كان الزمان أواخر الألفية الثانية عندما حان الرّحيل إلى مدينة الضباب. العالم كلّه ينزع يومها نحو الرّحيل إلى ألفية أخرى. والكلّ كان يُغني للعهد الجديد هاتفا ومصفقا،فهذا يُبشّر بالتقانة والآخر يختصر الكون إلى قرية صغيرة، وثالث يأمل بالسير فوقَ قضبان الهواء ليقطع المسافات إلى المجهول هربا من الواقع. كانت الألفية الثانية تنظر بحسرة وهي ترى جنازتها بأمّ عينها فلا أحد يذكر محاسن الموتى. الشتاء الأخير في عمرها كان قاسيا مثل نهايتها وكأنّه يثأر لها من نكران أهلها وجحودهم،فلا يترك لافتة ترحب بالألفية الثّالثة إلاّ وصب عليها من بكائه دموعا تذيب كحلها وتصبغ بياضها بسواده. ولكن هيهات فالزمن لا يعود إلى الوراء، والثأر لايفيد إلّا ببذر الأحقاد وتأجيج النيران هنا وهناك. يتجوّل في مدينة الياسمين شتاء يبحث عن دفء يقيه الصقيع والبرد القارس وهو يتخلّل عظامه ويتسلّل إلى روحه المتعبة من همّ الرّحيل. يتلمّسُ الحجارة التي تطرّز جدران البيوت الدمشقية القديمة المبلّلة لتوّها بماء الشتاء في سوق ساروجة،ويشتم عروق الياسمين الملتوية بين شقوقها عطرا كأنّه من الماضي السحيق. يضع رأسه فوق رأسها فتتسرّب إلى وعيه أسرارها،يسمع زغاريد النساء وصهيل الخيل القادم من ميادين الفرح العتيق. يتألم حين يصحو متكئا إلى ما تبقى من حنين تلك العهود وأيّامها.