أَوْديه ثيبينيه - غزة. مؤثرون في زمن الإبادة الجماعية*... النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود

تُعدُّ الحرب على غزة أول إبادة جماعية تُبثّ مباشرةً على شاشات هواتفنا. ورغم انقطاع الكهرباء، وصعوبة الوصول إلى الإنترنت، واستمرار المجاعة، يواصل الفلسطينيون في غزة توثيق محنتهم بلا هوادة. وقد أصبح بعضهم رموزًا يتابعها ملايين الأشخاص على الإنترنت. حيث بُني هذا الحضور الإلكتروني، وخاصةً باللغة الإنكليزية، منذ انطلاق الاحتجاجات في جميع أنحاء فلسطين التاريخية عام ٢٠٢١.

1754210858344.png
بيسان عودة (@wizard_bisan1) ومعتز عزايزة (@motaz_azaiza) وريناد (@renadfromgaza)Orient XXI


تجدر الإشارة إلى أن الحضور الإلكتروني الفلسطيني كان راسخًا بالفعل قبل عام ٢٠٢٣ بوقت طويل. ففي السنوات الأخيرة، شهد المشهد الفلسطيني على وسائل التواصل الاجتماعي تطورًا ملحوظًا. وقد بدأت حسابات التواصل الاجتماعي هذه تكتسب حضورًا عالميًا واستقطاباً رقميًا أكبر، بفضل حسابات الشباب الفلسطينيين الذين يتقنون الإنكليزية ويستطيعون إطلاق حملات باستخدام هاشتاغات واسعة الانتشار.

هذا هو الحال مع: أنقذوا_الشيخ_جراح في عام 2021، ولا سيما بفضل التوأم الكرد jumeaux El Kurd
( منى @muna.elkurd15 ومحمد @mohammedelkurd، مع 1.5 مليون ومليون متابع على التوالي) . أُنشئ هذا الهاشتاج في إشارة إلى حي الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة، الذي يواجه خطر الإخلاء الجماعي لصالح المستوطنين اليهود. حتى الآن، استُخدم هذا الهاشتاج أكثر من مليون مرة باللغة الإنكليزية على إنستغرام بأشكاله المختلفة وأكثر من 970,000 مرة باللغة العربية.
وبالمثل، حظيت الانتفاضة الفلسطينية واسعة النطاق التي اندلعت في أيار 2021 بدعاية واسعة النطاق على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى مجموعات واتساب وتيليغرام، على سبيل المثال، مع الدعوة إلى إضراب عام في 18 أيار خلال القصف الإسرائيلي على غزة، تحت هاشتاجات مثل غزة_تحت_الهجوم أو ضربة_الكرامة. ساعد هذا على ربط الفلسطينيين (المشتتين في مناطق جغرافية مختلفة، والمعزولين بنقاط التفتيش والجدار العازل وحصار غزة)، وحشد الفلسطينيين في إسرائيل (الذين انضموا إلى هذه الانتفاضة لأول مرة منذ عام ١٩٤٨)، بل وفوق ذلك، الوصول إلى جمهور أجنبي أصبح أكثر وعيًا بالقضية الفلسطينية.


إتقان الرموز واللغة الإنكليزية
لا شك أن هذا الحضور الإلكتروني ساهم في إحداث تحول في النظرة العالمية للفلسطينيين. لم يعد يُنظر إليهم فقط من خلال الصور البعيدة لوسائل الإعلام التقليدية. بل أصبح يُنظر إليهم الآن كمؤثرين شباب قادرين على التحدث علنًا، ومخاطبة جمهور دولي، وبناء قاعدة جماهيرية، والتأثير، والمشاركة في لعبة وسائل التواصل الاجتماعي، والأهم من ذلك، أن يكونوا موضع تعاطف الناس. ربما لعب هذا دورًا في تحويل الرأي العام الدولي لصالح القضية الفلسطينية، لا سيما بين ما يُسمى بالشباب الناهض في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، وبشكل عام في الجامعات الغربية.
يتميز مؤثرو غزة بإتقانهم للرموز واللغة السائدة في وسائل التواصل الاجتماعي. لم يسبق لمعظمهم السفر أو الدراسة في الخارج بسبب الحصار المفروض على القطاع منذ عام ٢٠٠٧ (على عكس مؤثر مقدسي مثل محمد الكرد، الذي درس في الولايات المتحدة). وقد اكتسب صحفيون صغار السن اهتمامًا وأصبحوا شخصيات عامة مشهورة بفضل حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل معتز عزايزه( @motaz_azaiza، ١٦.٩ مليون متابع)، وبيسان عودة (@wizard_bisan1، ٤.٨ مليون متابع)، وبلستيا العقاد (@plestia.alaqad، ٤.٢ مليون متابع)، وغيرهم الكثير.
معتز عزايزه يبلغ من العمر ٢٦ عامًا فقط، لكن لديه بعض الشيب ويتمتع بنضج شاب في الثلاثين من عمره. كان شغوفًا بالتصوير الفوتوغرافي، وقد اكتسب عددًا قليلًا من المتابعين على إنستغرام قبل الحرب المستمرة من خلال نشر صور شخصية، وغروب الشمس، ومشاهد شاطئية في غزة. كان يحلم بالسفر، وخاصةً زيارة بقية فلسطين، ولكن، كما يقول، سافرت صوره أكثر منه. أصبح مصورًا صحفيًا في أيار 2021 عندما قصفت إسرائيل غزة لمدة 11 يومًا. ولكن بعد 7 تشرين الأول 2023، قفز عدد متابعي حسابه من 25 ألفًا إلى مليون في عشرة أيام فقط، ثم إلى 9 ملايين بنهاية تشرين الأول 2023. ثم بلغ ذروته عند 17.4 مليونًا (قبل أن يتراجع إلى 16.9 مليونًا)، مما جعله من أكثر الصحفيين متابعةً على منصات التواصل الاجتماعي عالميًا.


1754210920209.png
الصحفي والمصور الصحفي معتز عزايزة (@motaz_azaiza). صنفت مجلة تايم إحدى صوره ضمن أفضل عشر صور لعام ٢٠٢٣. كما اختارته المجلة نفسها عام ٢٠٢٤ ضمن قائمة أكثر ١٠٠ شخصية تأثيرًا في العالم.

استطاع بناء تواصل مباشر وشخصي مع الجمهور من خلال حسابه على إنستغرام، مخاطبًا إياهم مباشرةً باللغتين الإنجليزية والعربية. لم يقتصر عمله الصحفي على عرضه، بل سلط الضوء أيضًا على الإنسان خلف الكاميرا، ملتقطًا عنف القصف، ومزاجه العفوي، وأصدقاءه الذين فقدهم، وبعض لحظات الفرح النادرة، وصولًا إلى رحيله من غزة مطلع عام ٢٠٢٤. وقد غطّى حسابه الحرب بأسلوب حيوي، وهذا ما ينجح على منصات التواصل الاجتماعي، حتى وإن كان مظهر صهره المثالي قد لعب دورًا أيضًا. صنفت مجلة تايم إحدى صوره ضمن أفضل عشر صور لعام ٢٠٢٣، ونظرًا لشهرته على الإنترنت، اختارته المجلة نفسها من بين أكثر ١٠٠ شخصية تأثيرًا في العالم لعام ٢٠٢٤.
"مرحبًا بالجميع، أنا بيسان من غزة، وما زلت على قيد الحياة".
صُنفت زميلتها، بيسان عودة، ٢٧ عامًا، من بين أكثر ٢٥ امرأة تأثيرًا لعام ٢٠٢٤ من قِبل صحيفة فاينانشال تايمز (إلى جانب تايلور سويفت وكامالا هاريس). حصلت على العديد من جوائز الصحافة وحقوق الإنسان، بما في ذلك جائزة إيمي عن سلسلتها الوثائقية "بيسان من غزة، وما زلت على قيد الحياة" على قناة الجزيرة، على الرغم من حملات الضغط التي طعنت في ترشيحها. متابعوها على إنستغرام، والبالغ عددهم ٤.٨ مليون، على دراية بفيديوها الافتتاحي، "مرحبًا بالجميع، أنا بيسان من غزة، وما زلت على قيد الحياة". إنها طريقة للتأكيد على أنه ليس من المُسلّم به أن تكون على قيد الحياة وأنت في قطاع غزة تحت القصف، بل وأقل من ذلك بكثير عندما تكون صحفيًا. وبالفعل، ننتظر فيديوهاتها لنتأكد من أنها لا تزال على قيد الحياة، وهو ما لم يعد ينطبق على جميع مستخدمي إنستغرام المذكورين هنا.

1754210981763.png
الصحفية بيسان عودة (@wizard_bisan1). حازت على جائزة إيمي عن سلسلتها الوثائقية "بيسان من غزة، وما زلت على قيد الحياة" على قناة الجزيرة.

وتحافظ بيسان على نهجها الصحفي، فتنقل المعلومات التي تجمعها عن الوضع في مختلف أنحاء القطاع، وتوثّق ما يحدث في أماكن اللجوء التي لجأت إليها، مثل مستشفى الشفاء في بداية الحرب، أو في رفح، أو في منطقة المواصي. لكنها لا تتردد أيضًا في مشاركة لحظات يأسها، وتنقلاتها من ملجأ إلى آخر، وأمراضها الجلدية المرتبطة بسوء النظافة، ولقاءاتها مع الأطفال، وفرحتها بقضم جزرة بعد حرمانها منها لأشهر في غزة...
لا تزال بيسان "راوية قصص conteuse "، وهو اسم برنامجها المصور "حكواتي" الذي أنتجته قبل الحرب مع قناة رؤيا فلسطين التلفزيونية. في الواقع، مع كل منشور، نستمع إلى ما تقوله بيسان. معظم منشوراتها عبارة عن فيديوهات خام، أمام الكاميرا، لكنها موجهة مباشرة إلى العالم الخارجي. وجهها، وملامحها المرسومة، وكلماتها الصريحة، مصدر معلومات قيّم لكل من يرغب في متابعة معاناة أهل غزة والشهادة على ظروفهم المعيشية، وصحتهم النفسية، وقدرتهم على البقاء.

ما لم يُعرض في غروزني أو غيتو وارسو
إلى جانب الصحفيين، هناك مجموعة واسعة من منشئي المحتوى الذين لا ينتمون إلى عالم الإعلام، لكنهم يتبنون قواعد المؤثرين من جميع أنحاء العالم. الفرق هو أن سياقهم، في حالتهم، هو سياق الحرب. إنهم يُظهرون الحياة في غزة المدمرة تمامًا وواقع الحرب بطريقة لم يسبق لها مثيل. وكأن هناك مُستخدمي إنستغرام في غيتو وارسو أو في غروزني أثناء تدميرها، يُظهرون مباشرةً كل جانب من جوانب البقاء.
ومن المثير للدهشة أن هناك حاليًا "مؤثرين" في غزة متخصصين في الطبخ، واللياقة البدنية، والبستنة، وأسلوب الحياة، ومواضيع أخرى. بالطبع، لا يستطيعون التدوين كما في أي مكان آخر في العالم، لكن كل واحد منهم يقدم منظورًا مباشرًا وقيّمًا لما يحدث في غزة، بكل ما فيها من صعوبات يومية، ودمار، وجوانب لا تُطاق، بالإضافة إلى لحظات صغيرة من السعادة ولمسات من الفكاهة. غالبًا ما يرافق أزيز طائرات المراقبة الإسرائيلية المسيرة فيديوهاتهم القصيرة. هذا واقع لا مفر منه في قطاع غزة، حتى قبل 7 تشرين الأول 2023. كما يستخدمون جميع حيل وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك نشر المحتوى نفسه مرارًا وتكرارًا على حسابات متعددة، لزيادة انتشارهم وظهورهم.
على سبيل المثال، حمادة شقورة( @hamadashoo، 582 ألف متابع)، وهو مدوّن طعام قبل الحرب، يعمل الآن خلف مواقد مطبخ خيري يُسمى "إغاثة البطيخ"، يوزع الطعام على الأطفال. يُظهر لنا بالتفصيل كيف يُحضّر، تحت سقيفة من الصفيح وفي أوانٍ ضخمة، كميات كبيرة من بودنغ الأرز والهامبرغر وغيرها من الأطباق الشهية التي يحبها الأطفال.
وطوال وصفته، بدلًا من أن يراقب ما يفعله عند صبّ أحد المكونات أو تقليبه، يُحدّق في الكاميرا بنظرة ثاقبة. يُمعن النظر فينا، نحن المشاهدين، بعمق. هذا أسلوبٌ يتبعه بعض منشئي المحتوى الذين يُنمّون قدرًا من الاستفزاز والانطواء. لكن في حالته، يبدو أنه يُواجهنا بمسئولياتنا في كل ثانية من فيديوه: "هذا ما أنا مُلزم بفعله، وتحت أي شروط".

1754211057262.png
حمادة شقورة (@hamadashoo) مدون طعام قبل الحرب، وهو الآن خلف مواقد مطبخ الحساء المسمى Watermelon Relief،" أي : راحة البطيخ. المترجم " الذي يوزع الطعام على الأطفال

في الواقع، لا يُمكنك أن تُشيح بنظرك، فمن المُثير للاهتمام أن ترى كيف يُبدع معجزات صغيرة، أطباقًا وحلويات يُحبها الأطفال وتبدو شهية حقًا. وكل هذا ليس بمكونات مُكررة، بل بمنتجات عشوائية الجودة، مثل علب طعام ضخمة ورخيصة من المعونة الغذائية. والجزء الأروع: توزيعها في النهاية على الأطفال الذين يتدافعون، ويستمتعون بفرحتهم، ولا يترددون في قول إنها لذيذة أمام الكاميرا. نحن هنا من أجل تلك الابتسامات القليلة في خضم الكارثة.

1754211111007.png
ريناد (@renadfromgaza) تبلغ من العمر ١١ عامًا. على مدار العام الماضي، نشرت حوالي ستين وصفة متنوعة، دائمًا على الطريقة الغزاوية. تُصوَّر الفيديوهات وتُترجم إلى الإنجليزية بمساعدة أختها الكبرى (@dr.nourhanattallah).


وصفات للبهجة، للنجاة
تُطهي ريناد الصغيرة اللطيفة (@renadfromgaza) أمام موقد صغير خلف خيمة العائلة. إنها لعبتها المُفضلة، مطبخ اللعب "الحقيقي"، ووسيلة هروبها من حياة يومية مُضطربة. تبلغ من العمر 11 عامًا ولديها 1.2 مليون مُشترك. على مدار العام الماضي، نشرت حوالي ستين وصفة مُتنوعة، دائمًا "على طريقة غزة". صُوّرت الفيديوهات وترجمت إلى الإنجليزية بمساعدة أختها الكبرى (@dr.nourhanattallah)، التي تُولي اهتمامًا كبيرًا بالحفاظ على صحة أختها الصغرى النفسية.
والأجمل أنها تُثير اهتمامنا بوصفات غزة المميزة (مع الفلفل الحار المُرافق لها) التي يُمكننا تحضيرها في المنزل. لكننا مفتونون بشكل خاص بالطريقة التي يُحضّر بها الغزيون هذه الأطباق، ويحافظون على تراثهم الطهوي باستخدام منتجات محدودة للغاية بسبب القيود المفروضة على دخول الطعام ونقص المنتجات الطازجة، وكلها تُطهى بطريقة بدائية خلف خيمة...
ريناد، كأحد محترفي وسائل التواصل الاجتماعي، تُضيف إلى جميع فيديوهاتها حيلًا مميزة أصبحت سمته المميزة: "يلا نبلش" (هيا بنا نبدأ allez on commence) وفي النهاية، "والله تجنن wallah tejaaaanen" (أقسم أنها رائعة). ونحن نتطلع إلى ذلك لأننا، في نهاية المطاف، نشارك، إلى جانب الوصفة، حماسة طفلة فطرية ومبهجة تُجسّد دور مؤثرة في عالم الطبخ، وقد نجحت في خلق ملاذها الخاص.
على صعيدٍ مختلف، عادت بسمة أبو شهلة( @basma_shahla، 635 ألف متابع)، مصممة أزياء من غزة قبل الحرب، للعيش في منزلها المدمر جزئيًا في نيسان 2024. ثم بدأت بنشر مقاطع فيديو عن نمط الحياة والراحة "2"، تماشيًا مع التوجه السائد على وسائل التواصل الاجتماعي، والذي يعرض صورًا جميلة لمعجنات منزلية الصنع ووجبات خفيفة شهية. لكن في حالتها، الخلفية ليست حديقة مبهجة أو ديكورًا عصريًا دافئًا، بل حقلًا من الآثار.

1754211168973.png
تنشر بسمة أبو شهلا (@basma_shahla) فيديوهات عن نمط الحياة والراحة، تماشيًا مع التوجه السائد على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يعرض صورًا جميلة لمعجنات منزلية الصنع ووجبات خفيفة شهية. ولكن في حالتها، الخلفية هي حقل من الآثار.

تتناقض جودة مشاهدها الصغيرة الدقيقة والناعمة والجمالية مع الديكور المحيط، مما يخلق جمالية فريدة غير متجانسة لكنها قوية للغاية. في 17 تشرين الأول 2024، نشرت مقطع فيديو مفجعًا، بأسلوبها المعتاد في الطبخ، ولكن جميع الأواني والمقالي كانت فارغة لأن المساعدات الإنسانية لم تصل منذ عدة أسابيع وكان شمال غزة يعاني من مجاعة حادة. تمامًا كما حدث في الأسابيع الأخيرة.

اصنعها بنفسك والبستنة، رغم كل الصعاب
في فئة المؤثرين في "اصنعها بنفسك والبستنة"، نجد إبراهيم أبو كرش (@ibrahimkarsh)، الذي لا يتابعه سوى 40.2 ألف شخص، ولكنه يُظهر حيلًا مذهلة يُطلق عليها "حيل التخييم". منذ بداية الحرب، رأينا سكان غزة يبنون أفرانًا تعمل بالحطب من التراب الجاف أو مواقد مرتجلة من علب الصفيح في ظل انقطاع الكهرباء والغاز، لكن إبراهيم يرتقي بفن إعادة التدوير إلى مستوى جديد من البراعة. إن مشاهدته وهو يجمع الطين من الأرض ويستخرج ماءً شبه نقي باستخدام فلاتر بدائية أمرٌ مُذهل. يستخدم القطن والشاش الماص، الذي يحتفظ بالماء قبل تمريره قطرةً قطرةً، وهو أنظف قليلًا، من مرطبان إلى آخر. في مقاطع فيديو أخرى، يبني مدفأة صغيرة من علب صفيح فارغة، ويستعيد الملح من مياه البحر، أو حتى يصنع شمعة طاردة للبعوض. فيديوهاته خالية من الكلمات، ولكن لا داعي لها؛ تعتبر مشاريع DIY (اصنعها بنفسك، أو DIY، أو الحرف اليدوية للهواة) بسيطة وفعالة.

1754211227157.png
إبراهيم أبو كرش (@ibrahimkarsh) هو مؤثر في الأعمال اليدوية والحرفية

تمامًا مثل مؤثري "الطبخ"، يوجد مؤثر اللياقة البدنية في غزة. محمد حاتم، أحد سكان غزة، من حساب @gym_rat_in_gaza (221 ألف متابع)، هو أحد نشطاء "تيبو إن شيب" المحليين "3". يمكنه تعليمك كيفية ممارسة تمارين القوة في أي مكان، باستخدام إطار باب، أو وعاء ماء، أو أسطوانة غاز. دوافعه الثابتة، وروتينه المثالي، ومزاجه المستقر دائمًا، هي أفضل طريقة لجعلك تشعر بالذنب لعدم لياقتك البدنية في بيئتك المميزة، ولقلة ممارستك للرياضة.

1754211284770.png
محمد حاتم (@gym_rat_in_gaza) مؤثر في مجال اللياقة البدنية. يُعلّم كيفية ممارسة تمارين القوة في أي مكان، باستخدام إطار باب، أو وعاء ماء، أو أسطوانة غاز. تُظهر الصورة جرافيتيًا تركه جندي إسرائيلي في منزله المحتل: "أليس لوم"، اسم نادي مارسيليا لكرة القدم.


عنصرٌ مُقلق: في غرفةٍ بمنزله شبه المُدمّر، حيث يُقدّم تمارينه بين كرسيّين، كُتبت نجمة داوود وكتاباتٌ أخرى، منها كلمة انتقام " revanche " بالعبرية، وانطلق يا أوم " Allez l’OM" بالفرنسية. احتلّ عناصر من جيش الاحتلال منزله لفترةٍ قبل أن ينسحبوا منه مطلع عام ٢٠٢٥.
في قسم البستنة، بدأ أحمد، وهو طفلٌ آخر من مُحبّي وسائل التواصل الاجتماعي، يُجيدُ التحدّثَ براحةٍ أمام الكاميرات، بالظهور على حساب والده عايد أبو سويلم على إنستغرام (@tasnemaaed، مليون مُتابع)، وزرع حديقةً صغيرةً في أبريل ٢٠٢٤. يُزرع الذرة والبصل بجوار خيمته في رفح. لم يُقصّر في نقل نباتاته خلال نزوح عائلته القسري. ويقوم بالعديد من الأشياء الأخرى على حسابه: يطلب بشكل رئيسي التبرعات عبر Paypal أو Gofundme، مثل العديد من سكان غزة الآخرين عبر الإنترنت، ويعرض حياته اليومية، وأفراحه، وكذلك اللحظات المظلمة مثل عندما أصيبت والدته وأخواته بشظايا أثناء قصف بالقرب من خيمتهم في ديسمبر 2024.

1754211348433.png
أحمد، 8 سنوات، بدأ الظهور على حساب والده عايد أبو سويلم على إنستغرام (@tasnemaaed، مليون متابع) وهو يزرع حديقة صغيرة في أبريل 2024. في الصورة، يظهر مع قطته سيمبا

لكن فيديوهاته عن البستنة هي ما أكسبه شهرة واسعة، حتى أن AJ+ خصصت له مقالاً. في فيديوهاته، غالبًا ما يحمل قطة بين ذراعيه، في إشارة واضحة إلى تعاطفه مع القطط، نظرًا لشعبيتها الكبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. ماتت قطته الأولى، سوزي، بسبب التهاب الكبد الوبائي، مما أثر عليه بشدة. الآن، هو دائمًا مع من لا يفارقه أبدًا، قط أسود جميل اسمه سيمبا، وجده شقيقه جروًا صغيرًا تحت الأنقاض. أنشأ والد أحمد مؤخرًا حسابًا مخصصًا لهما: @ahmed_and_simba.
لم يتمكن من إكمال تحديه، وظلت "مزرعته الصغيرة"، كما أسماها، يتيمة منذ مقتله في 26 آب 2024، عن عمر يناهز 19 عامًا.
ومن بين هواة البستنة الآخرين على مواقع التواصل الاجتماعي ميدو (@medo_halimy، 118 ألف متابع)، وهو شاب محبب يعشق السباحة والاستمتاع بغروب الشمس هربًا من روتين حياته اليومية. كان يشعر
بالملل من حياة اللجوء في الخيمة، وخطر بباله أن يزرع كل يوم حتى نهاية الحرب. لم يكن هذا البستاني الهاوي يعرف شيئًا عن البستنة. تعلم أساسياتها تدريجيًا من نصائح وتعليقات مستخدمي الإنترنت. في الوقت نفسه، كان يشاركنا تفاصيل حياته اليومية في الخيمة، مُجيبًا بانتظام على أسئلة المشتركين حول سبل العيش في غزة: كيف يحصل على الماء أو كيف يحصل على الإنترنت. لم يتمكن من إكمال تحديه، وظلت "مزرعته الصغيرة"، كما أسماها، يتيمة منذ أن قُتل في 26 آب 2024 عن عمر يناهز 19 عامًا بشظايا غارة إسرائيلية استهدفت خان يونس.

1754211401190.png
كان ميدو (@medo_halimy) بستانيًا هاويًا يبلغ من العمر 19 عامًا. قُتل على يد الجيش الإسرائيلي في 26 آب 2024.


عالمٌ من الإبداع
كان ميدو قريبًا من الثنائي عمر ومحمد من حساب @omarherzshow، الذي يضم مليون ونصف متابع. هما صديقان بالكاد بدآ دراستهما الجامعية في أيلول 2023 عندما انقطعت دراستهما فجأةً بعد أسبوع، في 7 أكتوبر. اسم حسابهما على إنستغرام يتضمن كلمة "عرض"، وهو بالفعل "عرض" رائع: فيديوهات سريعة وممتعة مع موسيقى عصرية ومونتاج. يعرض هذان الصديقان الشابان حياتهما على منصات التواصل الاجتماعي، ويُنشئان مدونات فيديو كغيرهما من المدونين، ويتحدثان الإنكليزية الأمريكية، ويتبنيان قواعد المؤثرين في مجال الأعمال وأسلوب الحياة. إلا أن حياتهما بعيدة كل البعد عن المعتاد.
بدأا مشروعًا صغيراً: بيع نسخ رقمية من التطبيقات وألعاب الفيديو والرسوم المتحركة والمسلسلات التلفزيونية، التي كانا يخزنانها على أقراصهما الصلبة، للزبائن الذين يمرون بمقهى مقابل بضع عشرات من الشواقل. كان هذا مشروعًا مؤقتًا في عالمٍ أصبحت فيه الكهرباء والإنترنت والترفيه نادرة. إن رغبتهم في إيجاد الفرح في أسوأ الظروف وتوثيقهم المبهج لحياتهم اليومية، من دون الإشارة دائمًا إلى أهوال الحرب، ضمنت لهم هدفًا خاصًا للتعليقات المؤيدة لإسرائيل.

1754211461476.png
عمر ومحمد (@omarherzshow) صديقان شابان يعرضان حياتهما على منصات التواصل الاجتماعي وينشران مقاطع فيديو. يتحدثان الإنكليزية الأمريكية، ويتبعان قواعد المؤثرين في عالم الأعمال وأسلوب الحياة. إلا أن حياتهما ليست طبيعية على الإطلاق.

إنما غالبًا ما يكون مجتمع مشتركيهم هو من يستجيب بشكل منهجي، أو منطقي، أو ساخر. على سبيل المثال، أثار الفيديو من اليوم الثاني والخمسين، حيث خطرت لهم فكرة صنع شوكولاتة ساخنة على الشاطئ، تعليقات (حُذف معظمها لاحقًا) تنكر وجود مجاعة في غزة، نظرًا لازدحام السوق الذي كانوا يزورونه، وتمتعهم بـ"رفاهية" تناول الشوكولاتة. واستجاب مشتركوهم بغزارة، متذكرين إحصائيات الإبادة الجماعية المستمرة، ومجادلين بأن مشاركة كيس صغير من مسحوق الشوكولاتة وتسخين الحليب بحرق الخشب في علبة معدنية قديمة ليس رفاهية على الإطلاق. هذا يؤلمهم بلا شك، لأن العديد من فيديوهاتهم سعت إلى تبرير ما لم يُعرض مباشرةً في روتينهم اليومي: الموت والدمار وصعوبة إيجاد سكن مؤقت أو حتى جلب الماء.
ثم إنهم لا يصنعون الفيديوهات دائمًا. يختفون لعدة أشهر، مما يعني عادةً أنهم لا يملكون القدرة على التدوين بالفيديو؛ كما حدث أثناء النزوح القسري من "ملاذ آمن" إلى آخر، أو حتى بعد وفاة ميدو. وهذا هو الحال مرة أخرى منذ شباط 2025، ونحن، خلف شاشاتنا الصغيرة، لا نستطيع أن نفعل شيئًا سوى أن نأمل أن يكونوا آمنين وسالمين.

مصادر وإشارات
١- ملاحظة المحرر: ألوان البطيخ (الأحمر، الأخضر، الأبيض، والأسود) تُذكّر بالعلم الفلسطيني. مع حظر رفع العلم، استخدم الفلسطينيون البطيخ كوسيلة خفية للتعبير عن هويتهم الوطنية ومقاومتهم. ويُستخدم البطيخ رمزًا للتضامن مع فلسطين حول العالم.
٢- ملاحظة المحرر: يُقصد بالعزلة البقاء في المنزل في بيئة دافئة وآمنة، للاسترخاء أو الهروب من الضغوط الخارجية.
٣- مؤثرة لياقة بدنية فرنسية، وهي أكثر من يتابعها على يوتيوب باللغة الفرنسية، بأكثر من ٢٦ مليون مشترك.
Aude Thepenier : Gaza. Influenceurs par temps de génocide
mardi 10 juin 2025
أوديه ثيبينيه
ملحق ثقافي، نائب مدير سابق للمعهد الفرنسي في القدس - شاتوبريان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى