جابر بسيوني - شارع العزب: الرواية التي بُنيت من عرق الذاكرة

ليست "شارع العزب" روايةً تُقرأ على مهل فحسب، بل هي حجرٌ كريم استُخرج من قلب الذاكرة الجمعية للإسكندرية، ونُحت بنَفَس طويل من التراب والماء والحنين. كتبها شريف محيي الدين إبراهيم في لحظة نادرة، فخرجت كما الجوهرة: غارقة في الضوء، نقيّة، غير مُنمّقة، كأنها لم تُكتب بالحبر، بل نُطقت من وجدانٍ خامٍ، يقطر صدقًا وشغفًا، دون وسائط.


1753819835298.png


البنية والتقنية: حين تتكلم الذاكرة

الرواية لا تمضي وفق خطٍ سردي مألوف، بل تقوم على بناء فسيفسائي، تتجاور فيه المشاهد وتتقاطع بمرونة ذاكرة حيّة، ذاكرة طفل يرى العالم للمرة الأولى، ثم شاب يعيد تأمله، فيبحث في ما رآه عن مفاتيح للعزلة، والدهشة، والخذلان، والمقاومة.
الشخصيات لا تُخترع، بل تُستدعى من الواقع، تنمو من البيئة، وتتحرك داخل نسيج اجتماعي حيّ، حيث كل تفصيلة – مهما بدت هامشية – تسهم في صناعة المناخ، في بناء الجملة الكبرى: الشارع، بما فيه، بما عليه، بما غاب عنه.

إنه نصّ لا يُخطّط له ببرودة، بل يُستعاد، كأن الكاتب يُجري عملية إحياء لزمنٍ كان. لا يتعجل الحكاية، بل يمنح التفاصيل ما تستحقه من ضوءٍ ومجاز.

الرمزية واللغة: حين يلمع الواقع من الداخل

في "شارع العزب"، كل شيء يبدو مألوفًا… لكنه مشحون بإشعاع داخلي. النساء أطيافٌ تمرُّ، لكن حضورهنّ دائم، كثيف، مرئيّ في الفراغ. الرجال موزّعون بين جَدّ وأبٍ وصديق وجارٍ وزميل… لا أحد يحتل الصدارة، بل تتجاور الأدوار كما تتجاور الأرواح.

والشارع نفسه ليس مجرد مسرح، بل كائن حي، يسمع، ويحلم، ويشيخ، ويتكلم. لا تغيب المدينة عن النص، ولا يغيب رمل الأرض، ولا وجه البحر، ولا تسرُّب الملوحة من الجدران القديمة.
الرواية لا تبحث عن التعقيد، لكنها في بساطتها العميقة تخلق شعرية خفية، في اللغة، في الإيقاع، في قدرة الكاتب على أن يلتقط الأشياء قبل أن تفلت، ويمنحها ما تستحق من تأمل.

اللغة في الرواية ليست مزخرفة، لكنها رائقة، محمّلة بالحياة، تمشي بين الشاعرية والواقعية في توازن نادر. وهو ما جعل بعض النقاد يرون فيها روح نجيب محفوظ حين كان يكتب عن الأزقة لا ليستعرضها، بل ليفهم سرّها.

صدمة التلقي: حين يصير الصدق خطرًا

رغم الرمزية الواضحة في العمل، والتجريد المقصود في عرض الشخصيات، فقد تعرضت الرواية لهجومٍ من بعض أفراد عائلة الكاتب. فبينما فرح بها البعض واعتبروها توثيقًا أدبيًّا لزمنٍ اندثر، رأى آخرون فيها كشفًا غير مُبرّر، وقرؤوها قراءة شخصية بحتة، متجاهلين أن الأدب لا يُدين أحدًا، بل يُفسّر العالم بلغته الخاصة.

هذا التوتر أدى إلى توقف الجزء الثاني من المشروع، وترك أثرًا نفسيًّا لا يُخفى على الكاتب. لكن شريف محيي الدين إبراهيم، في سلوك يشبه الروائيين الكبار الذين لا يكسرهم المنع، عاد إلى النبع ذاته، واستخرج من شخصيات "العزب" قصصًا جديدة، لامعة، مكتنزة، تشبه لقطات صغيرة من الرواية الكبرى، منها:

"تلك رائحةٌ أخرى"

"كوب ماء للمدير"

"مدرسة عاطف السادات"

"صديقي مصطفى"

"جدار عم حبيب"
وغيرها…


فخرج من جرح الرواية نهرٌ سرديٌّ جديد، أكثر حرية، أكثر كثافة، وأكثر قدرة على التحوّل.

نقدٌ بلا منصة: الجمال المُهمَل

رغم القيمة الجمالية الواضحة للعمل، والتفرد البنائي واللغوي فيه، فإن "شارع العزب" لم تحظَ بالاحتفاء المؤسسي الذي تستحقه. وربما هذا ما يزيد من ألمها. فحين يُهمَل النصّ الجميل، ويُضيَّع الضوء عن الجواهر النادرة، يكون ذلك كاشفًا عن خلل لا يخص الرواية، بل يخصنا نحن كقراء ونقاد ومؤسسات.

ومع ذلك، لم تمر الرواية صامتة. فقد كتب عنها نقاد معتبرون، مثل:

محمد محمود الفخراني

د. محمد شحاتة

جابر بسيوني

إلى جانب بعض الأصوات العربية في المجلات المتخصصة.


ولم يكتفِ جابر بسيوني بقراءة الرواية، بل احتفى بها حيّة في الفضاء الثقافي السكندري، إذ نظّم لها عدة ندوات في قصر ثقافة الأنفوشي، ونادي شباب الأنفوشي، واتحاد كتاب مصر، مما أتاح للعمل أن يتنفس بين الناس، ويصير جزءًا من ذاكرتهم الجماعية، كما أراده الكاتب تمامًا.

عن الكاتب: بين الصمت والضوء

ليس غريبًا أن تخرج "شارع العزب" من قلم شريف محيي الدين إبراهيم، الكاتب السكندري الذي تمرّس على الإصغاء، وكتب كما يزرع فلاحٌ حقلَه: بصبر، وشغف، وإيمان داخلي. لم يطلب الأضواء، بل ركز على الجوهر.
صاحب "أحذية وكلمات"، و"طريق النخيل"، و"خارج الحدود"، و"الدهليز"، و"حانوت يوسف"، و"عدو أبي"، وغير ذلك من أعمال موزعة بين القصة، الرواية، والمسرح، لم يخطّ نصًّا إلا وترك فيه أثرًا شخصيًّا يصعب نسيانه.

ما يميّز تجربته أنه لا يكتب لينقل الواقع، بل ليحرره من ابتذاله. تراه يلامس النفس الإنسانية في أقصى درجات توترها، دون أن يعلو صوته، أو يفتعل لحظة. كتابته تتنفس بهدوء، لكنها تخترق، وتبقى.

خاتمة: جوهرة لم تُلمّع بعد

"شارع العزب" ليست رواية للعرض العابر، بل عمل يطلب قراءة مزدوجة:
مرة لتراه…
ومرة لتفهم ما رأيت.

وما أسوأ أن يُهمل مثل هذا العمل، لا لأنه ناقص، بل لأنه سابق لزمنه.
وربما، كما يحدث دومًا مع الأعمال المخلصة، ستأتي لحظته، ولو بعد حين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى