سيد الوكيل - احتفـــــال... قصة

ضيقت عينيها وقالت: أنت لم تحتفل بعيد ميلادك ولا مرة.

كان واضحًا أنها تتكلم باهتمام، وتريد إثارة انتباهي للأمر الذي بدا لها غريبًا؛ لكنني لم أتوقف عن ملء الخانات البيضاء في الكلمات المتقاطعة بالجريدة، فظلت تتكلم، قالت: ألا ترى أن الأمر يستحق الاهتمام، لكنك فاقده. هل تستطيع أن تقول لي، ما اليوم؟؟

قفزت عيناي على التاريخ المكتوب أعلى الصفحة، فقالت:

– إنها جريدة قديمة، أنت لم تلحظ الاصفرار ورائحة العطن!

كان من عاداتي شراء ثلاث نتائج كل عام: واحدة للحائط، وأخرى للجيب، وثالثة للمكتب. وكانت عادتنا الاختلاف حول مكان تعليق نتيجة الحائط، حيث ترى زوجتي أن مكانها هو حجرة النوم، وكنت أرى أن مكانها الطبيعي هو المرحاض، فالإنسان في المرحاض يستطيع أن يتأمل أشياءً تبدو غاية في الألفة.

ليس فقط اكتشفت أن النتيجة لم تفض بعد، بل أيضًا سبع نتائج لم تفض. أدهشني أن كل النتائج تحمل صورة واحدة: كلب يرقد بكسل، ينظر من تحت جفنين مخدرين، وقطة صغيرة، تلعب بين يديه المبسوطتين.

قالت إنها تعرف تاريخ اليوم، والمهم هو أن أعرف تاريخ مولدي.

إنه بلا شك يتخذ له موقعًا بين ملايين التواريخ التي عرفها العالم، وليس الأمر مزعجًا إلى هذه الدرجة، إذ لكل إنسان بطاقة هوية، مدرج فيها تاريخ ومكان المولد، وبعض بيانات أخرى تبدو غير مهمة، إلا أنني لم أشك لحظة في أن المسئولين يعرفون أهميتها، لكن الذي بدا لي مزعجًا على غير توقع، أنني لم أجد بطاقتي، وهي نبهتني إلى أنني فقدتها منذ سبع سنوات، وأنني لم اهتم باستخراج واحدة غيرها.

شعور بالقلق بدأ يحتويني وأنا أكتشف فراغ السنوات السبع. ومع إصرارها على الاحتفال بدا لي أن فكرة الاحتفال ضرورية، ولهذا فكرت أن الشركة التي أعمل فيها، تستطيع أن تمدني بكل المعلومات المفقودة.

كانت الإضاءة الخافتة في البدروم مبعثًا للرهبة، وثمة أزيز مزعج يسري في المكان، خمنت أنه صوت محولات المصابيح، تئن وتنتحب. أما الرائحة المقبضة التي شممتها، فهي بلا شك رائحة الملفات المخزونة. تعجبت، كيف أنني لم ألحظ هذه الرائحة عندما كنت أطالع الجريدة القديمة، كما لاحظتها زوجتي.

في الركن يجلس أحد الموظفين، وثمة آخران على مقربة منه، يجلسان على مكتبين اكتظا بالملفات القديمة، كانا يحدقان في وجهي في صمت، وأظن أن كلاً منهما نظر للآخر مندهشًا من وجودي هنا، أما الذي في الركن، فكان منهمكًا في مطالعة بعض الأوراق، ومكتبه كان أكبر نسبيًا من مكتبي الآخرين. في الخلف نافذة، واضح أنها لم تُفتح منذ زمن طويل. ثمة فنجان من القهوة الباردة أمامه، وسيجارة بين أصبعيه، تبث دخانها بهدوء ممل، لكن أشد ما يلفت الانتباه، ذلك الطربوش الأحمر فوق الرأس. تقدمت بالطلب الذي كان علي أن اكتبه، أوضحت فيه رغبتي في معرفة تاريخ مولدي، أخذه بتلقائية دون أن ينظر إليّ. فتح سجلاً ضخمًا، أطال النظر فيه، رفع عينيه لأول مرة ناحيتي، تغيرت ملامحه كأنه فوجئ بوجودي، قال:

هل أنت متأكد من صحة الاسم؟

كررت الاسم، وأكدت له أنه اسمي، وأن الإنسان لا يمكن أن يخطئ في اسمه الذي يُنادي به منذ مولده، صحيح أن الإنسان لا يملك اسمه، إذ أن الاسم للآخرين، فهو لا ينادي نفسه، ولكن…

قاطعني بإشارة من إصبعيه الممسكين بالسيجارة:

– إما أن الاسم غير صحيح، أو أنه لا أحد يعمل هنا بهذا الاسم، والاحتمال الثالث أن تكون أحلت للتقاعد.

الاحتمال الثالث؟ كم هو مزعج، يعني أنا تجاوزت السن القانونية! أنا أكبر عمرًا مما كنت أظن!

ثلاثة احتمالات، وعليّ أن أتأكد أو أختار بينهم. في كل الحالات فإن الخطأ خطئي، فالتجهم على الوجوه، والصمت الجاثم هنا يجعلاني أشك في إمكانية وقوعهم في الخطأ، الرجل لهجته حاسمه، إنهم يعرفون ماذا يفعلون، ويمارسونه بدقة، منكبين ليل نهار تحت الضوء الخافت.

كان عقلي يعمل مثل ساعته فقدت سيطرتها على الزمن، وراحت عقاربها تلهث بعشوائية، هكذا فكرت أن ابتعد عن المكان بسرعة، فقد امتلأ صدري بالتراب والعطن. عند الباب لاحظت مشجبًا قديما، وربما من طراز تركي قديم، كان عليه طربوشان.

1753304706038.png


كثيرا أمر على هذا المقهى، وكنت لا أفكر أبدا في الجلوس عليه، لكنني الآن في حاجة لالتقاط أنفاسي على مقعد، وكوب شاي دافئ بين يدي، لهذا جلست على أول مقعد قابلني لأفكر فيما يجب أن أفعله إزاء هذه المواقف التي تعقدت وتشابكت، فالآن، ليس عليّ فقط البحث عن تاريخ مولدي، بل اسمي أيضا، كما هو مكتوب في شهادة ميلادي، وربما مكنني هذا من إثبات وظيفتي، وتكذيب زعمهم بإحالتي إلى التقاعد. لكم بدا لي مرعبًا أن مصيري معلق بوثيقة مفقودة، أو أنني عشت عمري كله باسم رجل آخر، وهكذا، فإن الأمر في غاية الأهمية، وهو يحتاج بالفعل لمقعد وكوب شاي دافئ، وأفكر.

النادل يمر أمامي متجاهلا وجودي تمامًا، جاعلاً أذنًا من طين وأخرى من عجين رغم نداءاتي المتكررة له، ولما هممت أن أصرخ غاضبًا، نبهني جاري أن لا فائدة مما أفعل، لأن النادل يختار زبائنه بنفسه، وأن عليّ انتظار دوري مثلي مثل الجميع، كما أن أي محاولة للاحتجاج على نظام المقهى، قد تسقط حقي في الدور المقرر لي، أو تحرمني من كوب الشاي نهائيًا. ثم أنهي كلامه فقال: ليس معقولاً أنك الذي حضرت الآن فقط، تقضي طلبك مثلي، أنا الذي انتظر منذ زمن! ولما شرحت له كم أنا مضطرب، وفي حاجة إلى كوب شاي، وحكيت له قصتي مع رجال البدروم، علق ابتسامه متآكلة على جانب شفتيه وقال: إننا جميعا نقول نفس الحكاية، ثم أكد لي أنهم هنا يعرفون هذه الحيل جيدًا، وألا فائدة، وأن عليّ –أن أردت الشاي – انتظار دوري.

كان صوته همسًا، وكانت عيناه ثابتتين على وجهي كعيني سمكة قرش ميتة، أحسست برهبة، وانقبض قلبي من صوته الذي يشبه الفحيح، وفكرت لو أجرى من هنا، فقال: تستطيع أن تمشي، ولكنك ستخسر دورك.

وبرغم حزني على دوري الذي خسرته مشيت، وأنا لا أعرف إلى أين أذهب. كان فحيح الرجل في أذني مختلطًا بصوت المحولات الكهربائية، ورائحة العطن في أنفي، وصورة البدروم والطرابيش الثلاثة تملؤني، وكان الشارع ضبابيًا راكنًا للنعاس، وهي في البيت تريد أن تحتفل.

في السيارة كنت مستسلمًا لاندفاع الهواء من النافذة، أملأ رئتي بالأوكسجين، ويتعمق في نفسي الإحساس بالفرق بين هواء البدروم، وهواء الطريق الزراعي، ونظرة السائق تفحص الطريق بحيوية مدهشة، وهو يضع ذراعه على نافذة يسراه، ويردد أغنية من ذلك النوع الذي يناسب موالد الأولياء، ثم راح يقشر بعض اليوسفندي ويلتهمه، بينما يطوح بالقشر على طول ذراعه، فأدهشتني شراهته.

وأنا أحاول الانشغال به، يراودني شعور مبهم بالقلق، فأنا لم أزر قريتي منذ ماتت أمي. وبرغم أنه لم يأتني خبر عن موت أبي، إلا أنني كنت أشك في أنه لا زال على قيد الحياة، لكنني وجدته تحت الصفصافة العجوز أمام دارنا القديمة. عيناه في اتجاهي مباشرة، عندئذ تذكرت الرجل الذي ينتظر دوره على المقهى، ولما ألقيت عليه السلام، عرفت أنه لم يسمعني، فانحنيت وأمسكت بيده لأقبلها طبقًا لعادة قديمة كنت أفعلها صغيرًا، أمسك هو بيدي وقال بصوت متقطع: من؟ يوسف؟ هل عدت؟

أدهشني أنه نطق بهذا الاسم، فلم ينادني به أحد من قبل. تذكرت رجال البدروم، ربما كانوا على حق في مسألة اسمي، هل يمكن أن يكون اسمي هو يوسف؟؟

ما كدت اترك يده الجافة تسقط حتى أحسست بيد تربت على كتفي، كان رجل مهيب الطلعة، ابتسم لي في وقار وهو يداعب لحيته البيضاء، ثم قال: تأخرت كثيرًا..

علمتُ أن أبي ذهبت ذاكرته منذ سنوات، وأن كل ما يعرفه الآن، أن يجلس تحت الصفصافة في انتظار ابنه يوسف. أحسست بالذنب وأنا أنظر لعيني أبي البيضاوين وهما ساكنتان تمامًا. في الحقيقة، إحساس الذنب يطاردني منذ طفولتي، لا أعرف لماذا؟ لكن الرجل المهيب هون عليّ، وطلب مني أن أكمل المشوار للنهاية، ثم ربت على يد أبي وقال إنه رجل مبارك، أما أبي فأمسك بيده وقال: يوسف؟ هل عدت؟

بالكاد تحركت في عيني دمعة، رغم حزني الشديد على ما وصل إليه أبي، أخرجت منديلاً لأمسح عيني، ولما رفعته عن عيني لم أجد الرجل المهيب، كأنه نور وانطفأ فجأة.

ظهر خوفي في حلقي الذي نشف، وأحسست بالدماء باردة تنسحب من جسدي، وشعرت كأن كل شيء يحدث بفعل فاعل، وكأنني مدفوع بقوة لا أعرفها إلى مصير محدد. رغم كل هذا، هداني عقلي لأذهب إلى بيت قابلة القرية، ربما كان لديها شيء عني.

لما دققت بابها انفتح، فتحته امرأة رائعة الجمال، لم استطع النظر في عينيها العميقتين، ولما قلت أنني أريد أم حياة القابلة، قالت أنها حياة ابنتها، وأنها قد تجيبني على طلبي، لأن أمها ماتت منذ زمن بعيد.

ماتت؟ كنت أريد معرفة تاريخ مولدي.
هل هذا مهم؟
إن زوجتي تريد الاحتفال.
لكنك تأخرت كثيرًا.

هي نفس كلمة الرجل مهيب الطلعة. غاظني هذا، فقلت بحدة:

تأخرت على ماذا؟
إن زوجتك تحتفل الآن.

وقعتُ في الحيرة لحظة، ثم دخل في روعي أن زوجتي تكون قد عرفت شيئًا عن تاريخ مولدي، ولكني مندهش، كيف علمت حياة أن زوجتي تحتفل الآن. عندما رفعت بصري إليها مستفسرًا، صرخت، وظللت أصرخ من بشاعة الوجه، وغور العينين المتآكلتين كأنها لجمجمة.

رحتُ أصرخ، وأجرى، مررت بأبي المنحوت في جذع الصفصافة، وظللت أجرى، حتى وجدتني أمام بيتي، طرقت الباب بقوة فانفتح.

قالت: من تريد؟

من أريد؟ أريد أن أدخل.
تدخل إلى أين؟
بيتي..
بيتك؟ من أنت؟

كنت في غاية الدهشة والحيرة من كلامها، ولما أردت أن أذكر لها اسمي، لم أتذكره، فقط قلت: أنا زوجك

قالت بهدوء: زوجي بالداخل يحتفل بعيد ميلاده.

عندما نظرت من بين ضلفتي الباب، لمحته يتحرك، وسمعت صخب الاحتفال بالداخل.

كنت أحاول أن أفهم، أن أفكر، فوجدتني في حاجة إلى مقعد وكوب شاي، فذهبت إلى المقهى، وجلست أنتظر دوري.






تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى