إبراهيم محمود - تجربة الكتابة وكتابة التجربة" القسم الأخير " عن د. زهير الخويلدي المقيم بين التجربة والكتابة فلسفياً

1784324585311.png
د. زهير الخويلدي



أسماء دون أسماء

" الكتاب، كثمرة للعقل، والشخصية المفهومية كأداة تأثيره، يمثلان أسمى ما أنتجته البشرية. إنهما يحملان بذور التقدم والحرية، لكنهما يتطلبان يقظة نقدية دائمة كي لا يتحولا إلى أدوات قمع أو وهم. المقاربة التنويرية النقدية تدعونا إلى قراءة الكتب لا كسلطة نهائية، بل كدعوة للتفكير الذاتي. بهذا المعنى، يظل كل قارئ مشاركاً في إنتاج الشخصيات المفهومية، وصانعاً لمستقبل البشرية. العقل الذي أنتج الكتاب قادر على نقده وتجاوزه، وهذا بالذات هو مصدر أمله الأعظم. في زمن يتسارع فيه التغيير، يبقى الكتاب شاهداً على قدرة الإنسان على خلق معنى يتجاوز الزمن، ويبقى العقل مصدر كل ثمرة حقيقية. لكن يساعد الكتاب على التوجه نحو تدشين تنوير نقدي مستمر؟"

د. زهير الخويلدي: الكتاب ثمرة العقل والشخصية المفهومية وأثرها في تقدم البشرية، مقاربة تنويرية نقدية" موقع الأنطولوجيا "



" إن الشخصية المفاهيمية ليست ممثلاً للفيلسوف؛ بل على العكس تماماً: الفيلسوف ليس إلا وعاءً لشخصيته المفاهيمية الرئيسة ولجميع الشخصيات الأخرى، التي هي الوسطاء، والموضوعات الحقيقية لفلسفته. الشخصيات المفاهيمية هي "أسماء بديلة" للفيلسوف، واسم الفيلسوف ليس إلا اسماً مستعاراً لشخصياته. لم أعد أنا نفسي، بل أصبحتُ قدرةً فكريةً على رؤية ذاتها والتطور عبر مستوى يمر بي في عدة مواضع "
Axel Cherniavsky: Concept et méthode" La conception de la philosophie de Gilles Deleuze "
أكسل تشيرنيافسكي: المفهوم والمنهج "مفهوم فلسفة جيل دولوز"


سؤال الصوت المنتظَر
في هذا المبحث الفرعي" ولعله الأخير في الموضوع إجمالاً "، سوف يكون لقاء عن صوت المتحدَّث عنه من خلال المتحدّث عنه، وما في ذلك من قياس المسافة بين سعي الكاتب إلى أن يقدّم صورة معرفية عمّن يكتب عنه، ليكون هناك إمكان تمايز بين صوتيهما. الكاتب هنا، حيث يقوم بمهمّة مركَّبة في الكتابة، بما أنه لا يطرح موضوعاً، ويتناوله من زاوية معينة تتجاوب وطريقة تعامله مع فكرته وكيفية طرْحها، إنما يكون موضوعه عائداً إلى من له ضِلْع في موضوع أو أكثر، تعرَّض له، وكيفية نقل الصورة إلى القارىء، مرفقة بصورة تسميّ الكاتب نفسه. حيث يتوجب عليه أن يودِع كتابة الكتابة بصمة لتحيلَه شخصية مفهومية .
في ذلك يكون تحدّي الكاتب لذاته كشخصية يومية، وتوسل الشخصية المفهومية التي تقيم في عالَم الآخر!
أتحدث هنا عن خياراته جهة الأسماء التي يتوقف عندها، أو تستأثر باهتمامه البحثي أو الدرسي. إنها تبلغ من الكثرة إلى درجة أنه يصعب، إن لم يكن مستحيلاً حصرها في هذا الحيّز الضيّق من البحث، أعني بها أسماء كتّاب ينتمون إلى مختلف العصور، في النطاق الفلسفي غالباً، وهي تشكل عناوين كاملة لمقالاته، أو أبحاثه، أو تحتل مكانة فاعلة في بنية هذه العناوين، إنما عليّ التحديد هنا، وهي أن النسبة الكبرى منها تنتمي إلى العالم الآخر: الغرب، وفي أكثر من عنوان، أو مقال أو بحث متفاوت في المساحة من ناحية، إلى جانب طبيعة الانشغال البحثي استرسالاً أو استناداً إلى مصدر أو أكثر، من ناحية أخرى، ودلالة هذا الاهتمام لحظة النظر في خلفيتها الثقافية: لماذا هذا الترجيح في الحضور، أكثر مما يعنيه مباشراً في تاريخه ، تاريخ " حضارة اقرأ " الذي لا يتردد في تسميته، وفي اعتباره، وبأكثر من معنى، الخميرة ذات الفعالية المجدية وبطابعها العجائبي في تحقيق النقلة النوعية إلى سدَّة الحضارة المعاصرة حيث " يشمخ الغرب " إن جرى بحثها، قراءة واستيعاباً لمُثلها، أو تجاربها البنيوية،وما في ذلك من مخاطر المقاربة دون احتساب الزمن.
في ذلك، وكما نوَّهت في أكثر من نقطة سالفة، أسجّل تقديري لجلّده، لرباطة جأشه، على هذه الإرادة الشغوف بما يقرأ ويكتب، بغضّ النظر، عما تكون عليه، أو تأتي به الكتابة هذه من قيمة معرفية نوعيةً، لكن ذلك سرعان ما يتحول هذا المسطور إلى مأثور احتكامي، إلى مساءلة عن محرّك هذه القراءة، ومتضمَّن الكتابة تالياً، وكيف تأتي كل منهما جهة الجدوى المضافة، أو المغايرة: العلامة الفارقة في الشخصية المفهومية، حيث النص لا يقف في نطاق المحدود به صمتاً أو سكوتاً، إنما يتكلم كاتبه، في الذي سطَّره.
الذي عنيت به هنا، هو قائمة من أسماء تمثّل جملة الكتّاب القريبي العهد منه، أو ممن كانوا أحياء حتى الأمس القريب جداً، ويُعرَفون بـ" لغة الضاد "، وهم معرَّف بهم بوصفهم حملة شهادات فلسفة إجمالاً، ومنهم من ليسوا كذلك، وفيهم، من جمعوا بين العمل البحثي والأكاديمي والتدريسي، حال كاتبنا، وهذا له اعتباره، وهذا يضفي على أي قراءة لمقروئه، ديناميكية فضول معرفية، في اقتفاء أثر المغايرة المسمّاة، أي كيفية تسمية تجربة الكتابة لدى هذا أو ذاك، وبالتالي، ما تكون عليه تجربة الكتابة كحصاد معرفي مسمَّى.

من الناطق إلى المنطوق
كما اعتمدت جملة اقتباسات، سالفاً، في مباحث فرعية سابقاً، تخص نماذج من كتاباته، مدخلاً إلى المعتبَر: متن العلاقة المباشرة بنموذجه، تنويراً لفكرته، وتذكيراً بما يشكل معهوده لنفسه وقارئه معاً. هكذا، سأذكّر ببعض مما يفيد، ويجيد " اللعبة " لعبة القراءة والكتابة، ومرتّبها فهماً وإدراكاً فلسفيين، إن استأنسنا بغادامير في بعض أثير مما انشغل عليه، في مضمار العلاقة بين الحقيقة والمنهج. إنهما الاسم والعنوان اللذان يعرفهما كاتبنا جيداً، وبهذا أشير إلى قول " تحكيمي " له هنا جهة طبيعة العلاقة مع المسطور، في الجدّية( فالجدّية ليست مجرد شيء يدعونا إلى الابتعاد عن اللعب، إنما الجدية، في الحقيقة، أمر ضروري للعب لجعله لعباَ شمولياً. والشخص الذي لا يحمل اللعبة على محمل الجد نفسه يفسد متعة الآخرين ..) "1".
إنه الرهان الصعب لما هو فلسفي، وإلا لمَا كان هذا الاسم: فلسفة، حيث المنهج، رغم كل المعزّزات التي تقال أو يُشدَّد عليها، جهة المنهج المعتمد في الكتابة، غير أن الحقيقة تقف له" المنهج " بالمرصاد، لئلا يُظَن أنه البرزخ الواصل بين الكاتب وما يعتبره الحقيقة لما يدرسه، أي في كيفية ترْك الطريق محرراً من أي وازع وصائي، أو إقرار قطعي بما ألزم به نفسه، وجرى بذلك إنهاء بحثه.
يقول في مقال له معنون بـ:
القيمة الدائمة للفلسفة هي التطوير المستمر للفكر في كل فرد وكل ثقافة، 20 تشرين الثاني، 2025 " الحوار المتمدن "
ما ينوّه إلى مثل هذه العلاقة، تنويعاً وإبقاء التنويع نفسه لحركة تنويع تتجاوزه وهكذا دواليك:
( في الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة الذي تنظمه اليونسكو بتاريخ 20 نومفبر 2025 يجدر التذكير بالحق الكوني في الاشتغال بالفلسفة لأن "التفلسف ممارسة دائمة ولصيقة بالوضع البشري" وهو من أكثر الاهتمامات دقةً وعمقاً لجوهر الفلسفة عبر التاريخ. فهي لا تُقزِّم الفلسفة إلى مجرد منظومةٍ من المذاهب أو إجاباتٍ جاهزة، بل تُعيدها إلى وظيفتها الأنطولوجية والتربوية الأساسية: أن تكون محرّكاً دائماً لنموِّ الوعي الفردي والجماعي.).
وكتأكيد أكثر على ذلك أذكّر قارئه، ببعض مما يخص كتابات قديمة له نسبياً، لها طابع وجداني، وما فيها من خاصية انطباعية إنشائية، وحتى وعظية في الصميم، كما في مقاله:
من أنت أيها الإنسان؟ 12 كانون الأول 2009 " موقع زمان الوصل "
حيث يقول، مثلاً:

عندما تنظر إلى الكون وتتطلع إلى الطبيعة وتشاهد البحار والجبال وتلمح التنوع والثراء في الكائنات فإنك تتساءل ترى ما سر هذا التناسق البديع وهذا التصميم الجميل وتفتش عن القوة العجيبة التي تقف وراء كل هذا النظام وعندما ترجع إلى نفسك وتتأمل ذاتك فإنك تتردد بين الغفلة واليقظة وبين النسيان والتذكر وبين الإهمال والإدراك وتتفحص بعقلك عن وعيك وتستعمل مشاعرك وأحاسيسك للبحث عن جسدك وتفاجئ أنك تجهل ذاتك ولا تثبت نفسك وتتساءل: من أنت أيها الإنسان؟ وماهي مكانتك في الكون؟ وبماذا تدرك ذاتك؟ وما المدرك من ذاتك؟ أترى أحد مشاعر جسمك أم قوة عقلك؟ وماذا يترتب عن هذا الإدراك للذات؟
انتهىى كلامه!
غير أن المفيد هنا، هو ما يشدّد على الملزَم به في عملية القراءة والكتابة وشرط الاختلاف المعرفي.
ليكون الذي أودعه نص مقال له، له ميزة استنفارية تنبّه كل من له صلة بالثقافة الفعلية، لأن يكون على مستوى المسئولية الأخلاقية، المسئولية كفرد، وواجب التعبير عن الحقيقة التي لا تتوقف عليه وحده، إنما- رجوعاً إلى غادامير، حيث يمكن تفعيل المعنى- تكون إنسانية، وكِلَف التمثيل الذاتي لذلك. وإلا، فإن على الكاتب المعرّف بنفسه مثقفاً، أن يلتزم الصمت، وأن ينزع عن نفسه صفة المثقف.
ماذا يُقرأ، في مقاله ذي العنوان اللافت:
نداء الى المفكرين والمثقفين، 26 آب 2021، " موقع الأنطولوجيا ":
حيث ثمة حشد كم كبير من الأسماء ذات الصلة بالمثقفين وتباين مواقفهم، ولقضية دريفوس، ومقال إميل زولا التاريخي محوريته " أنا أتهم "، هناك جان جاك روسو، هيغو، بول نيزان واضع كتاب" كلاب الحراسة " وبرغسون،وريمون آرون، في كتابه" أفيون المثقفين-1955" وسارتر، وفوكو،وبيير بورديو،
طرق أن تكون مفكرًا، من قضية دريفوس، يمكننا بالتالي التمييز بين نموذجين رئيسيين لتدخل المثقفين. من ناحية أخرى، أولئك الذين ينقلون إلى المجال السياسي قيم الاستقلال عن مجالهم؛ بالاعتماد على سلطتهم الخاصة المكتسبة في المجال الفكري، يتدخلون بالتالي في المجال السياسي "بأسلحة ليست من أسلحة السياسة". من ناحية أخرى، فإن أولئك الذين يضعون عملهم و / أو شخصهم مباشرة في خدمة مجموعة اجتماعية أو قضية أو منظمة حزبية، وبالتالي فإن منطق المجال السياسي مهم في مجالهم. إن هذا التسييس للمثقفين هو ما ندد به جوليان بيندا بشكل خاص في خيانة رجال الدين في عام 1927. في الواقع، خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، ظهرت شخصية مفكر "الحزب" ، بما في ذلك الحزب الشيوعي على وجه الخصوص ، قدمت العديد من الأمثلة: هكذا ، في كلاب الحراسة (1932) ، ينتقد بول نيزان المثقفين ، مثل هنري برجسون ، الذين يتهمهم بأنهم محبوسون في برجهم العاجي وبإدامة البرجوازية ويدعو الأجيال الجديدة من يلتزم الفلاسفة بالبروليتاريا.
انتهى كلامه !
إنها أسماء أجنبية، أسماء قادمة أو مستقدمة من الغرب " المتوحش "، وليس من عالمه القائمة على نوع من الصراطية ذات الدمغة الاستبدادية، والآبائية الساحقة الماحقة لمن يمثّلوها " عالياً" وحصر البنوّة التي تشمل مجتمعاً بكامله في نطاق: اسمع وأطع، وإلا فانتظر أشد العقاب، إجمالاً،وبذلك يكون النداء موجهاً إليه قبل سواه، وخطاب المقال، بما يحمله من حس المسئولية والتقدير للكتابة ذات العلاقة، لا يدع مستوراً أو حجاباً ليتوارى خلفه أي كاتب، وبداية هو، حيث يطرَح السؤال التالي: كيف جرت كتابة نداء كهذا، وثمة استعراض لأسماء كتاب" غربيين " وانطلاقاً من قضية تجاوزت حدودها التاريخية، يعني بها المثقف، محكاً لحقيقة ما هو عليه مجتمعاً، وما تأتي به كتابته فكراً، وليس في ذهنه، مجرد اسم واحد يتكلم لغة الضاد، وما إذا كان يتكلمه هو نفسه، ويحيله كتابة، يؤهل الناطق فيه وقد أصبح كاتباً، مثقفاً، لأن يحقق نصاب المطلوب في الكتابة، عما جرى النظر فيه حتى الآن، وما سنتوقف عنده، من أسماء دون أخرى: عربياً وتبعاتها؟!
وفي الوقت نفسه، حين يتحدث عن الإنسان وظروفه، حيث إن ذلك لا يسمّي معياراً ثابتاً للربط بين المثقفين، لأن إرادة الإنسان، إرادة الفعل لدى أي منا، تعزز لخاصية التمايز، حال من عانوا الأمرين جرّاء كتاباتهم، حال من دفعوا حياتهم ثمناً تعبيراً عن أفكارهم التي نسِبت إليهم( حسين، مروة، مهدي عامل، فرج فودة..) وما تمت ملاحقتهم، ورصد تحركاتهم، وتأليب العامة ضدهم، حال نصر حامد أبو زيد هنا.
ماذا يقول في مقاله:
الإنسان وليد ظروفه ولكنه يظل أسير أفكاره أيضاً، 29 كانون الثاني، 2026 " صحيفة المثقف "
هل من تمثيل لذات لا تخضع لسكونية مجتمعها؟:

بدءاً من المقدمة: في عمق الوجود الإنساني، يبرز الإنسان ككائن معقد يتشكل من تفاعل ديناميكي بين الخارج والداخل، حيث يُعتبر نتاجاً مباشراً للظروف المحيطة به، تلك الظروف التي تشمل البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية التي يولد فيها وينمو.
في المجال الفلسفي، يتردد هذا المفهوم في أفكار كثير من المفكرين، حيث يُرى الإنسان كنتاج للظروف الاجتماعية التي تُحدد وجوده، لكنه في الوقت نفسه يمتلك حرية داخلية محدودة بأفكاره، فالحرية الحقيقية ليست في تغيير الظروف فقط، بل في تغيير النظرة إليها، مما يجعل الأفكار سجناً إذا كانت سلبية أو بوابة للتحرر إذا كانت إيجابية.
ليقول في الخاتمة
في النهاية، يظل هذا المفهوم دعوة للتأمل في طبيعتنا المزدوجة، حيث نولد من الظروف لنعيش أسرى أفكارنا، لكن في الوعي تكمن مفتاح التحرر، يفتح أبواباً نحو حياة أكثر حرية وإبداعاً. كما يعمق الجانب النفسي لهذا المفهوم فهم الإنسان ككائن مزدوج الطبيعة، وليد لظروفه التي تبني أساسه، لكنه أسير لأفكاره التي تحدد حدوده، وفي هذا التوتر يكمن سر الوجود البشري، حيث يسعى الإنسان دائماً نحو التوازن، مستخدماً الوعي كمفتاح للتحرر، ليصبح ليس مجرد رد فعل للخارج، بل مبدعاً لعالمه الداخلي، قادراً على تجاوز الظروف وإعادة تشكيل أفكاره نحو حياة أكثر سلاماً وإنجازاً.
انتهى كلامه!
نعم، لكم يسعدنا صوته المعبّر عما يحرّرنا مما هو قطيعي داخلنا، وهو يحفّز هذه الإرادة، إنما ماذا وكيف تكون الصورة في الوضع الذي بعمم أفكاره، بقدر ما ينطلق من مجتمعه المنمذج والذي يجري مديحه كثيراً هنا وهناك، مجتمع " حضارة اقرأ " بالطريقة التي تعرضنا لها في نماذج مختلفة؟


في مساءلة أسمائه
ما يقلق القارىء، أعنيني هنا، على الأقل، هو الطريقة التي تناول فيها أسماء كتاب ذوي توجهات مختلفة، لم يأت النظر فيها اعتباطاً، إنما بناء على ذائقة ذاتية مدروسة في جانبها الاجتماعي، عدا عن التباين الكبير، لا بل والكبير جداً، بين اسم وآخر، بين من أعطيَ حق الظهور في مقاله بأسلوب انطباعي، مطعَّم بكلمات لها صبغة التفلسف، في رثاءات ليست لي، ومن جرى تقديمه بـ" مكرمة " ذاتية يتجاوز بها آخرين، دون أي تسويغ، وما في ذلك من حدوث ثغرة بينية، ثغرة، تعرّي النص من وقاره المزعوم، ونسَب البحث فيه، ومن كان يجب أن يكون له " نصيب " يستحقه من باحثين هم مفكرون بدرجة عالياً عربياً، لم أجد حضوراً له، انطلاقاً من متابعة لي، وأنا أنتقل من منبر إلى آخر، من لائحة عناوين مقالات له لأخرى، كما سنرى، وما لهذا التجاهل، التجاهل المدروس طبعاً، من تأثير في توسّع هذه الثغرة البحثية وجدّية اللعب تحديداً، وما يمكنني قوله بداية، ربطاً بنقطة أعتبرها أساسية في متن المسطور، وهو أن ذلك تجاوز مع رغبة عدم تسمية الرغبة، إن جاز التعبير، رغبة الاعتراف الضمني بمكانة من لم يَشَر إليهم، وهم يستحقون، على الأقل مقارنة، بمن تم التوقف عندهم في أكثر من مقال، ورغبة التصريح الظاهر في المسطور لحساب الوسط.
سوف أعتمد في متابعتي لـ" لعبة الأسماء " هذه، على الترتيب الزماني، وأحياناً، وعند الضرورة، قد أخل بهذا الوعد الموسوم، لأن متطلبات النموذج المطروح تسوّغ ذلك، كما سنرى.
ماذا يقول عن " نصر حامد أبو زيد " في مقاله:
هكذا تحدث نصر حامد أبو زيد، 5 تموز 2010 " موقع إيلاف "
لقد عبر نصر حامد أبو زيد عن حتمية الظهور المتأخر للحس النقدي في المجال الديني داخل حضارة اقرأ واصطدم بالتفكير الصراطي والحركات الإحيائية وبين هشاشة المرتكزات التي تقوم عليها وتناقض تناقضا تاما مع الصور النمطية السائدة في الأزهر التي تتراوح بين التسليم التام والعنف التعصبي وجسد كأحسن ما يكون المفكرين الأحرار في الإسلام والشخصيات القلقة في التاريخ الانساني.

لم يمنع زمن التكفير وصكوك الغفران والتوظيف النفعي للدين الذي عاش فيه أبو زيد من أن يتوجه نحو التفكير العقلاني وحرية المعتقد وأن ينظر للتأويل والاجتهاد والتجديد في فضاء إيماني دأب على الشرح والتفسير والتقليد وأن يتبنى أطروحات علمانية دنيوية في مناخ سياسي يتنفس نوعا من التيوقراطية المستترة وأن ينتصر للدولة المدنية والعقل هوعلى حساب الدولة الدينية، والإسلام هو الحل.
لم يتعسف أبو زيد على النصوص التراثية من أجل أن يظهر مواطن النور كما فعل غيره من دعاة التنوير المسقط ولكنه ترك النصوص تتكلم بنفسها وتشع بأنوارها على القارئ وتفصح عما في طياتها من نفائس، لقد كان منقبا بارعا في الأغوار وكاشفا عن طاقات مطمورة لثقافة حجبت طبقات الميراث عبقريتها الفذة.
انتهى كلامه!
العنوان، يذكّرنا في الحال بعنوان أحد كتب الراحل" أبو زيد": هكذا تكلم ابن عربي، جرياً على مأثور نيتشوي في كتابه: هكذا تكلم نيتشه، وما في كل تسمية من خلاف واختلاف في المحتوى والمتوخى بالمقابل.
المقال رثاء، وإظهار تقدير عرَضي لمؤلف عشرات الكتب التي كان لها تبعاتها هنا وهناك. في تقريظ الخويلدي، ما يلفت النظر، وهو أنه لم يقل فيه، ما يمكن أن يقال في الذي يسطّره هو نفسه، أي جهة المسافة الفاصلة معرفياً، وجهة الانتماء إلى حضارة " إنّي أتهم " الدريفوسية، وليس " حضارة اقرأ" الخاصة به، ثمة قول عام، لا يُعدّ حتى رأياً بمفهوم الفلسفة، كما يجري التلفّظ به خطأ شائعاً، ومن قبل أهل الحرف أحياناً. الرأي يستند إلى دعامة في المصدر، في الواقع، من تجربة الذات، ليكون المسطور اعترافاً عابراً، إشعاراً بنوع من مصادقة الفلسفي!
هكذا يمكن النظر في مقاله، وبخاصيته الرثائية، وهو مقال يتيم، واستعراضي، من نمط مقاله عن" أبو زيد":
ناقد العقل الإسلامي محمد أركون يسجل اسمه في التاريخ ويرحل، 16 أيلول 2010 " صحيفة المثقف "
إن رحيل العقل اليقظ محمد أركون 1928-2010 يعني أن الساحة الثقافية والإسلامية قد خسرت هذه الأيام ويا للأسف وفي فترة وجيزة العديد من العمالقة والقمم مثل محمد عابد الجابري ونصر حامد أبي زيد والطاهر وطار وغيرهم مما يترك فراغا كبيرا لا يمكن تداركه بسهولة
لقد مثّل أركون حضارة اقرأ في الدوائر الجامعية الغربية على أحسن ما يكون وناظر كبار الفلاسفة والمفكرين الأوربيين وأثبت من المستوى المرموق ومن الندية معهم مما جعله محل احترام وتقدير وتبجيل أينما حل ولكنه لم يلقى في الفضاء العلمي العربي والإسلامي ما يليق به وما يتماشى مع قيمته العلمية وقد مُنع في العديد من المرات من زيارة بعض الدول والجامعات ومن تقديم المحاضرات والاتصال بطلبته ومريديه وحوصرت كتبه وتعرضت أفكاره إلى هجوم سفسطائي ونقاش غير علمي ونقد أصولي بغير حق.
اللافت للنظر أن أركون قد رفض أن يكون العقل الإسلامي عقلا جوهرانيا ثابتا واحدا ومطلقا بل آمن بكونه "عقل تعددي متنوع لأنه يعتمد أنماطا متعددة من المرجعيات والسيادات الثقافية... عقل الصوفية وعقل المعتزلة وعقل الإسماعيلية وعقل الفلاسفة وعقل الحنابلة وعقل الشيعة، الخ...هذه العناصر المشتركة هي التي تتيح لنا أن نتحدث عن وجود عقل إسلامي بالمفرد بمعنى أنه يخترق كل هذه العقول المتفرعة ويشملها كلها."
انتهى كلامه!
ثمة فارق كبير لحظة ربط أركون بـ" أبو زيد " فالأخير كان مطارَداً حتى وهو في أوربا،بسبب فكره النافذ في صخرة الفكر الشمولي، المتفقه والوصائي، داخل مصر وخارجها، وبالعربية كانت مؤلفاته، خلاف أركون، الذي كتب بالفرنسية، وعاش وتوفي في فرنسا، وكيل المديح له هنا، ربما يسيء إليه، بلغة كاتبنا، لأن التعريف به، في نطاق " حضارة اقرأ " كما لو أن الذهنية الفاعلة في كتابات أركون، جهادية، أو في حدودها، في الوقت الذي اعتمد أركون في الذي جاء به، قراءة لما هو إسلامي، على مناهج غربية، حال ادوارد سعيد نفسه، كما سنرى، وغيره، ممن يتحدثون عن الغرب بلغة التفريق البيني، وليس التثاقف ومصلحة الحقيقة في ذلك.
حديث عمومي، كما لو أن الكاتب حسبها جيداً، في ذهنه، جهة التحفظ على أركون، في قراءته عربياً!

وقفة استثنائية
في هذا السياق، تستوقفني طريقة تناوله لإدوارد سعيد المفكر الفلسطيني المتأمرك، وأي قراءة اعتمدها بذلك:

في مقاله المتعلق بمناسبة رحيله:
اشتباك المثقف بالسلطة عند إدوارد سعيد، 1 آب 2013 " موقع كتابات "
في الذكرى العاشرة لرحيله
حد\يث في العموم، تأكيداً علىة مكانته، تلك التي سمعنا بها واطلعنا عليها كثيراً هنا وهناك:

لا يمكن بأي حال الاتفاق على علاقة ثابتة ومستقرة بين المثقف والسلطة في نظر إدوارد سعيد. وذلك لا يعود الى الطابع العلائقي المتحول والمجهري للسلطة وغزوها المكثف والمداهم لجل المجلات التي يتحرك ضمنها الانسان وإنما يرجع الى غموض الدور الذي يؤديه المثقف والاشتباك اليومي الذي يجريه مع الواقع والأهمية الكبيرة التي تمثلها الأفكار والمؤهلات التي حصل عليها وتجعلها يمارس نوعا من الوظيفة الحيوية في الوجود الاجتماعي والمجال السياسي.
لقد اشتهر إدوارد سعيد بنظريته عن الثقافة والامبريالية وفكرته عن الاستشراق والمفاهيم الغربية للشرق وأطروحته “تقول إننا نستطيع أن نفهم الجوانب الجوهرية لنظرية المستشرق الحديث وعلمه…لا باعتبارها معرفة موضوعية أصبحت متاحة عن الشرق، بل باعتبارها مجموعة من الأبنية الموروثة من الماضي، بعد أن قامت بعد المباحث العلمية… بإكسابها صبغة علمانية” .
يرفض المثقف الانواء والانعزال والالتجاء الى الصمت والتجاهل ويكره الارتداد الى الوراء والنكوص النفسي والاستبعاد الاجتماعي ويأبى الجلوس على الربوة والتمتع بالفرجة كما يفعل البعض ويبادر بالتنديد والمعارضة والمواجهة ويتبنى خيار الاستماتة والثبات وموقف الممانعة عندما يتعرض الى التضييق والتوجس ويسعى الى كسر الجدران العازلة المضروبة حوله وتخطي الحواجز وإبداء الرأي والمخاطرة بقول الحق والشهادة على العصر ونصرة المظلومين والمنبوذين واثارة الحرج واحداث الارباك في النسق العادي والاستياء في الوعي المطمئن.
ربما يكون أفضل درس يقدمه المثقف للإنسانية جمعاء هو التذكير بما تم تجاهله وتناسيه ومشاهدة صورة أوسع نطاق مما ترسمه السلطة والإشارة الى طرائق عمل بديلة وفتح المغاليق وفتح الآفاق وإبصار الأحداث “لا في وضعها الراهن بل من حيث تحولها الى ما تؤول إليه” . لكن هل تملك حضارة إقرأ المثقفين القادرين على اقتلاع مرض التسلط من جذوره؟ ألا ينبغي أن تتم علمنة الداعية والفقيه وخلع القداسة عن كهنة اللاهوت حتى يولد المثقف كقرار ثقافي خطير؟
انتهى كلامه!
سؤاله الأخير عميق وجريء بالفعل؟ إنما إلى أي درجة منحه حضوراً في نفسه، ليكون مقول قوله في محله ؟
هناك أكثر من مقال يتمحور بالاسم حول كاتب" الاستشراق " و" الثقافة الإمبريالية " و" صور المثقف ".
من ذلك ، مقاله:
الدور العمومي لادوارد سعيد في رحاب الأنسنة الثقافية، 25 تشرين الثاني، 2015 " موقع كتابات "
لا يعتبر ادوارد سعيد مجرد مثقف كوني يحتل مكانة فكرية عالمية تضعه إلى جانب عمالقة الثقافة في الكوكب بل تقول سيرته الذاتية عنه أنه فلسطيني منفي حاول الغرب طمس هويته وتزييف جوهر رسالته ومازالت مجهوداته النقدية ومواقفه السياسية وأفكاره الفلسفية تمتلك راهنية وتمثل مادة خصبة للمعالجة.
ما يراهن عليه أدوارد سعيد هو إخراج الكتاب والمثقفين والمفكرين من وضعيات الاندماج والخدمة والصمت والتبرير والشرعنة والتواطؤ والتطبيع والتنازل والاستسلام والتزييف والانبطاح وتهيئة إمكانيات التدخل في الحيز العمومي بالتزام ومسؤولية واستكشاف عناصر نضال وأشكال مقاومة في متناول اليد ووضع برامج بديلة بوضوح فكري وترجمة عملية والتصميم على تغيير العقول والواقع.
انتهى كلامه !
نقطة واحدة، يمكن التذكير بها هنا كذلك، وهي تتمثل في هذا النوع من الصخب في القول، ما يشبه الصرخة، ما يشير إلى أن الكاتب يتحرك في ساحة مفتوحة، ومحرر من وطأة الأعراف التي ينبّه إلى مخاطرها، أو دوغمائيتها، وأحسب أنه لولا انخراطه في لعبته لما كان له هذا الانتشار، أي ما يستجيب به لإيديولوجية الحشد، للذهنية المأخوذة بقوالبها الماضية كثيراً، وشعاريتها القومجية والدينوية معاً.
وكما في مقاله الآخر، وما يتكرر بمقاييس محددة :
مسار إدوارد سعيد، 18 تموز 2025 " صحيفة المثقف "
حين نقرأ في المقدمة: يُعتبر إدوارد سعيد (1935-2003) واحدًا من أبرز المفكرين في القرن العشرين، حيث ترك بصمة عميقة في مجالات النقد الأدبي، الدراسات ما بعد الاستعمارية، والفكر السياسي. من خلال عمله الرائد الاستشراق (1978)، قدم سعيد نقدًا جذريًا للطريقة التي شكلت بها الثقافة الغربية صورة الشرق، معتبرًا أن هذه الصورة تخدم الهيمنة الاستعمارية.
وتالياً في الخاتمة
تُعد رحلة إدوارد سعيد الفكرية والشخصية نموذجًا فريدًا للمثقف الملتزم الذي جمع بين النقد الأكاديمي والنضال السياسي. من خلال تفكيكه للمعرفة الاستشراقية، كشف سعيد عن الآليات التي تستخدمها الثقافة للهيمنة، بينما ساهم في استرداد الهوية الفلسطينية المغتربة من خلال إعادة صياغة السرد الفلسطيني. يظل إرثه حيًا في قدرته على إلهام الباحثين والناشطين لمواجهة التحديات الثقافية والسياسية المعاصرة بأدوات النقد والمقاومة. فكيف يمكن الاستئناس بمسار سعيد النضال الفكري والسياسي في تجذير الفعل المقاوم؟
انتهى كلامه !
أهو مديح لسعيد، أم له بالتوازي، وهو لا ينفك يكرر مفردة " المقاوم " في كتاباته؟ أهو يقيم في ساحة كهذه؟ ومنذ كان للفكر مثل هذا الدور، ليكون مستقلاً، جرّاء إطلاقه، وليس في تمثيل الخطابية الشعوبية ...؟!
وما يصل بين الراحلين الآن:
النضال الفكري والأدبي عند ادوارد سعيد ومحمود درويش، 8 حزيران 2025" موقع الأنطولوجيا"
كان إدوارد سعيد ومحمود درويش من أهم رواد المؤسسة الثقافية الفلسطينية. نشأت صداقة مميزة بين سعيد، الأكاديمي المعروف، ودرويش، أحد أبرز شعراء جيله الفلسطينيين، بعد لقائهما الأول. كان للشاعرين تاريخٌ مشترك، فقد هُجّرا من ديارهما خلال النكبة، ورفعا الصوت الفلسطيني في الشتات طوال حياتهما. غادر سعيد مسقط رأسه القدس الغربية إلى المنفى في القاهرة، ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بينما دُمّرت قرية درويش، مسقط رأسه البروة في الجليل الأعلى، على يد قوات الاحتلال الصهيوني.
انتهى كلامه!
الحماس التعبوي متجذر النص، إن كان نصاً في ربطه بما هو فلسفي، وليس استثارة للمشاعر لا إثارة للفكر.
كنت أتمنى أن أقرأ ولو ملحوظة صغيرة تخص إدوارد سعيد نقدياً، في أي كتاب له، كما في " الاستشراق " والأرضية العقائدية التي انبنى عليها تصور سعيد، ورؤيته للمفهوم، وهو الذي برز في أحضان الغرب نفسه، وهو الذي الذي ما كان له أن يَعرَف ببنية اللغة التي امتدح عليها في التعبير، لولا حداثة الغرب ورموزه!
لو أورد نماذج ممن انتقدوه، وهم يقدرون جهوده،ـ ولكن دون إطلاق، مكاشفين جانب التناقض في فكره، وهو يوحد الجغرافيا سياسياً" الغرب " وينطلق من خطاطة يُراعى فيها ما هو محبب وممدوح محلياً" سلفياً "، فلا أكثر من هذه النماذج مشرقاً ومغرباً، وضمناً طائفة من كتاباتي في أكثر من دورية عربية" لبنانية خاصة ".
هكذا نقرأ له في مقاله :عن محمد حسنين هيكل" 1923-2016 "
محمد حسنين هيكل أو صانع الرؤى الإستراتيجية للأمة، 20 شباط 2016 " موقع ينابيع العراق "
لم يكن الراحل محمد حسنين هيكل مجرد صحفي مشهور ولا فقط محلل سياسي مرموق وإنما هو أيضا كاتب متزن ومناضل بالقلم ومن الموقع. ويمكن أن نضيف بأنه ظل مؤرخا دقيقا ومفكر حاذقا وضع الأسس الأولى لقيام إستراتيجية عربية تحدد بدقة البوصلة.
ماهو حقيق بنا هو الاعتراف للشخصية الاستثنائية بالريادة الطويلة والإضافة النوعية التي قدمها للثقافة العربية وتحوله إلى ضمير حي للقضايا العربية المشتعلة ونبراس تهتدي بها الحركات السياسية الطامحة نحو الانعتاق من نير الظلم والاستبداد والتحرير من الاستعمار.لقد ظل طوال حياتها ناطقا رسميا باسم الأمة العربية ولسان حالها وبيانها المستفيض حول التحديات التي تواجها والقدرات التي تمتلكها وبقي قديسا منشدا حول أهمية الوحدة العربية والضرورة التاريخية للتكتل العربي في مواجهة العولمة المتوحشة.
انتهى كلامه!
أن يقال فيه عن أنه كاتب صحافي كبير، وله شخصية مفهومية بهذا الشأن، ذلك ما يستحق. لكن المشكل يكمن في إمكان قول توصيفات كهذه تقريباً في آخرين. وحده النقد يمكنه الفصل بين قول وآخر، لأن فيه تباينات، فيه مفارقات، فيه وجوه تتعارض مع بعضها بعضاً، حتى بالنسبة للنص الواحد. الخويلدي، عزّز موقعه من خلاله، ولم يعزز موقعه بمقولة تحمل بصمته في لون من ألوان القول التي تتمحور حوله، أعني بذلك ما يقرّب الصورة من الحدث والحدث من تاريخه بزمانه ومكانه " 2 "
وما يقوله عن الكاتب الذائع الصيت: روائياً ومترجماً ومتفلسفاً، وناشراً وصاحب أكثر من مجلة ، و وهو " مطاع صفدي: 1929-2016 "، في مقاله :

إنبناء مطاع صفدي للمغيوب زمن القطيعة الكارثية، 9 حزيران 2016" صحيفة المثقف "
حيث تتسلسل العبارات الإطنابية والإنشائية والتقريظية معاً:
رحل عن عالم الكون والفساد بعد رحلة نضال سياسي ومكابدة علمية ومعرفية باعث مركز الإنماء القومي ومؤسس "مجلة الفكر العربي المعاصر" الغراء وشقيقتها الصغرى مجلة "العرب والفكر العالمي" الفيلسوف العربي والمترجم المرموق مطاع صفدي أحد قامات الثقافة العربية في زمن الجدب وأفضل الكتاب بلغة الضاد في ثوب فصيح جديد وأهم عصامي معاصر تمكن من النفاذ إلى أشد أغوار الفلسفة عمقا ومن نقد أكثر طبقات الميراث تكلسا ومفجر الحداثة البعدية في زمن ربيع الشعوب العربية الثائرة.
لقد حاول تفكيك الشر المحض الذي رآه متجسدا في الاستبداد والاستعمار دون أن يسلم العقل الغربي من سلاحه التشريحي والنقدي وآمن ببراءة الصيرورة وحكمة الحب وفن السؤال وأدب الالتزام والمقاومة.
لقد جمع قلمه بضربة واحدة حروف الفارابي والحكمة المشرقية لابن سينا والفلسفة الأولى للكندي ومفهوم الصداقة عند الغزالي وتجربة الغربة عند التوحيدي وتهذيب الأخلاق عند مسكويه وتدبير المتوحد عند ابن باجة وقصة حي ابن يقظان عند ابن طفيل وفصل المقال عند ابن رشد والفتوحات المكية عند ابن عربي.
لقد اختتم مجلته المحكمة بالإخبار عن موت الأفكار مذكرا بأن مذاهب الفلسفة هي مثل الكائنات التي تحيا وتموت ويصل بالأمر بالفكرة بأن تزول من الوجود لأن الفكرة الحية التي لا تموت بسبب غيابها بل لأنها قابلة لأن تموت، فكأنه كان على علم بأن موت الشخص ليس بالأمر الطارئ عليه، ولكن أليست حياة الشخص تقاس بالأفكار الحية التي يبدعها؟ أليس حكمة الحب التي نادى بها هي حدث الحقيقة الذي يدوم؟
انتهى كلامه !
البدء بكلام الداعية والواعظ الديني ، والمرور بحديث المحلل السريع، والمنتهي بحديث المتفهم لما عليه واقع الحال حطاماً، وما ينبغي العمل لتجاوزه والنظر إليه قياماً .
نعم، لم يدخر صفدي جهداً في إظهار بلاغة لغوية، وقدرة على ابتكار مفردات تقرّبه من الآخر الذي يكتب عنه في مجلته" الفكر العربي المعاصر " ويترجم له فيها، وفي " العرب والفكر العالمي " الشقيقة الصغرى للأولى، بتأثير من قراءاته، وخاصة في افتتاحياته، والتي شكل محاور لكتب له تالياً.
كنت متابعاً لهذه المجلة، ونشرت فيها " في الأولى " بحثين " ونشرت عنه مقالاً نقدياً في إحدى المجلات العربية" البيروتية " دراسات عربية "..عدا متابعة بحثية عنه وما يخص إلى جانب آخرين في موقفه مما كان يجري سياسياً في العراق بالذات، وتعظيم " بطله في التاريخ": صدام حسين.."3"
إنها قراءة أحادية فيها من الإرضاء للآخر المنتشر في وسطه، والموصول بالآخر السياسي والديني المألوف، أكثر من هذا الآخر الذي يشدد على وجوب الاتصال به، والاستفادة منه، بناء فعلياً للذات.
ولأن الموضوع يتعلق بالنعي، وكتابة كلمة الوداع، أشير إلى مقاله اللافت والغريب بعنوانه:
جولة فكرية مع الألمعي طيب تيزيني في رحاب منتدى الجاحظ، 21 أيار 2019 " موقع كتابات "
غادرنا الدكتور طيب تيزيني مساء الجمعة 17 ماي 2019 عن عمر ناهز 85 سنة وبعد أن أثرى المكتبة العربية بأكثر من مائة كتاب في الفلسفة وقراءة التراث والنقد الأدبي والحضارة ومجموعة من اللقاءات والمحاضرات والدروس التي ألقاها في جامعة دمشق والجامعات العربية وكانت محبته كبيرة للجمهور العربي والطلاب والمثقفين والكتاب والنقاد والقراء وربما أهمها هو مشروع قراءة جديدة للتراث والثورة.
لقد انطلقت رحلتي الفكرية معه من لحظة الاستقبال بالنزل إلى وقت تكريم منتدى الجاحظ إلى حد توديعه في المطار وشهدت تبادل غزير ومكثف من الحوارات العقلانية التي تتخللها جملة من الأسئلة والأجوبة وترافقها استفسارات واستشارات وتنتهي غالبا بإبداء ملاحظات هامة وبناء توقعات وافتراض انتظارات.
لقد ترك فيلسوف حمص بصمته في الكثير من العقول العربية ونقل العدوى من الجامعة الألمانية التي أتم بها رسالة الدكتورا إلى الجامعات العربية وجعل من قراءة التراث والانفتاح على الآخر ومواكبة العصر شغله الشاغل وآمن بقوة الفكر العربي المعاصر على الاستئناف الحضاري وريادة الإنسانية من جديد بشرط ترك الفرقة والانقسام والتفاهة والأنانية والانغلاق والتوحد حول مشروع وطني جامع وواحد يضم المختلف والمتعدد والمتنوع ويبذل الجهود في سبيل حل جملة الإشكاليات العالقة مثل الطائفية والتمذهب والفساد وينكب على معالجة التحديات الحارقة للشباب العربي مثل الهجرة والبطالة والعولمة المتوحشة.
ملاحظة: لقد زار المرحوم تونس أكثر من مرة ولكن زيارته الأخيرة كانت بدعوة من منتدى الجاحظ من 19 إلى 24 نوفمبر 2016.
انتهى كلامه!
نعم، من حقه أن يثني على دور راحلنا المتفلسف تيزيني" وقد كان أستاذي في إحدى المراحل الجامعية بدمشق "وناقشته في أكثر من محاضرة له في مدينتي" القامشلي " وكان وقوراً، هادئاً، سوى أن الغلوّ في التعظيم والتوصيف من نوع" الألمعي " من الصعب جداً استخدامه إلا في حالات نادرة جداً. لا أدري أي ألمعية عرِف بها تيزيني ليكون له هذا الاعتبار، والذي كان لبعض من الزمن، رفيقاً بعثياً، ويتنقل مع فريق من البعثيين الموجهين، من محافظة لأخرى، دعاية للسلطة، وتحت مظلتها كانوا يتحدثون، ومنهم تيزيني.
وما مشروعه ذي الاثني عشر مجلداً، كما زعم حيث لم يكتمل، تجاوب مع هذا التوجه في الصميم" من التراث إلى الثورة " حيث تخلى عنه كلياً لاكتشافه تالياً لفداحة الفكرة ومآلاتها، ليضيق الخناق على نفسه، ويجد قدوته في ذلك المتسكع، كما ورد عن ذلك في إحدى محاضراته، وناقشته حولها ومغزاها.
وأنوّه بالمقابل، عدا عن تجاهل الكاتب لجملة النقاشات التي طالت كتاباته، أنوه إلى العدد الذي ذكره الخويلدي والذي خص به ( أكثر من مائة كتاب )، إنها أكثر من كونها شطحة غير مقبولة، عدا عن لغة الإنشاء والارتجالية غير المنضبطة كذلك في كتابته. مؤلفاته دون الثلث لما ذكره .فأي تجربة كتابة يحيط بها كاتبنا علماً، ليعلمنا بما لم نعلم به عما نعلم به عن قرب، منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي؟
وربما نتلمس محاولة الإتيان ببعض المفردات الجديدة في مقاله عن أدونيس:
دعوة أدونيس إلى الخروج من ثابت المملوكية إلى تحول الحرية، 21 تشرين الأول 2020" موقع الأنطولوجيا"
كما هو مبثوث في متن مقاله، ولكن التوصيف الظاهري هو الغالب في الكتابة عن مبتدع" الثابت والمتحول"، واللافت أيضاً هو أنه يقترب من لغة الصحافة في سرد قائمة مفردات تخص لغة أدونيس:
رحلة أدونيس كانت للخروج من الثابت إلى المتحول ومن الإتباع إلى الإبداع ومن حد المملوكية إلى تجربة الحرية وقد تخلل هذه الرحلة الشعور بالقلق والتمزق والعزم على البدء والولادة من جديد والقلق عند أدونيس ليس مجرد شعور بالفراغ وإحساس بالسأم بل هو بالأساس ضمأ نحو الحياة وحنين إلى الكينونة وإقبال على نحت الذات وحفظ الكيان..
لقد بلور أدونيس منهجا جديدا في الشعر يرتكز على عبقرية اللغة واللعب بالكلمات واستخدام العلامات والرموز وحسن توظيف الصور والمقامات من أجل نقل تجربة الباطن إلى الخارج والتعبير عن اللامرئي بالمرئي وتجسيم المطلق في أشياء ملموسة وفي كل ذلك تعارض مع المألوف وتمرد عن السائد..
خرج أدونيس عن القواعد التقليد للغة الضاد وعن مقاييس النحوية للفصحى وتمرد على الموازنة الشعرية القديمة ووظف اللسان العربي بطريقة تجريبية فيها الكثير من الخلق والابتكار بعيدا عن التكلف والقولبة..
إذا كان أدونيس يضع شروط مجحفة لكي يكون المرء شاعرا بقوله:”قبل أن تكون حديثا في الشعر أو قديما يجب أن تكون شاعرا. ولا تكون شاعرا في لغة ما إلا إذا شعرت وكتبت كأنك أنت هي وهي أنت”[16]، فان أشد الأسئلة هولا الذي يمكن طرحه عليه وعلى معظم المفكرين العرب يظل متمحورا حول الدور الذي ينبغي أن يقوم به الشاعر خاصة والناقد عامة في تنوير الجمهور ومساعدة الملة على الخروج من ثبات المملوكية إلى تحول الحرية والإقلاع عن غفوة الإتباع وتخطي صدمة الحداثة نحو الانخراط في الإتباع الإبداعي والإبداع غير ابتداعي. فما السبيل حضارة اقرأ إلى امتلاك نظرة شعرية إلى العالم تطلع فيها إلى الانخراط في زمانية وجودية منتجة لكونية إنسانية متعينة؟
انتهى كلامه!
يذكّرني الخويلدي بأول مقال لي عنه، منشور في مجلة " الآداب اللبنانية " قبل أكثر من أربعة عقود زمنية " أدونيس بين لغة الثورة وثورة اللغة " من خلال تناولي لقصيدته" قبر من أجل نيويورك "!
أتساءل عما يجعل مقال الخويلدي يقصر مع هذا الكاتب، ويطول مع سواه، عما يدفعه لكتابة أكثر من مقال عن هذا دون الآخر. لا بد أن هناك محفوظة عن ظهر قلب لديه، وأدونيس، يسجَّل اسمه الخانة التي سجّل فيها اسم " أبو زيد " وتالياً، كما سنرى : عبدالله العروي، وهي قراءة تستبطن قراءته في تباين محتوياتها من مقال لآخر. أدونيس بعيد كل البعد عن الفضاء الفكري البحثي لكاتبنا.

وقفة مع باحث تراثي
عنوان فرعي جدير باسمه، لأنه يتمحور باحث تراثي وأكثر عربياً، وهو حسن حنفي، الذي غادر " دنيا الفساد " بتعبير كاتبنا قبل سنوات خمس، وثمة أكثر من مقال عنه، مثل ادوارد سعيد. بالكاد نعثر في مقالاته عن مجرد سؤال يستوقف قراءته، عن نوعية قرابة حنفي من موضوعه" التراث وغيره " عن تحولاته المختلفة في مسيرة حياته البحثية، الجامعية، والتأليفية والترجمية " كتاب : رسالة في اللاهوت والسياسة ، لسبينوزا " وموسوعته اللافتة عن التراث، دون إغفال دراساته عن الفلسفة والفكر المعاصر ومآزق القراءة التي عرِف بها، بصدد مقولة التراث ، والاستغراب وغيرهما، حيث نقرأ مقاله :

باعث علم الاستغراب ومجدد التراث الفيلسوف حسن حنفي يعود، 22 تشرين الأول 2021 " موقع الحوار المتمدن"
يُلاحَظ بداية، وفي سطور تتلى، أي مفردات يعتمدها في الحديث عنه، وخلفيتها الإشعارية تحديداً:
أردد أفكارك المفارقة وأتلو نصوصك البركانية وأبشر بوعودك التحريضية
لقد أطال الله عمرك وشارفت على إكمال مشروعك واتمام رؤيتك وعشت مقاوما للاستعمار والامبريالية والاستبداد و الصهيونية وناهضت العولمة الغربية ورفضت الارتداد والماضوية والتخلف والانقسام والتمييز والتمذهب والطائفية وانتصرت للسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة والملونين.
وكنت فارس التجديد العربي وموقع الثقافة الوطنية ومؤسس علم الاستغراب ومعادي للاستشراق وفقيه اليسار الإسلامي ونصير الحريات و منحازا للفقراء و المناضلين وحريصا على استقلالية الجامعة والتزام الفلسفة
وما يستوقفه ليقول عن حنفي ما يقرّبه من نظيره الجابري، المغربي، تأصيلاً، كما يبدو لمطلب " حضارة اقرأ " : حنفي يشيد بنشر كتاب "نقد العقل العربي" من قبل "أخيه" و"صديقه"، مع الاحتفاظ ببعض الملاحظات التقييدية: الجابري لم يكن مهتما بما فيه الكفاية بدور "الآخر"، ولم يسع إلى وصف البناء "الوعي الأوروبي". لكن هذا هو بالفعل المشروع الذي غذاه حنفي في دروسه وكتاباته، وأظهر من خلاله معرفة موسوعية بالتيارات الفكرية الأوروبية والمسيحية والعلمانية والإسلامية.
وما يحفّز فيه إرادة المعرفة الجادة، ربما شعوراً أن هناك ما ينبغي التذكير به، للحفاظ علىة الصورة التي يرغب أن تترسخ في واعية قارئه، في مركّبه الفكري الذي يحاول باسمه عقد قراني أبدي بين الجامع، كفضاء معرفي خطابي دعوي، وحتى تبشيري ضمناً، والجامعة كفضاء بحثي، إنما مقلَّم كثيراً في مجتمعه، وحتى متطلبات السوق أحياناً، ودون ذلل كيف يمكن مكاشفة المحرك الفعلي لتجربة الكتابة لديه.
كما في مقاله التنظيري المنقلب على نفسه لحظة المواجهة بالجاري:

مفهوم التراث، 7 حزيران 2022 " موقع الأنطولوجيا "
حيث نقرأ ، مثلاً: في الواقع التراث ليس مقدسا ويمكن التعاطي معه بروح التحديث والتطوير بعد التجذر والتأصيل ولكن يمكن فرزه واختيار ما يصلح منه للحاضر والتعويل عليه في مواكبة روح العصر والتقدم الى المستقبل بخطى ثابتة.ألم يقل د حسن حنفي: ليس التراث قيمة في ذاته، إلا بمقدار ما يعطي من نظرية علمية في تفسير الواقع والعمل على تطويره، فهو ليس متحفاً للأفكار نفخر به وننظر إليه بإعجاب؛ بل هو نظرية للعمل وموجه للسلوك، وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها من أجل إعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض". والحق أن التراث لا يعني التقليد ولا الموروث ولا ينبغي علينا أن نتعامل معه بأسلوب الميراث والتوريث بل بروح المعاصرة وبمناهج الحداثة وباستراتيجية الإقلاع والذهاب الى المستقبل بروح الابتكار العلمي والابداع الفني والذكاء الاصطناعي والعلوم العرفانية وفلسفة الذهن ونظريات الأفعال الكلامية والتصورات التحليلية. "ما هو التراث؟" يسأل نيتشه في الفجر: "سلطة نطيعها ليس لأنها تأمر بما هو مفيد لنا ، ولكن لأنها تأمر. - كيف يختلف هذا الشعور بالتقاليد عن الشعور بالخوف؟ إنه الخوف الذي يعطي أوامره هنا (...) هناك الخرافة في هذا الخوف ". فمتى نتحول على حد عبارة محمد عابد الجابري من كائنات تراثية الى كائنات لها تراث بعد ان نتخذ منه مسافة نقدية ونحدث معه قطيعة معرفية ونستبدل القراءة الخطية بالتأويل النقدي؟
انتهى كلامه!

ليصل إلى ما كان ينتظره تعبيراً عن تلك الجهادية على الورق، ذات نسابة سلفية مستحدثة كما ذكرت، في:
تلازم المقاومة والثورة في المشروع الحضاري لحسن حنفي، 25 كانون الثاني، 2025 " موقع الحوار المتمدن "
ليقول بلسان الصحافي المستعرض لأفكار حنفي دون مس أي مفارقة فيها أو زعزعة يقينه فيه:
تحدث الدكتور حسن حنفي ( فبراير 1935 - 21 أكتوبر 2021) عن مشروعه قائلا" أنا لست ظاهرة بل أنا من أحفاد الأفغاني الذي وجد الأمة محاصرة من الخارج بالاستعمار، و محاصرة من الداخل بالاستبداد؛ و هو نفسه من أحفاد علي بن أبي طالب و أبي ذر و كل فقهاء المسلمين القدماء الذين انتهوا الى السجن و التعذيب، فقهاء الشعب و المصالح العامة، و ليس فقهاء الحيض و النفاس. أنا بن جيل الهزائم المتلاحقة 1948 في فلسطين وعدوان 1956 ثم 1967 ثم عصر اسرائيل الكبرى بالرغم من أنني أنتسب كذلك الى جيل التحرر من الاستعمار و حرب أكتوبر 1972 و لكن جرح الهزيمة لم يندمل بعد. أجوب العالم شرقا و غربا بالإضافة الى العالم العربي بعدما نشرت كتاباتي و وجد فيها الشرق و الغرب تعبيرا عن فكر جديد و رؤية جديدة لمسار العالم بالرغم من سيطرة فوكوياما و أخرين بفضل أجهزة الاعلام الغربية لترويجها لها ، و نحن نقع في فخ الشرح و التعليق و نؤجل ابداعنا المستقل و رؤيتنا الخاصة.
لقد أعطى حسن حنفي الأولوية للبحث الأكاديمي والجدل الفلسفي. واتخذ التزامه الفكري ثلاثة اتجاهات: نقد التراث الإسلامي وأدواته؛ وتطوير خطاب التغلب على الفكر الحديث من خلال تأسيس نظام جديد – “علم الاستغراب” –؛ وحاول إنتاج "نص جديد" يحشد الجماهير نحو المقاومة على غرار نموذج فيخته.
انتهى كلامه !
أليس من مكان، من ثغرة يمكن التذكير بها في أي قول له، على مدى نصف قرن بحثاً وكتابة وترجمة؟
هل من الخطأ التذكير ببعض ممن تناولوا تجربة الكتابة لدى حنفي ممن هم حداثيون، أو أنصاف حداثيين، ومن هم تراثيون أو أنصاف تراثيين؟ كالتذكير بعلي حرب، أو جورج طرابيشي ؟
في ضوء ذلك، أي قيمة معرفية يمكن العثور عليها والاستفادة منها، بعيداً عن قراءة المسكوت عنه في نص حنفي، أو قراءة المقروء والظاهر في تناغم أفكاره، وثمة ما يشير إلى خلخلة النص مفهومياً؟
كيف تناول عبدالله العروي؟ لا أرى أي جديد سوى الاستعراض والحديث عما هو سطحي، في مقاله:
المشروع التاريخاني عند عبدالله العروي، 4 حزيران 2026 " موقع الأنطولوجيا "
بدءاً بالمقدمة، حيث يقول:
عبد الله العروي هو أحد أبرز المفكرين المغاربة والعرب المعاصرين الذين سعوا إلى إعادة بناء الوعي العربي من خلال مواجهة أزمة الحداثة. مشروعه الفكري يقوم على نقد الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ودعوة إلى تبني التاريخانية كمنهج وكوعي يسمح بفهم الواقع كصيرورة تاريخية موضوعية، لا كمجموعة من الثوابت الثقافية أو الدينية الأزلية.
يشكل مفهوم التاريخ عند العروي النواة المركزية لمشروعه. يميز بين التاريخ كحدث ماضٍ والتاريخ كوعي تاريخي (التاريخانية). في السياق العربي، غاب الوعي التاريخي الحقيقي، وحل محله إما التقليدي (السلفي الذي يعود إلى الأصول) أو القومي الذي يمزج بين العناصر التقليدية والحديثة دون وعي بالصيرورة. التاريخانية هي الوعي بأن كل قيم وممارسات وأفكار مشروطة تاريخياً، وبالتالي متغيرة. هي مرض ودواء في آن: مرض لأنها تكشف التخلف، ودواء لأنها تفتح الباب أمام الفعل الواعي لتجاوزه. يرى العروي أن الاستعمار لم يكن سبباً وحيداً للتخلف، بل كشف عن تأخر داخلي ناتج عن انسحاب المجتمع إلى الجبال والرمال أمام الغزوات المتتالية، مما أدى إلى فقدان القدرة على صناعة التاريخ.
يُعتبر مفهوم الدولة عند العروي محورياً، فهو يرى أن الدولة الحديثة هي الإطار المؤسسي الذي يسمح بتحقيق الحرية والعقلانية. في السياق العربي التقليدي، نشأت الدولة كسلطة خارجية أو قبلية، لا كتعبير عن إرادة جماعية عقلانية. أما الدولة الحديثة فهي الدولة التي تتجاوز الولاءات الفرعية (قبلية، طائفية، إقليمية) وتؤسس سيادة قانونية وعقلانية.
يربط العروي بين العقل والتاريخ ارتباطاً وثيقاً. العقل ليس جوهراً أزلياً، بل صيرورة تاريخية. في الفكر العربي الإسلامي التقليدي، يسود "عقل الاسم" (نظري، اسمي، يتعامل مع المفاهيم المجردة) على حساب "عقل الفعل" (عملي، تجريبي، يرتبط بالواقع والتغيير). هذا الانفصام يعكس التخلف التاريخي: العقل العربي يفكر في المطلق والثابت، بينما الحداثة تتطلب عقلانية عملية تربط بين الفكر والممارسة، بين النظرية والتجربة.
يخصص العروي كتاباً كاملاً لـ"مفهوم الحرية"، معتبراً إياه أحد أعمدة الحداثة. ينتقد التصورات التقليدية للحرية في المجتمع الإسلامي (ككرم أو تحرير رقبة أو خروج صوفي عن الدنيا)، والتصورات الليبرالية الفردانية التي ترى الحرية كقدرة مطلقة أو انعتاق من القيود. الحرية عند العروي ليست مطلقة ولا فردية بحتة؛ هي نتاج تاريخي يتحقق داخل الدولة والمجتمع. هي توافق بين إرادة الفرد وعقلانية الدولة، وهدف التاريخ. في المجتمعات المتخلفة تاريخياً، تظهر الحرية كشعار أولاً (تحرر من الاستعمار)، ثم كمفهوم، ثم كممارسة. لكن العكس هو الصحيح في التحليل: يجب البدء بالشروط الموضوعية (الدولة، الاقتصاد، التعليم) لكي تصبح الحرية واقعاً.
تشكل هذه المفاهيم عند العروي نظاماً مترابطاً. التاريخ يوفر الإطار العام (الصيرورة الموضوعية). الدولة هي الوسيط المؤسسي الذي يجسد هذا التاريخ في الواقع. العقل هو الأداة المعرفية التي تفهم وتوجه هذه الصيرورة. والحرية هي الغاية والنتيجة: حرية الإنسان في التحكم بمصيره داخل الدولة الحديثة. في غياب الدولة الحديثة، يصبح العقل مشتتاً والحرية وهماً، والتاريخ يتكرر كمأساة. أما مع الوعي التاريخاني، فتصبح الدولة أداة تحرير، والعقل أداة بناء، والحرية واقعاً. هذا الترابط يجعل مشروع العروي نقداً للتقليدية (التي ترفض التاريخ) وللقومية الرومانسية (التي تختلط فيها الأسطورة بالواقع)، داعياً إلى ماركسية تاريخانية تتكيف مع السياق العربي.
مشروع العروي يبقى شاهداً على قدرة الفكر العربي على الحوار النقدي مع التراث الفلسفي العالمي. فكيف تم اعتبار هيغل كجسر نحو الحداثة العربية؟

وما يأتي في الخاتمة:
خلاصة القول أن فكر عبد الله العروي يشكل دعوة عميقة للعرب للدخول في التاريخ كفاعلين لا كمتفرجين. بين الحرية والعقل، وبين الدولة والتاريخ، تكمن إمكانية تجاوز التخلف. الحداثة ليست استيراداً أو رفضاً، بل تحقيقاً تاريخياً يتطلب بناء الدولة، تنمية العقل العملي، وتحرير الإرادة الجماعية. التاريخانية تطالبنا بمواجهة الماضي لا للعودة إليه، بل لتجاوزه. في عالم يتسارع فيه التغيير، يظل مشروع العروي تذكيراً بأن الحرية ليست هدية، والعقل ليس موهبة، والدولة ليست قدراً، بل كلها إنجازات تاريخية يجب كسبها. هذا الوعي هو الشرط الأول لأي يقظة عربية حقيقية.
انتهى كلامه!
يمكن لقارىء العروي، للراغب في معرفة العناوين الرئيسة لفكره أن يجد في المسطور آنفاً، ما يطمئنه إلى أن هناك ما يمكنه قوله، إن سئل عنه. لكن بيت القصيد المعرفي ليس هنا، ولا كان لصاحبة القول الرصين " الفلسفة " أن تمرر قولاً ينسَّب إليها، وإجازته بوصفه كلام من يتكلم الفلسفة، ومن يريد تربية فلسفية، لأن من السهل وفي عالم اليوم معرفة مثل هذه الخيوط الأولى مما يخص ما بات يعرَف بـ" تاريخانية " العروي ومن أين بدأت وما هي حدودها، وإشكاليتها الكبرى، وهي تحاول تدبير نفسها لتتجذر في تربة الفلسفة ذات المنحى التاريخي السياسي، بما لها من ميزة ، وفي تتداخل لغة الآخر" الفرنسية " مع " لغة الضاد " في المغرب، أكثر من أي آخر، ومنذ ستينيات القرن الماضي، وأي تأثير منهجي غربي يتبين في كتابته، وكيفية هضمه، خاصة مدرسة " الحوليات " الفرنسية مع فرديناند بروديل ، وجاك غودي، ومارك بلوخ..إلخ.
من بعيد، يشير إليه الخويلدي، لأن مجرد الغوص البسيط فيها تتفكك " حضارة اقرأ " على وقع المردود في تجربة الكتابة الفعلية لدى العروي.
على سبيل المثال، أشير إلى بعض مما يفيد في هذا المنحى، أي إضاءة نص الآخر كآخر، في مقال:
إبراهيم آيت إزي: التراث والفكر الاسلامي : عبد الله العروي أنموذجا، 7 آب 2012" موقع أنفاس"
وأنا أورد هذه الفقرات:
ما يثير في أعمال العروي هو كفائته في التركيب النظري التاريخي، المستند إلى قواعد وأصول نظرية محددة، وما يثير أيضا هو شجاعته في بناء الرأي، والجهر به، وتشبته بقيم في النظر والعمل التاريخي، رغم كل الانتكاسات والهزائم والتراجعات التي حصلت في الواقع.
وتكشف متابعة أعماله الأخيرة قدرته على مواصلة التفكير في إشكالية التأخر التاريخي في العالم العربي، وفي رصد مفارقات جديدة تؤكد قيمة أطروحاته.
وفي هذا الإطار يقول إن طوبى الشيخ تتردد على شكل حنين، وطموح المثقف الليبرالي يرد إلى تبعية غير واعية، وهما معا يكرسان استمرار غياب الوعي التاريخي البديل. وفي هذا السياق نعتبر كتابه مفهوم العقل خاتمة المفاهيم محاولة قوية في نقد العقل الاسلامي، تتقاطع فيها إشكالات التأخر بالإصلاح والحداثة، أي من خلال إشكالية العقلانية والتاريخ، الحداثة في التاريخ، ثم موضوع الموقف من التراث، إذ يتضمن دعوة قوية إلى إحداث قطيعة فعلية مع نوع من التعامل التكراري مع التراث.
عندما نتحدث عن مفهوم القطيعة داخل متن عبد الله العروي و هو أي نوع من القطيعة يستهجنه الفكر العربي، هل نحن في حاجة إلى قطيعة إبستمولوجية كالتي دعى إليها "أب الأنتلجسيا العربية" في مؤلف " نحن و التراث" قبل 16 سنة من صدور مفهوم العقل ؟ أم إلى نموذج آخر للقطيعة أكثر راديكالية، لا يكتفي بالقطع مع القراءات التراثية للتراث و إنما حتى مع التراث نفسه.
لم يصدر عبد الله العروي موقفه عن فراغ و لا تحدث إلى العرب بغير لسانهم ، فقد كانت الحاجة إلى القطع مع العقل العربي التراثي نابعة مما يعيشه هذا العقل من تناقضات أو لنقل بلغة العروي من مفارقات، تظهر في مطلقية هذا العقل" فالعقل هو ما يعقل العقل ويحده ، و ما يعقل العقل، و يؤسسه كعقل ، هو علم المطلق، الذي هو علم مطلق" إنه علم يتأسس على النص و لا يتجاوزه. و هو بذلك عقل لا تاريخي " يعجز عن عقل الزمان بمعنى التطور و التغير لا بمعنى الظهور بعد الكمون".
لحظة محمد عبده جسدت المفارقة الكبرى في التاريخ العربي المعاصر، وعبارة " الاسلام دين العلم والمدنية" التي تقف خلف سجالاته مع فرح أنطوان تشخص أبعاد هذه المفارقة، حيث لم يتمكن محمد عبده من إدراك المسافة المعرفية والتاريخية، الفاصلة بين العقل التراثي وعقلانية الحداثة المعاصرة، كما بلورتها منجزات الغرب الحديث والمعاصر.
إن دعوة العروي للقطيعة إذن نابعة من إيمانه بتهافت الدعوات السلفية و لا تاريخيتها ، إنها دعوة تعيش التاريخ بغير عدته تتأسس على ماضوية ترى في الماضي مستقبلا أو ما يطلق عليه الباحث بالماضي- المستقبل الذي هو خاصيتنا الأساسية و "الذي يغير دلالة الزمن المعتادة". لا يدعو العروي إلى القطيعة مع الفكر السلفي فقط، بل سرعان ما يعلن حرب القطيعة على كل فكر انتقائي لأنه فكر مشوه ينتج عنه " تداخل و تشابك و اهتزاز يعجب له كل من تعود على إعطاء التاريخ اتجاها واضحا ثابتا" .
إن دعوة العروي للقطيعة إذن نابعة من إيمانه بتهافت الدعوات السلفية و لا تاريخيتها ، إنها دعوة تعيش التاريخ بغير عدته تتأسس على ماضوية ترى في الماضي مستقبلا أو ما يطلق عليه الباحث بالماضي- المستقبل الذي هو خاصيتنا الأساسية و "الذي يغير دلالة الزمن المعتادة".
انتهى كلامه !
ليعذرني القارىء، ليعذرني صديق الكتابة الخويلدي على مثل هذه الإطالة في الاقتباسات، لأن المقصد ليس مجرد إملاء الفراغ، أو الصفحات، رهاناً على الكم، وإنما في محاولة لتقريب الصورة من خلالها.
وما أوردته من فقرات في المثال المذكور، هو من هذا الباب، باب المعرفة الذي يسمّي قائله " 4 "
في مقاله :
الأنظمة المعرفية التي تتحكم في تكوين وبنية العقل حسب محمد عابد الجابري، 6 حزيران 2026 " موقع الحوار المتمدن "
ما يفصح عن مثل هذه المتابة السريعة، بكاتبة لا أظنها تليق باسمها، ولم كان لكتابة الجابري مثل هذا الانتشار المشهود عربياً، لم عرِف الجابري، مثلاً، واحتفي به، أكثر من باحثين في عداد المفكرين أو الساعين إلى الفكر المستقل، أمثال العروي، وأركون؟ وهو يمارس تمزيقاً لمفهوم الفكر عربياً، تفريقاً لا يفرَّق في وحدة الفكر، في مشرعه المسمى بـ" نقد العقل العربي " مطوّحاً بالمفهوم نفسه" العقل العربي – الإسلامي " وليس العربي دون الإسلامي، كما هي الصيغة الأكثر تداولاً هنا وهناك؟
كما نقرأ في المقدمة:

يمثل مشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، خاصة في كتابيه تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي، محاولة رائدة لفحص البنية الإبستمولوجية للفكر العربي-الإسلامي. يعتمد الجابري مقاربة أركيولوجية مستوحاة من أدوات تحليلية حديثة (مثل باشلار وفوكو)، تهدف إلى الكشف عن الطبقات المعرفية العميقة التي شكلت "العقل العربي" كظاهرة تاريخية-ثقافية، لا ككيان مجرد أو كوني. يحدد الجابري ثلاثة أنظمة معرفية رئيسية تتحكم في تكوين وبنية هذا العقل: البيان (النظام اللغوي-النصي)، البرهان (النظام العقلي-الاستدلالي)، والعرفان (النظام الكشفي-الباطني).
رغم انتقادات بعض المفكرين لاختزاليته أو إسقاطاته الحداثية، يبقى مشروع الجابري إسهاماً كبيراً في فهم الذات الثقافية العربية وشروط نهضتها. إن مهمة النقد اليوم هي إعادة توازن هذه الأنظمة، ليصبح العقل العربي قادراً على إنتاج معرفة حديثة تتوافق مع تراثه وتلبي حاجات عصره. بهذا، يتحول النقد من مجرد تفكيك إلى إعادة بناء حضاري يعيد للعقل العربي حيويته وإبداعه. فماهي الدلالات المعاصرة لهاته القراءة وآفاقها النقدية؟
انتهى كلامه!
يقلل الخويلدي مما يُسمّيه " انتقادات بعض المفكرين لاختزاليته أو إسقاطاته الحداثية " مشدداً على ما جاء به فكراً يُعوَّل عليه ناجماً عن تجربة كتابة من " صلب " الجابري، رغم أنف من سبروا مرجعياته بعمق، وفي الواجهة : جورج طرابيشي، وما قام به علي حرب، في كتاباته عنه، بشفافية وتوازن .
على المنوال نفسه في تناوله لهشام جعيط، في مقاله:
في تأبين هشام جعيط، 11 حزيران 2021 " موقع ميدل إيست "
في مدونة جعيط تذوب الفوارق بين الإسلام والغرب وبين الشرق والحداثة ويمتلك العرب العبارة العلمية. كان لمنتدى الجاحظ منذ انبعاثه شرف تقديم الراحل للجمهور وخاصة تحفته الثلاثية عن كتاب تاريخية الدعوة المحمدية والسيرة النبوية. لقد تمكن الدكتور هشام جعيط من دراسة الموروث الديني بطريقة تاريخية علمية. ومن المزج بين مدرسة العراق في التاريخ التي يمثلها الدوري والوردي وجواد علي ومدرسة الاستشراق الغربي. ( الفرق كبير بين هؤلاء)
صفوة القول إن هشام جعيط يطالب العرب بإعادة البناء والاسترجاع الحضاري، ويعترف بأن كل نقطة بداية هي صعبة ولكنه يشير إلى أن كل الأعمال العظيمة، بما في ذلك الدعوة المحمدية شهدت في بداياتها صعوبات جمة، وينصح بأن يعيش المفكر مشاكل عصره ويدقق أفكاره ليس بالانعزال بل بالحضور مع الغير والحوار.
لكن ما يثير إشكال بالنسبة إلينا هو أليس من اللازم علينا أن نشرع في البحث عن شروط إمكان إنتاج العلم الصحيح عندنا طالما أن الثروة المالية العربية في الحقبة النفطية قائمة الذات؟ وإذا كنا نحن العرب عاجزين لأسباب هيكلية غير موضوعية عن إنتاج العلم الصحيح الطبيعي أو الصوري، أليس من الممكن أن ننتج العلم الإنساني طالما أنه لا يتطلب مخابر وتمويلات ضخمة بل الإيمان بالعقول وكفاءات وتوفير مناخ من حرية التعبير يساعدهم على ذلك؟ فمتى نرى علوما إنسانية تنبثق من مسطح المحايثة الحضاري العربي الإسلامي وتطمح نحو الكونية؟ ألا تساهم هذه العلوم الإنسانية المنشودة في فهم ذاتنا فهما أصيلا وفي تحقيق المصالحة مع العلم والآخر الانساني؟
انتهى كلامه!
أليس الوارد بالصيغة الانفة الذكر، عبارة عن مسح موجز، لنقاط أساسية، لا تزعل أحداً، خارج النطاق المضروب لـ" حضارة اقرأ "، وكما ورد مدائحياً في مقاله عنه:
فكرة التاريخ عند هشام جعيط، 20 تموز 2025 " موقع ديوان العرب"
يُمثل هشام جعيط (1935-2021) أحد أبرز المؤرخين والمفكرين العرب في القرن العشرين، حيث قدم إسهامات فكرية عميقة في دراسة التاريخ الإسلامي، متميزًا بمنهجه النقدي الذي يجمع بين التحليل التاريخي والأنثروبولوجي والفلسفي.
يرى هشام جعيط أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو عملية استقراء وفهم عميق للديناميكيات الاجتماعية والثقافية والدينية التي شكلت المجتمعات. في كتابه الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية، يقدم جعيط رؤية شاملة لنشأة المدينة الإسلامية كنتاج لتفاعل الحضارة العربية مع الحضارات السابقة مثل البابلية والفارسية والهلنستية. يعتمد جعيط على منهج تاريخي تفهمي يسعى إلى فهم المناخ الذهني والعقلي للعصر، مع التركيز على القيم والأفكار التي هيمنت على المجتمع .
مقارنة بين المدينة الإسلامية والدعوة المحمدية
تتجلى فكرة التاريخ عند جعيط في مقاربته المزدوجة للمدينة العربية الإسلامية والدعوة المحمدية، حيث يرى أن كلاهما يمثلان وجهين لعملية حضارية واحدة. المدينة الإسلامية، كما يراها جعيط، هي نتاج التحولات التي أحدثتها الدعوة المحمدية، حيث شكل الإسلام إطارًا موحدًا للقبائل العربية، مما أتاح نشوء مدن مركزية مثل الكوفة والبصرة. في الوقت ذاته، يرى أن الدعوة المحمدية لم تكن مجرد حدث ديني، بل كانت عملية اجتماعية وسياسية أعادت تشكيل الهوية العربية.

وفي خاتمته:
تُعد فكرة التاريخ عند هشام جعيط نموذجًا فريدًا للتعامل مع الظواهر الإسلامية، حيث يجمع بين التحليل التاريخي النقدي والفهم الأنثروبولوجي للسياقات الاجتماعية. من خلال دراسته للمدينة العربية الإسلامية وتاريخية الدعوة المحمدية، يقدم جعيط رؤية شاملة ترى التاريخ الإسلامي كعملية ديناميكية تجمع بين الدين والسياسة والثقافة.
انتهى كلامه !
بحثت هنا وهناك عن صوت، ولو خافت يشير إليه، عما يمكن اعتباره صنيع تجربة كتابة عن تجربة كتابة، ولم أفلح في ذلك.
عما هو كامن في نوع من الاعتراف أشهرَه جعيط في حوار معه، كما في :

هشام جعيط:أقف صامتاً أمام سؤال مستقبل العرب!22 كانون الأول 2015 " موقع العربي الجديد "
" حوار أنس أزرق "
جهة سؤال استقصائي كهذا:
أعود للسؤال، فالعالم العربي والإسلامي لم يحسن تحديث اقتصاده ومجتمعه، واستيعاب الثورة الصناعية، وأنا لا أرى أن التحديث مناف للهوية الثقافية.
بعد أن كنا في الشرق الأوسط من أسس الحضارة الإنسانية بعد أن جاءت ما يسميها هيغل "ثورة الشرق" أصابنا ما أصابنا من عدم المقدرة على استيعاب الأسس المادية للحضارة الحديثة، ولم يعنا كثيرا الآخر (الغرب) لكن التاريخ نفسه عرف إحباطا وانحطاطا وتقدما، وغير ذلك، لكن في آخر المطاف الأزمات الكبرى تقف يوما ما.
يبقى أن أقول إن رد فعل الإرهاب الإسلامي هو رد فعل الضعفاء والأغبياء.
في تجربة طويلة ومعمقة لجعيط، كيف يمكن الربط بين جواب كهذا، والواقع الذي عاش فيه، والكتابة التي تعرَف باسمه، وتجلياتها المعرفية أو الفكرية ومدى نجاعتها في ضوء الراهن؟
انتهى كلامه!
إن قراءة في جزئية حوارية مما تقدم، مقارنة بما كتب على مدى عقود من السنين، تضعنا في مواجهة الاسم الكبير وحقيقة وجوده كرصيد مادي ومعنوي في آن، إزاء الجاري في الغرب، أي حيث تكون كلمة المعتبَر مثقفاً، وبالتوصيف المتداول عالمياً، والمجاز غربياً، بصورة مؤكدة، كلمة في مستوى المودَع فيها سلطة رمزية، إن استعنّا ببيير بورديو، لتراءى هول المشهود له، في الكلمة الدنيا والخدمية إجمالاً، في ظل الحاكية الطاغية، أو التي تقرر مصير أمة، بعيداً عن أي قراءة قادمة بصوت المثقف هذا، أو إصغاء له.
وفي الوقت نفسه، ليُدفَع به، كما حسبها مكر ولي الأمر، أمر الأمة، جيداً، ليكون شريك الإثم هنا.
من هذا المنظور يمكن النظر إلى التراث، الذي يشكل في مفهومه المتداول، منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن، تعويذة خلاص، وتنويماً مغناطيسياً للذاكرة الجماعية لملايين مؤلفة من الجماهير " المسلمة " ومنها العربية، هنا وهناك، من قب الإيديولوجية العقائدية التي تغذي طعامها وشرابها وحتى مناماتها، كما لو أن حركة التاريخ تمضي إلى الوراء، أو تقف عند نقطة جرى تثبيتها، بخاصيتها الدينية، ضماناً لسلامة الأنظمة ذات الصلة، ولنجد ذلك التنافس " الدّيَكي " على حلبة الأسماء المستقاة التي تبوصل تعابير المعنيين .."

نقطة اعتبارية أخيرة
ما تقدمت به من أسماء، وإن وردت بأمثلتها، بقليل من التعليق أو النقد، أو المكاشفة الدلالية، إنما تقدم لقارئها، كما أرى، الكثير مما يؤسف له في بنية الشخصية المفهومية لكاتبنا الفلسفي، وكميزة فكرية .
وإذا كان هناك من ملاحظة في هذه السردية المقدَّرية لمأساة أن تكون مثقفاً، كما هو المثقف، وفي مضمار التنويع، فثمة إفقار في النماذج المختارة، وتحيز ملحوظ لم يكن سدى أو عن سهو، وتحديداً، بالنسبة لأصوات بحثية تعيش مخاض الفكر، أمثال: جورج طرابيشي، علي حرب، علي زيعور، وقبلهم، زكي نجيب محمود، زكريا إبراهيم، لويس عوض، وبالنسبة للمرأة، فهي مجهولة الاسم هنا.
لعل التركيز على ما هو ديني، ومن منظور أحادي، وفي بلدان المغرب، حيث يُعتد بالإسلام متداخلاً مع نوع من الحداثة الغربية، دون أن يكون هناك نجاح في المتابعة تحت وطأة السياسات العربية الممهجة، وهي لا تخفي بوليسيتها، ضداً على الجاري في بلدان المشرق، حيث يستحيل تجاهل دور أصوات المثقفين المسيحيين في محاولة التمهيد لنهضة عربية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، في لبنا وسوريا خاصة، حيث التأكيد على ما هو قومي وعلماني في بناء الدولة إن أريد لها أن تكون دولة مدنية وثقافة،ويا لها من مفارقة، حين يقبل مثقفنا هذا، وهو يركّز دينياً، في " حضارة اقرأ " على كيفية قثراءة الآخر" الغربي " والاستفادة منه، بصيغ شتى، والرد عليه، بدعوة الهوية المختلفة، والدفاع عن الخصوصية،كما لو أن الذين اشتغلوا في هذا الشأن سابقاً، امتداد للهيمنة الاستعمارية الغربية بخاصيتها الدينية: المسيحية . إنه مأزق الذهنية التي لا تستطيع التحرر من رهاب الآخر، في ركاب السلف المختزل كمفهوم،واستمراء هذا الخيار الكارثي.
مأزق إيديولوجيا " أنتي كولونياليزم " الجاري تجديدها هنا وهناك، بما يتناسب ومتطلبات المرحلة، في الوقت الذي يكفي لأبسط قارىء أن ينظر في الحالة التي كان أبوه أو جده، يعيشها تحت راية الاستعمار في الشرق، ومقارنتها بالتي يعيشها هو، لكان الفارق كبيراً، ورهيباً ، وقول كهذا، ليس تجسيداً لفكرة الدفاع عن الاستعمار، وإنما ضد الذين يصعّدون نبرة التهويل لزمن الاستعمار، بغية التعتيم على الجرائم التي تُرتَكب باسم الوطن، باسم الحرية، باسم المواطنة، وباسم هوية الأمة وخلافها.." 6 ".



مصادر وإشارات
1-هانز جورج غادامير: الحقيقة والمنهج " الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة: د. حسن ناظم-علي حاكم صالح- راجعه عن الألمانية:د. جورج كتوره، دار أويا، ط1، 2007، ص 172.
2-على الأقل، وأنا أشير إلى كتاب الباحث والمؤرخ العراقي سيار الجميل في: تفكيك هيكل"مكاشفات نقدية في إشكاليات محمد حسنين هيكل " منشورات الأهلية، عمّان، ط1، 2000، في أكثر من " 600 " مع الفهارس والمراجع...إلخ ، وبدءاً من كلمة الإهداء، ومغزاها: إلى كل عربي يسعى إلى معرفة الحقيقة الغائبة، ثم المقدمة، ص 35، وما بعد ..
3-يُنظر حول ذلك ، كتابي: شجرة قابيل، ج2، : سوريا العيش في ظل زوجة الأب، دار سطور، بغداد، ط1، 2019، صص550-558..
4-كمثال آخر، يُنظَر في بحث يحيى بن الوليد: عبد الله العروي ونظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، 4 حزيران، 2008 " موقع أنفاس. ". إنه حقاً،مقال معمق من باحث أكاديمي درَّس في جامعات أميركية، ربط بين أبحاثة ورواياته ، وأثنى على فكره.
5-حول ذلك، أحيل إلى كتابي: النقد والرغبة في القول الفلسفي المعاصر، دار الحوار،ط1، 2007،القسم الثاني، الفصل الأول: تجليات التراث في القول الفلسفي المغربي المعاصر،صص 363-436.
6-كما تطرقت إلى ذلك، في كتابي: الحنين إلى الاستعمار" قراءات في أدبيات عصر النهضة "، دار الينابيع،دمشق، ط1، 2003. الجدير بالتذكير، أن مخطوطة الكتاب هذا بقيت أكثر من سبعة أشهر في قسم الرقابة في وزارة الإعلام السورية حينها، ولم تنل الموافقة، إلا بمغامرة يُشكَر عليها أحد الناظرين إلى الحياة في الوزارة تلك، بعين إنسان متحرر من وطأة الإيديولوجية المذكورة..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى