د. محمد الشرقاوي - وفي علم الاجتماع: منظرون.. وقوّالون.. ومهرجون!

أستغرب لما وصلني عن أن أحد الذي لا يقبلون مقاطعة المنتدى العالمي للسوسيولوجيا الذي سيستضيفه المغرب إذ قال إنه حتى يكون الشخص "منسجما مع نفسه غاية الانسجام، فما عليه إلا أن يقاطع علم الاجتماع نفسه، لأنه، بكل بساطة، علم من إنتاج اليهود وبعض المسيحيين."
هي عبارة تنمّ عن مغالطة معرفية وعرقية في آن واحد، وتتعسف في ادعائها أن علم الاجتماع "علم يهودي" بالأساس. ولم يبق لصاحب العبارة إلا أن يولي نفسه مسؤولا في مكتب التحفيظ العقاري أو الوكالة الدولية للحماية الفكرية. وحتى المنظرون الرئيسيون لهذا الحقل المعرفي لم يجادلوا بيهودية أم مسيحية أو إسلام هذه السوسيولوجيا.
لم يقف أوغست كونت (1798-1857) الذي يصنف في الغرب بأنه "أبو علم الاجتماع" ذات يوم يجادل بأن هذا العلم "فرنسي" أو "كاثوليكي". ولم يحاول هربرت سبنسر (1820-1903)، الذي اعتبر المجتمع كائنا حيّا ذا أجزاء مترابطة، وأن التغيّر في أحد أجزاء المجتمع يُحدث تغيرًا في الأجزاء الأخرى، لم يجادل بأن علم الاجتماع "بريطاني" أو "بروتستانتي".
وحتى كارل ماركس يهودي العقيدة (1818-1883) لم يقحم الدين في تأويل تطور العلوم ولا ينزع إلى القول إن علم الاجتماع "برجوازي" أو "بروليتاري"، بل فسر التاريخ البشري بأنه يقوم على تنافس المصالح.
لم تسخن حماسة مازاكوزا طوياما الذي يعد أب السوسيولوجيا اليابانية في النصف الثاني من القرن 19 يناصر فكرة أن هذا العلم "ياباني" في الأصل والروح.
لم تنتفخ أنفة عبد الرحمن بن خلدون مؤسس علم العمران ومنظر النواة الأولى لعلم الاجتماع (1332-1406) للادعاء أن العلم الجديد "إسلامي" أو "مغاربي" فقط.
يحق لصديقنا أن يجالس كتابات إميل دوركايم، ويورغ وزيمل، وليفي ستروس، وعزرا بارك، كما يودّ. لكن ليس من الحكمة التعصب لهؤلاء المنظرين، والادعاء باحتكارهم ل"تأسيس" علم الاجتماع. ومن أخطر الإسقاطات التي تنال من سمعة المثقف أن يفتعل اجتهادات مريبة تجعله يقدم إسقاطات الأيديولوجيا على العلم، بدلا من الدفاع عن تحرر العلم من أي تيارات سياسية أو ديماغوجية.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى