سيد الوكيل - شال لفاطمة...

حتى وهو نائم على بطنه كالعادة. المخدة فوق دماغه، والأحلام لم تتبخر بعد. سيرصد طقوسها الصباحية، طقساً.. طقساً. هذه الساق المعطوبة بتمدد الدوالي وتورم الأطراف، الشبشب العتيق الذي مازال قادراً على تحدى السيراميك، هذا السيراميك الذي احتل الأرض كلها وراح يهددها بانزلاق قدميها المتعبتين.

إنها افتتاحيات الصباح الصاخبة، قعقعة الأواني في الحوض، اندفاع الماء في البراد، تكتكة غلاية اللبن على البوتجاز، صليل الملعقة في الأكواب. كل هذا ينتهي بفاصل من الهتافات: اصح يا محمد .. يا بت يا آمال هتتأخري على الشغل..

هذه ليست كل الأشياء المكررة في حياتها، سيظل سؤالها التقليدي الذي تسأله لكل واحد على انفراد، تدخره في اللحظات الأخيرة قبل أن يغادر البيت، حتى في أيام العطلات التي تحظى بطقس الإفطار الجماعي، ستلقى السؤال في الوقت المناسب، في تلك اللحظة التي يظن الجميع أنهم فرغوا إلي أمورهم الخاصة.

– هناكل أيه يا ولاد النهار ده؟.

لا أحد يأخذ السؤال على محمل الجد. يعرفون أنها تعرف ماذا تفعل.. فقط من باب المجاملة، ستتلقى نفس إجابة الأمس.. وكل الأيام السابقة: أي حاجة يا ماما

حتى نجم الدين نفسه، كل ما في الأمر أنه سيعدل الإجابة قليلاً سيقول: أي حاجه يا فاطمة.

هي في الحقيقة لم تنتظر أي إجابة مختلفة، ولكنها مندهشة من أولئك الذين يقولون في الصباح (أي حاجه ) ثم ينتقدون اختيارها على الغداء! وهي لا تعرف كيف ترد على أسئلة حول هذا الموضوع بالذات. عندما يتأفف محمد وهو يتراجع للوراء.

– يا إما كوسة، يا بسله، يا سبانخ؟؟

ترد بدهشة: هوه فيه ايه في الدنيا تانى غير الخضار واللحمة.

عندما يفكر محمد في عالمها الضيق سيخرج بتعبير جديد يعجبه (الأشياء تحدث كالعادة ) سيفرح بالاكتشاف الجديد، ثم يتسرب إليه إحساس بأن هذه العبارة قيلت من قبل .

أين سمعتها؟؟

سيفكر بالتأكيد في القصائد التي قرأها مؤخراً، وعندما لا تسعفه الذاكرة سينتهي إلى اكتِشاف آخر.. هناك عبارات تقفز إلى الذاكرة وتعاود تكرار نفسها في كل مناسبة، مثلاً: حين تبدأ آمال في الشكوى وتميل إلى الكسل ستعلل ذلك لأمها بشيء واحد .. البتاعة المرة دى جايه جامده قوى ياماما .

هو في البداية لم يكن يفهم ما هي (البتاعه) لكنه خمن، فمناسبة كهذه تجعل فاطمة تفكر في زمنها بشيء من الفخر، وترد بنفس الطريقة. تتذكر نفس الأشياء .

– يوم ما ولدتك يا آمال لميت الغسيل وقعدت على الطشت، ويوم ما ولدت أخوك كنت أجهز صاجات الكحك للعيد الصغير.. ما أنا ولدت محمد ليلة القدر.

تصمت لحظة وكأنها تتفادى خطأ ما.

– صدق اللي قال.. ليلة القدر خير من ألف شهر.

أخيراً توقفت آمال عن محاولات إفهامها أن الذي قال ذلك هو الله ..الله ذاته, وأن من اللائق أن تقول ..صدق الله العظيم. وليس صدق اللي قال.

عادة تتقبل فاطمة تعليقات مثل هذه من آمال، لكنها ليست ملزمة أن تأخذها على محمل الجد. الأمر يختلف بالنسبة لمحمد، فعلاقته الغامضة بالكتب تمنحه حقاً في كلام غامض، ومقلق.

تضع كوب الحليب على الكمودينو فيرتطم ارتطاماً هينا بالزجاج المشروخ، ومع الوقت تبقى دوائر رمادية خشنة تطمس ملامح الوجوه في الصور التي تحت الزجاج. على فترات متباعدة سوف تزيل هذه الأوساخ، وربما تعيد ترتيب الصور، عندئذ ستتأملها قليلاً وتحاول تذكر أصحابها.

معظمها صور أبيض وأسود تآكلت حوافها واصفرت، لكنها مازالت تشكل جزءاً من معالم حجرة النوم التي دخلت بها هذا البيت: صور لأقرباء بعيدين، وجيران رحلوا من سنين، وأطفال صاروا آباء سيحضرون في الذاكرة بالكاد إذا التقت بأحدهم في مناسبة عائلية، فرح أو ميتم ، أو..

هل هناك مناسبات أخرى تلتم فيها العائلة؟؟ تسأل نفسها فلا تجد إجابة.

في المسافة الضيقة بين السرير والدولاب، مازال نجم الدين فوق سجادة الصلاة. تتفاداه قدر الإمكان وهي تمر، وعندما تنحني لتسوية الملاءة سيغالب رغبة طارئة في لمس مؤخرتها، سيعلن عن الانتهاء من الصلاة بصوت عال، فلا ضرورة أن تتفادى لمساته الآن.. سيقول شيئاً .

– الولد صحى؟

– كل الدنيا تناديه يا دكتور وأنت تقول الولد!!

لم تشك فاطمة في اعتقادها أن بركة ليلة القدر وراء نجاح محمد وتفوقه (اسمه محمد ومولود في ليلة القدر…اللهم صلى على النبي ) محمد الآن طبيب العائلة رغم إنه لم يتخرج بعد، العائلة التي أصبحت تناديها بأم الدكتور لتميز بينها وبين فاطمة بنت خالها رجب.

– أوعى كده..

وجذبت ذيل الجلباب بقوة فأفلت من يده، لم تفطن يوما أنها مجرد مداعبات بريئة، من قبيل الامتنان للأيام قديمة، لكنه لم يفوت الفرصة فلمس مؤخرتها وتتبعها بابتسامة وهى تدخل حجرة محمد. وجدته مازال نائماً على بطنه، المخدة الآن مزاحة قليلاً عن رأسه، ملفوف في البطانية حتى نصف ظهره ، ويده اليمنى تنثني تحت جسده وربما كانت تتحرك، هي فكرت في ذلك ببعض القلق، وخمنت أن كفه تصل لما بين فخذيه، هكذا عاودها نفس الشعور، فاستدعت تلك الرائحة التي تشمها عندما تفرك سراويله الداخلية، قبل أن تغسلها.

– شايك برد يا بني.

تقولها بصوت عال هذه المرة، فيسحب يده بسرعة، يلملم البطانية قليلاً حول نفسه، يجلس مستنداً على شباك السرير، ويحكم البطانية حول جسده.

– انا أجازة النهاردة يا ماما

– النهارده كمان؟ .

– الأسبوع كله أجازة.. ريحي نفسك بقى

تتمتم بصوت خفيض وهي تنسحب إلى خارج الحجرة:

– هل العيانين بياخدوا أجازات؟

ينتهي الحوار.. لكن قلقها لا ينتهي، فقط تنتظر فرصة خروجه من البيت لتبدأ عمليات التفتيش، حتماً ستعثر على شيء، الموضوع فيه واحدة من الشراميط بتوعه، هكذا قالت لنفسها. فقط تحتاج الدليل، ستعثر عليه في مكان ما، دولاب الملابس، درج المكتب، في واحد من هذه الكتب الضخمة المكومة فوق بعضها. ذات مرة ضبطها تقلب فيها باهتمام.

– أنت بتعملى ايه ؟

– بالذمة ده مكتب دكتور ؟

– لو سمحتي.. لا تحركي أي ورقة من مكانها.

تنظر إلى المكتب بغضب، ويتأكد شعورها بأن الدليل هنا، في كتاب ما، أو داخل الجمجمة الخربة التي لم تعد تثير الخوف، فقط تشعر بالرثاء لصاحبها الذي أجهز التربى عليه وشفَاه من بقايا الحياة.

يوم جاء التربي بها كانت محاطة ببقايا جلد وشعر. رأته يطفو على سطح الماء المغلي بالكلور كأي خرقة متسخة، وشمت تلك الرائحة التي لم تعرف أبداً كيف تصفها. ستذكر دائماً المرة الأولى التي رأت فيها الجمجمة، ستذكر ذلك الآن بابتسامة خجلى من حجم الرعب الذي أصابها، والكوابيس التي داهمتها لليال عديدة، التهيؤات التي لعبت برأسها كلما دخلت الحجرة. ،لكن أحداً لم يعرف أنها كانت تدرب نفسها كل يوم على الاقتراب من الجمجمة. ذات مساء كانت وحيدة في البيت، وربما دون إرادة منها، فتحت باب حجرة الدكتور، قرأت المعوذتين قبل أن تتحرك في اتجاه الجمجمة. كل ما فعلته، أنها لمستها برفق، كأنما تربت عليها، وتعتذر لصاحبها.

حتى الآن، لم تتقبل فكرة أن يكون لابنها أشياؤه الخاصة، ولا تستطيع الاقتراب منها، أو لمسها، لو لم تفعل ذلك، لما استطاعت أبداً أن تطارده تلك المطاردة غير المعلنة، لما استطاعت أن تحيط به، لتعرف عنه كل شيء في الوقت المناسب. الآن تستطيع أن تتعامل مع الجمجمة كأي كتاب من كتبه المتربة. رفعتها من مكانها لتنظف تحتها، فسقطت منها خمس سيجارات.

ياربى ..سجائر يا محمد؟

ومنذ ذلك اليوم و هو يتفنن في إخفاء الأشياء، وهى تتفنن في اكتشافها. وسوف تعثر في كل مرة على سر جديد، تضيفه إلى قائمة أسرارها التي تحتفظ بها بشيء من الفخر، وتلوح بها عند الضرورة. فقط تلوح، ولا تفشى سراً .

ثلاثة أيام كاملة ولا تعثر على شيء؟

متى سيطمئن لها؟ ويعرف أن سره الجديد سيضاف إلى قائمة أسرار البيت التي تحفظها منذ سنوات، فتظل لها نفس الطزاجة، وتباغتها بنفس الدهشة. ربما في ليالي الشتاء المملة، وهى تغزل شالها، تخرجها من بئرها العميق، تستعرضها سراً سراً، ستتأكد أن شيئاً لم يفلت من ذاكرتها، تتأملها قليلاً، وتعيدها إلى أماكنها كما كانت سراً سراً.

الليلة تعرف أن الأيام تفعل فعلها، الأيام تلك التي لم يعد لها طعم، فقط تحط غبارها على الأسرار وتطفئ بريقها. ستجلوها وتفكر وهى تعيدها إلى أماكنها. أن ترتبها من جديد فبعضها لم يعد مهماً، وبعضها سيظل سراً بالكاد.

“البنت واتجوزت وسافرت مع جوزها ..الراجل والسكر هلكه.. والواد مش عارفه ماله؟ يرطن بالانجليزي مع صاحباته في التليفون بالساعات.فلا أفهم شيئا..“

في غفوة، تنفلت أبرة التريكو من بين أصابعها لم تشعر بها إلا وهى ترن على بلاطات السيراميك، لن تنحني، ولن تلتقطها، فقط ستقلب في الجزء الذي انتهت منه، ستجده صغيرًا.

” لم تعد أصابعي قادرة على الإمساك بإبرة التريكو. سينتهي الشتاء قبل أن أنتهي من الشال”

تفتح عينيها بصعوبة وتنظر إلى ساعة الحائط:

–الساعة كام دلوقت يا ولاد؟

لم يرد عليها أحد فأدركت أن تاج أخذ الأنسولين ونام، ومحمد أغلق باب حجرته وأمسك الموبايل، فتمسك بطرف الخيط وتبدأ في سحبه، تنفك غرز الشال، غرزة.. غرزة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى