هروب الضيّ (تُنطق كلمة الضيّ بتشديد ومدّ الياء كما يليق بلفظة تقال في النواح).
لكن محاولته لم تُفلح إلا في إشعال فتيل الفتنة، فقد غضب أكابر القوم وقالوا: "لن نسمح بتطاول الصعاليك!"
فجأة، يصيح من وسط الجموع رجلٌ نحيل، يعلوه غبار الانتظار:
"الرحيل، الرحيل يا قوم! فهذه البلاد فيها من يأكل القلوب والأكباد، وفيها تُخطف الأرواح كما تُخطف الكهرباء!"
تهرع النساء لجمع ما يمكن صرّه من الثياب، وأوراقٍ نقديةٍ اختفت ملامحها من كثرة اللمس والحاجة.
تتقدّمهم عجوزٌ شريفة، لا تطمع في أكثر من قبرٍ تتوسّد فيه تراب الوطن، تصرخ العجوز بصوتٍ مبحوح:
"الصبر، الصبر! ما استعجل القوم إلا وقد هلكوا... احمدوا النّعم، فالضيّ يأتينا من الفجر حتى يتساوى الظل، ولكم في الجنوب أسوةٌ حسنة، فالكهرباء هناك عابر سبيل، لا يحلّ بينهم إلا ساعة!"
يسود الهرج والمرج، وتختلف الأصوات بين مؤيّد ومعارض، ويعلو صوت مروحةٍ يدويةٍ من ورقٍ مقوّى.ثم يظهر شيخٌ فقد الأمل كما فقد أسنانه، يهزّ رأسه المثقل ويقول:
"الرحيل، الرحيل! فإنّ (المخانِب)*** إنْ حلّوا بأرضٍ أفسدوا فيها الزرع والضرع. وقد قالها عبد المطّلب: أنا ربّ الإبل، وللبيت ربٌّ يحميه. دعوا شأن البلاد لربّها، وتدبّروا أمركم!"
بعد شدٍّ ورد، جلس الجميع في الانتظار، فربما تعود الكهرباء مع الحكومة الجديدة، بينما ظلّت الفتيات تُدندن على استحياء:
"راجيت والمرجى كمل... صبري نفذ مني وزعل، والله وزعل."

*عروة الصعاليك: هو الشاعر الجاهلي عروة بن الورد، المعروف بشعره وفكره الذي يتبنّى قضايا الفقراء والمهمّشين.
** المرادف في اللهجة الليبية هي جمع كلمة مردف وتعني الشخص السىء الخلق .
*** المخانب جمع لكلمة خانب في اللهجة الليبية وتعني السارق .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى