عبدالرحيم التدلاوي - القادمون من جنوب الصحراء، الأخطار وطرق التعامل معه

ينبغي التأكيد منذ البداية على أن هذا النقاش لا يستند إلى أي دافع عنصري أو تمييزي، بل يصدر عن شعور مسؤول بالقلق المشروع على استقرار المجتمع وسلامة أفراده. الواقع الحالي يشير إلى تصاعد مقلق في وتيرة حوادث مرتبطة ببعض المهاجرين غير النظاميين القادمين من وراء الصحراء، حيث شهدنا في الآونة الأخيرة مواجهات عنيفة مع الأجهزة الأمنية، بعضها انزلق إلى حالات استفزاز ورفض صريح للامتثال للقانون، ما يضع السلطات والمجتمع أمام تحديات متزايدة لا يمكن تجاهلها. كما لوحظت توترات في أحياء سكنية معينة نتيجة احتكاكات متكررة بين المهاجرين ومقيمين محليين، ما ينذر ببوادر احتقان اجتماعي يصعب احتواؤه ما لم يُعالج بجدية.

ما يعمّق هذه الأزمة هو النمو المطّرد لأعداد المهاجرين الوافدين عبر طرق غير شرعية، خصوصاً أولئك الذين يبدو أنهم منفيون من مجتمعاتهم الأصلية لأسباب تتعلق إما بسلوكهم أو بظروفهم الشخصية، ما يجعلهم أكثر عرضة للانخراط في أنشطة مخالفة للقانون. هذه الفئة، مهما كانت نسبتها محدودة، تسهم في ترسيخ صورة سلبية قد تطال الجميع دون تمييز، وتلقي بظلالها على محاولات الإدماج والتعايش المشترك.

اطلعت على وفيديوهات كثيرة حول خطر القاديمين من جنوب الصحراء، ومن بينها فيديو لششابين من سكان مدينة مكناس1، يفيد بتورط بعض هؤلاء الأفراد في تجارة ممنوعات خطيرة مثل ماء الحياة والبوفا وغير ذلك من المخدرات التي تضر بالشباب المكناسي بخاصة والمغربي بعامة، فضلًا عن جرائم أخرى كالسلب والاعتداءات الجنسية، وهو ما يدق ناقوس الخطر. وقد صُدم الرأي العام بحادثة شاب إفريقي قيل إنها كانت عنيفة إلى حدّ مرعب حيث تم قتله ورمي جثته في إحدى غابات مدينة فاس*، وهي حادثة لا يمكن التعامل معها كخبر عابر. صحيح أن هذه التصرفات لا تمثل كل المهاجرين، لكنها كافية لزعزعة الثقة وخلق حالة من التوجس الجماعي، خاصة في ظل غياب تواصل مؤسساتي فعال يشرح للناس ما يحدث ويضع الأمور في سياقها الصحيح.

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مقاربة عقلانية ومتعددة الأبعاد لمواجهة هذا التحدي دون السقوط في فخ التعميم أو الوقوع في خطاب إقصائي. تبدأ هذه المقاربة بتعزيز الشراكة الأمنية مع بلدان المنشأ، خاصة دول جنوب الصحراء، لضبط منافذ العبور وملاحقة شبكات التهريب التي تستغل هشاشة هؤلاء الأفراد وتحولهم إلى أدوات في مشاريع إجرامية عابرة للحدود.

في الآن نفسه، من المهم صياغة سياسات إدماج مرنة لكن حازمة، تُميز بين من يريد الالتزام والاندماج ضمن القانون وبين من يتخذ من التسيب سبيلاً للاستقواء على المجتمع المضيف. وهذا يستدعي إعادة نظر في شروط تسوية الوضع القانوني للمهاجرين، وربطها بمؤشرات السلوك والقدرة على المساهمة الإيجابية.

ولا يمكن فصل البُعد الإنساني عن هذه المقاربة. فبعض الحالات، كحالة إفريقي يعاني من اضطرابات نفسية وذي نزوع عدواني حيث يميل إلى إشعال النار في إطار السيارات مما يتسبب في تلويث هواء سكان العمارات المجاورة، تستوجب تدخلاً منسقاً بين المؤسسات الصحية والأمنية، بهدف تقديم المساعدة من جهة وضمان عدم تعريض الآخرين للخطر من جهة أخرى. ترك مثل هذه الحالات تتفاقم في الهامش هو تقصير مزدوج: في حق الشخص نفسه وفي حق المجتمع.

عنصر الشفافية والتواصل العمومي لا يقل أهمية عن الجوانب الأخرى. ينبغي على الدولة أن تكون حاضرة بخطاب واضح ومقنع، يوضح الإجراءات المتخذة ويعطي المواطنين الإحساس بأن الدولة يقظة وحريصة على أمنهم، دون الحاجة إلى الانجرار وراء خطاب الكراهية أو الانفعال الشعبي. حين يغيب التوضيح، تملأ الإشاعة والتهييج الإعلامي الفراغ، وهو ما يضعف الثقة ويهدد الاستقرار.

إن صمت المؤسسات أمام ما يعتبره المواطن شكاوى محقة ليس فقط إهمالاً، بل عامل تأزيم إضافي. المطلوب اليوم ليس جلد الآخر أو تحميله كل الأوزار، بل فهم عمق الظاهرة، وتفكيك بنيتها، والاشتغال عليها بأدوات قانونية وإنسانية في آن واحد. الطريق إلى مجتمع آمن ومتماسك لا يمر عبر التهميش أو التنميط، بل عبر سياسات ذكية، منصفة، وحازمة في الوقت ذاته.

توضيح:
1_ ظهر لي الفيديو مرة واحدة ثم اختفى.
* قد يكون الخبر غير صحيح.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى