كتاب كامل أ. د. بشرى البستاني - يا قمر المنفى... (رواية قصيرة جدا)...

(1)
لم تكن لترد على هاتفه لولا انه ألح ..
وهو لا يلح إلا لو كان في الأمر خطورة..
تركت الجهاز الذي تراجع فيه أخر دراسة لها وراحت تجيب.
كان متعجلا هذه المرة . انتبهوا ، المدينة ستسقط ، سأكون عندكم بعد ساعة.
لم يقلها من قبل .
كان يخبرها من سنوات بعد الاحتلال الامريكي أن الجانب الأيمن من دجلة حيث الموصل العربية القديمة ، وحيث يتربع بيتهم على مرتفع يطل على النهر قد سقط بيد المسلحين .
تسأله ، ما معنى سقط ، يقول وهو يضحك من ثقافتتها، يعني داهم المسلحون كل المراكز والسيطرات وقتلوا بعض من فيها من الأبرياء واستولوا على أسلحتهم وهرب الباقون، وبقيت المدينة بلا جيش ولا شرطة .
تسأله أليسوا أفراداً معدودين ، أو عصابة محدودة ، يجيب ، نعم .
تقول : لماذا يصمت الجيش وكيف يهرب بأسلحته أمامهم إذن ؟
يجيب ، هو جيش من ورق لا يعرف كيف يستعمل سلاحه. أمريكا باعتهم سلاحاً بمليارات الدولارات لكنها لم تدربهم عليه تحضيرا لمثل هذا اليوم، أو على الأصح ياشقيقتي انها هي التي أرسلت هؤلاء إلينا .
تسأله ، وكيف تسير الأمورالآن ..؟
يجيب : هم استلموها ،
- من هم ..؟
- شرحتُ لك ألف مرة وأنت منهمكة بالدراسات والطلبة لا تصغين للجواب ، تمسك جبينها بألمٍ من عذابات شعبها ومن تمزقه ، ومن تكالب الطامعين به وتعفو شقيقها من الجواب .
أقفلت الهاتف وجملة " المدينة ستسقط " أوجعتها ، بينما المدفعية الرابضة في معسكر الفرقة الثانية القريبة من بيتهم والتي كانت تسمى "منشأة الكندي" بدأت تطلق قذائفها.
أمسكت جبينها بكفيها ، منشأة الكندي كانت قبل احتلال أمريكا للعراق منشأة بحثية ، ذات أهداف علمية ، ولذلك كانت مطالبةُ جامعة الموصل بضمها لمراكزها البحثية دائمة ، فهي تضم العديد من العلماء والباحثين والأكاديميين التابعين للجامعة، وتبحث في أمور علمية لا تمت لأسلحة الدمار الشامل ولا الحروب بصلة ، أمريكا ضربتها بالصواريخ مئات المرات بحجة كونها منشأة لصنع أسلحة الدمار التي اخترعوها ،تلك الأكذوبة التي دمرت دولة وشردت شعبا بملايينه، وحطمت مجتمعاً عمره آلاف السنين. علما أن تلك المنشأة قائمة وسط أحياء سكنية كثيفة ومستشففيات وجامعات ومتاحف لا تمت للأسلحة بأي صلة.
بدأت المدفعية تضرب وبدأ البيت يهتز، تذكرت أياما ولياليَ لا تريد أن تتذكرها. تذكرت الحرب مع ايران، الطائرات تضرب عشوائياً على الاحياء السكنية والمدارس والمعامل، أولاد عمتها المتفوقون كانوا صِبية في الدراسة المتوسطة والأعدادية، أصيبوا إصابات خطيرة برؤوسهم، لكن طائرة تركية نقلتهم لمستشفيات اسطنبول حيث أجريت لهم عمليات جراحية في الرأس أنقذتهم وهم الآن أطباء متخصصون.انتهت الحرب بين الطرفين عائدين لنقطة الصفر، انتهت بعد آلاف الشهداء والقتلى والجرحى والمفقودين والأسرى و الضحايا،
لماذا هذا التخريب وقتلُ الإنسان إلهي، ولماذا سلبُهُ الأمنَ في بيته ووطنه، والجيش المدرّبُ الجسور تُرك وحيدا ليحارب ثلاثا وثلاثين دولة بأحدث العُدد والمعدات والخبرات تقودهم أمريكا ، ثلاثا وثلاثين دولة في مقدمتهم دول العرب. مؤامرة عالمية كانت تحاك ضد أبرياء شعب العراق لقتله وتشريده، ونسف فسيفساء شعبه العارمة بجمال مجد الإنسانية وهو يتلألأ وسط خارطة الكون..
وطنكِ هو الماسةُ المتلألئةُ وسط بهاء الدنيا، بأنهاره وينابيعه وشلالات حبه،
بغابات نخله ورمان هواهُ وآبار نفطه العارم بكرم المحبة..
لماذا إذن تبكين..!
ألم يمتْ حبيبكِ في الجبهة هو الآخر..
آهِ، مات مرابطاً على الحصون، أيوجدُ حصونٌ بيننا وبين إسرائيل، قال والدي هي أرضٌ واحدة ، ولكنهم يقفون كالسكاكين في مكان ما ..
دثروني ..قالت لهم يوم احتلت بغداد، دثروني
بوجع الملايين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء مطرودين من جنة بيوتهم دونما ذنب ، وملاحقين من مرابع الرافدين وياسمين الشام وبركات اليمن إلى حيث الأرضُ تُطلع عشبَ الأسئلة، والسماءُ لا تكفُّ عن النحيب في عصر بعد ما بعد الحداثة..
نفد الغاز والنفط السائل من البيوت ، انقطعت الطاقة الكهربائية كليا ، فقد قررت أمريكا ومعها الحكام العرب تحطيم البنى التحتية العراقية ليسلم الكيان الصهيوني وتسلم الانظمة العربية العميلة..
حُشر الأبرياءُ في حفرة تُدعى الخسفة جنوب الموصل، تلك الأرض المنخفضة التي اختيرت لتغييب وإعدام ما يقرب من تسعين الف شخصٍ رجالا ونساء وأطفالاً، أبرياء بعضهم لا يعرف أبجديات السياسة ولكنهم دفنوا هناك أحياءً، وما زال الآلاف مفقودين حتى اليوم تعيش أسرهم هواجس العذابِ وهم يبحثون عن الأبناء والأزواج والأخوة، فلا يجدون ما يطمئنهم أو يرسو بهم على بر.
(2)
الطائفية تشتعل وتشعل معها شباب وكفاءات العراق، جثث الشباب تُرمى على أبواب الأبرياء الثكلى .. ويُعاقبُ من يُطالَبُ بتوضيح الأسباب ..
نفد الغاز والنفط السائل وانقطع الكهرباء، فبدأ الناس يقطعون أشجار الغابات الممتدة على ضفة دجلة ؛ ليشعلوا النيران للخبز والطهي وبعض التدفئة..
كانت لا تستطيع حبس دموعها وهي تكتشف كل يوم منطقة جديدة قد خلت من الشجر في تلك الغابات الشاسعة المعمرة والكثيفة الخضرة ،إنها ليست حربا ضد البشر حسب، لكنها حربٌ ضد الطبيعة وضدّ جمالها وخضرتها، طبيعة العراق منجم جمالٍ وفتنة مبهرة، يوم دعتني صديقاتي البصراويات لزيارة أبي الخصيب ما إن وجدت نفسي وسط تلك الجنة العارمة بالجمال حتى انفجرت باكية، الشجر طبقات، طبقة النخيل هي الأعلى ثم طبقة الحمضيات ، كانت عناقيد البرتقال تتدلى بلونها الذهبي الفاتن تباهي ذهب أشعة الشمس المتدلية على السعف، والطبقة الثالثة تمتد على سطح الأرض ألواناً من الخضر الفاتنة حمرة الطمامة، الباذنجان البنفسجي اللامع يزهو بجمال ملمسه الغريب، الشجر الأصفر الزاهي وحوله الكراث والنعناع والرشاد والبقدونس فلماذا يريدون تخريب كل هذه الروعة إلهي.. إنه تخريبٌ لأرض السواد، أمّ القوانين منجبةِ حمورابي، بلادِ الرافدين، حاضنة الحضارات الإنسانية من آلاف الأعوام.. آشور وسومر، والمسلات..
كانت صديقتها تلومها على سرعة بكائها، وصمتها عن السبب..
صديقتها واقعية لا تقف عند ما وراء الظواهر ، تقول لها بغضب أنت أحوج ما تكونين لعينيك، فلا تنفقيهما فيما لا يُجدي، تجيب مختنقة بلوعتها، إنهم يُجبرون ملايين شعبي على اقتلاع جذورهم بأيديهم، يدفعونهم لاحتراب دموي ليقتل بعضهم بعضا، تكف صديقتها عن تأنيبها وتمسح دمعتين.
تذكرتْ ما سبق ذلك وما أعقبه ، حصار دولي على كل شيء..
حصار لم يشهد له التاريخ مثيلا.. أن يُعذب شعبٌ كاملٌ بجرائر الحكام ويُعاقب بملايينه الأبرياء على ما لم يقترفوا.
حصارٌ اقتصادي ، حصار طبي ، حصار غذائي ،حصار ثقافي، أكلنا الخبز المعجون بقليل من القمح والكثير من الشعير وقشور عباد الشمس والذرة وشيئا غير قليل من التراب... من يصدق.!
كانت تحلم أنها ستستيقظ يوما على صرخات نصف مليار عربي وأكثر من مليار مسلم ومليارات من البشر المنصفين يثورون من المحيط للخليج وفي كل ارجاء الدنيا من اجل أطفال العراق وشيوخه وشعبه المعاقب، من أجل المرضى الذين لا يجدون دواء لأمراضهم المعضلة، فالدواء كان مشمولاً بالمنع كذلك ،والأطفال الذين صاروا يولدون مشوهين معاقين من أثر الغازات السامة والانفجارات الملوثة والأسلحة الفتاكة التي ضُرب بها العراق.
قال لها عبيدة وهو على دراجته المزدانة بالورد والألعاب المختلفة: خالتي ، أنا اليوم سأشتري لكم الخبز فالفرن الذي على رصيفنا هو الذي سيخبز عصراً ،انكبت على رأسه وضمته لصدرها وقبلت جبينه، قائلة ومن سيشتري لي خبزاً غيرك أيها الجميل، عبيدة في الحادية عشرة من عمره الآن، ولد بلا قدم يمنى، ولا أصابع تامة في كفه اليسرى، هربت أمه الصبيةُ من البيت حين علمت بحقيقة كارثة مولودها الأول وأصيبت باكتئاب حاد حال بينها وبين استمرار حياتها العائلية فقد هربت لبيت أهلها حالما عرفت مصيبة طفلها الوليد الأول ،لكنها حين رأته يوما بعد خمس سنوات وهو يزورها مع والده انفجرت باكية وضمته لصدرها وقالت للوالد إنها ستعود معهما..
عبيدة اليوم صبي حركي متفوق بدراسته، معافى من أي تعقيد فقد تولته أسرته ومدرسته بعناية خاصة، يحبه الجميع ويصادقه كل صبيان الحي، عبيدة يرفض مفردة عوق ويستنكرها فقد علمته جدته لأبيه أن هذه المفردة ما وجدت إلا للضعفاء الجبناء، الكسالى أما هو فعراقيٌّ شجاع..
كانت من قبل تبكي كلما رأت والده يدربه على ركوب العجلة بقدم طبيعية واحدة، لكنها حين أحست بشجاعته بعد تركيب القدم الصناعي، ورأت حركته المعافاة، بدأت معنوياتها تنهض مثله تماما..
عليٌّ ابن صديقتها ولد بعين واحدة ،باع والداه كل ما يملكان من أجل السفر به للعلاج في المانيا، كانت تردد وهي تتأمل عذاب الأهل، ما علاقة هؤلاء الأبرياء بحروب يشنها الحكام المتغطرسون فتذهب ضحيتها الطفولة..
كانت طيلة أيام الحصار تلك تحلم أن تستجيب الحكومات لصرخة شعبها، وترسل الشاحنات والطائرات لنجدة شعب العراق، العراق الذي لم يتوانَ يوما عن مدِّ يد العون لكل من احتاجه، نفطا وأموالا ورجالأً ونجدة في الحروب ، وقبورُ الشهداء من المقاتلين العراقيين الذين أبلوا أحسن البلاء في جنين ودمشق وعمان والمفرق ومصر تشهد ، وضربات طائراتهم على العدو، و.. كثير من الألم ، لكنَّ دول الأرض توقع على استمرار الحصار، والحكام العرب يتصدرون الموافقة على استمرار العقوبات على شعب العراق .
حصار ، حصار. حصار ..
حصار اقتصادي، حصار طبي، حصار زراعي ،حصار ثقافي
مات الآلاف من المرضى ، مليون وثلاثمئة ألف طفل ، وفيات آلاف الأمهات بالولادة لانعدام المخدر وإجراء العمليات بصراخ وجع النساء في مستشفيات الولادة ، وفي الحروب دوما شهداء ضحايا بعمر الورد، فضلا عن الأسرى والمفقودين .ثم توقفت الحرب بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت تحت صواريخ أمريكا الجريمة والنيران، في شارع أسموه شارع الموت حيث السيارات متفحمة، وأجساد الأبرياء من العراقيين والعرب الخارجين من الكويت وأطفالهم متفحمة داخلها ، قالت زميلتها التي تسكن البصرة، كنت أبصرهم يضطجعون في الساحات تنزف جراحهم، وكنا نذهب إليهم بالماء وبعض الغذاء، لكن الغيبوبة كانت قد خطفت معظمهم وتُركوا ليموتوا بجراحهم في العراء؛ وآلاف الأسرى والمفقودين ، فحقوق الإنسان وضعت للتباهي في المؤتمرات، وإنسانُ الألف الثالث للميلاد مهزوم مأزوم ، مستلب الإرادة.
وثيقة حقوق الانسان وضعتها الحضارة الغربية التي آلت بالإنسان إلى "شيء" يوم تركته بلا روح من خلال فلسفة تشييئه، فالإنسان لم يعد روحا ولا مشاعر، لأنه غدا شيئاً تحركه العولمةُ بأرادتها الغربية ، وغدا آلاتٍ تتحرك بما تمليه المصالح الكبرى ، لتعلن :ها نحن قد وضعنا له حقوقا منذ الثورة الفرنسية 1789 متناسية كل قيم السماء وديانات الله والرسل والفلاسفة والصالحين.
وثيقة حقوق الانسان كاذبة فهي حبر على ورق، وكم هو شاسع الفرق بين الحبر والفعل، وظل المؤرخون المنصفون والمستشرقون يتأملون سلوكيات الغرب وحضارته التي تتباهى بحقوق الانسان وادعاء الحرية والمساواة والمركزية الغربية الكاذبة. وهي تذبح الإنسان والحرية والمساواة ..
فرنسا التي قتلت من العرب الجزائريين أكثر من خمسة ملايين جزائري وهي تخجل من إعلان هذه الحقيقة فأعلنتها مرة مليون ونصف وأخرى ثلاثة ملايين لكن الحقيقة موثقة..وهي ما زالت تمارس نهبا بشعا لثروات القارة الافريقية، والتي تُسمى عاصمتها اليوم عاصمة الفن والجمال..!!
يعترف الجنرال الفرنسي كافينياك بجريمته في إبادة قبيلة بني صبيح عام 1844 حيث يقول بأن الجنود الفرنسيين قاموا بجمع كميات هائلة من الحطب ثم كدّسوها عند مدخل المغارة التي أرغموا قبيلة بني صبيح على اللجوء إليها بكل ما تملك هذه القبيلة من متاع وحيوانات، وفي المساء أضرموا النيران فيها وأخذوا احتياطاتهم كي لا يتمكن أحد من الهرب أو الخروج حياً منها..
أمطري أيتها السماءُ الشاهدة، أمطري لعل المطر يطهر الأرض من أدران الجريمة.
في مؤتمر الاستشراق في الجزائر عام 2014 صحبتني مرافقتي الى نصب الشهيد على ساحل البحر الابيض في العاصمة الجزائرية وهناك كانت الكارثة، آلافٌ من صور الشباب الجزائري بعمر الورد مرصوفة على جدران المتحف، آلات التعذيب، الكراسي الكهربائية لإعدام من يصرُّ على عدم الاعتراف على نفسه وعلى قياداته وعلى الثوار...
على أحد الكراسي كتب (كرسي علي) وصورة علي بعمر الخامسة والعشرين، وجه مضيء وجسد فتي وإلى جانبه تقف أم عربية جزائرية فولاذية، كلما أمره الفرنسيون بالجلوس لإعدامه بالكهرباء تصرخ الأم الفارسة به: علي، لا تمتْ قاعدا ، قف يا بني، ويقف علي حتى يئسوا من جلوسه فأعدموه بالرصاص..
تبتلع دموعها.. حين كانت تراقب الطلبة في امتحانات نصف السنة حيث منتصف الشتاء، القاعة كبيرة، الشبابيك مكسّرة الزجاج، وجوهُ الشباب العراقيين شاحبة من سوء الغذاء، ملابس خفيفة ،ممزقة ، الأكثرية بلا جوارب ، لا تدفئة في القاعات ، بعضهم يضع القلم ليدعك أصابعه المتشنجة من البرد ومن الأنيميا ومن العذاب . تترك منصة المحاضرة وتنسحب للنوافذ كي تمسح دموعها وتخفي وجهها الملتاع، هذه هي حال طلبة أثرى دول العالم ،،العراق . وفي أتون هذا الحصار القاهر نهض الشعب المقهور بجروح حربين ليبني كل شيء هدمته الصواريخ ، لكن الذين جاؤوا على دبابات المحتل أطلقوا على جبين العراقيين رصاصة الرحمة..
ساورها قلق شديد. ..كان يعوزها تدقيق بعض المصادر فقررت الذهاب صباحا لمكتبة الجامعة المركزية لكنها وجدت نفسها مرهقة من جهد ليلة أمس ، فألغت الفكرة واتصلت بطالبتها:
-كتاب الحروف للفارابي يا فاتن ، لا تستعيريه ، أريد توصيفه فقط . فقد نسيت أين وضعت دفتر التوثيقات ، ولا وقت للبحث عنه.
تجيب د. فاتن بهدوئها المعتاد.
-سيصلك التوصيف حالا وبالهاتف.
وصل التوصيف في الحادية عشرة ظهرا والأمور طبيعية ، دكتورة فاتن عبرت من الكلية للمكتبة المركزية دون تأخير ، فماذا حصل ..
(3)
القلق يلعب بتفكيرها، لم تعد قادرة على التركيز، تركت التدقيق وغادرت جهاز الكومبيوتر . وأمسكت بالهاتف، أحمد ، أبوك أقلقني ، ما الخبر . أجاب ، لم أصل البيت عمتي، أخرجونا من الامتحان توا ، وأنا والطلاب نعبر الجسر الثالث مشيا على الاقدام والصواريخ تعبر فوق رؤوسنا ،فوق دجلة الحزين، قامت القيامة فجأة ، لا أحد يعرف سر ما يحدثُ حتى الآن..
كل أسرتها في الجامعة أخوتها وأولادهم ، شقيقتاها وأولادهما، كل أهلها أساتذةً وطلاباً في الجامعة ، اتصلت بأكثرهم ولا جواب .
الهاتف لا يرن، إذن لا شبكات في الجامعة.
خرجت الى الباب تستطلع فوجدت جيرانها من الرجال يعودون مسرعين بسياراتهم ويدخلون البيوت .
عبد الله ما الخبر..
• خالتي ،يقال إن المدينة ستسقط
• ما معنى ستسقط يا بني وكيف ، وما المصدر..؟
• يبتسم جارها الشاب الرصين ويجيب خالتي ، لا أحد غيرك يبحث عن الحقيقة ، ادخلي البيت رجاء؛ فالمدفعية تواصل الضرب ،ولا تقلقي على د.منال، لا يوجد خطر في طريق الجامعة ، القتال في الأيمن.
يا إلهي ، القتال في الأيمن ،من يقتلُ من ..؟
لم تدخل البيت ، اتصلت بالسائق المسؤول عن توصيلهم ، لكنَّ أحدا لا يجيب .
ضرب هاتفها ، فأجابت بلهفة ، د. شيماء ما الخبر..؟
لا تقلقي منال في الطريق اليك ، وأنا لا أعرف كيف سأعبر للبيت ، فالجسور مقطوعة والدبابات وهمرات المحتل الأمريكي والازدحام الشديد في الطرق والشوارع المحيطة بالجامعة.
تعالي عندنا حبيبتي، بيتنا أقرب.. وانقطع الاتصال.
بدأت مقاومة الاحتلال الأمريكي في بغداد والموصل وفي العراق عموما مع دخول الأمريكان مباشرة وصارت مقاومة شرسة خلال الأسابيع الأولى، أسرع مقاومة شهدها تاريخ الاحتلالات في العالم هي مقاومة العراق للمحتل، بدأت مثابرةً أربكتهم وجعلتهم يحسبون لها ألف حساب، إنهم اليوم أمام شعب يعرف وجع الوطن،
وجع لوطن له نكهة خاصة لأنه وجع الوجود ووجع الانتماء ولوعة الجذور.
***
ظلت واقفة على الباب بقلقها تسمع اهتزاز البيوت ونوافذها تحت القصف وتتساءل متى تنتهي هذه الدراما التي طالت كثيرا، وأخذت أعمارالعراقيين وسوّدت حياتهم وفككت أسرهم ..نصف ساعة كدهر، وإذا بسيارة غريبة وفيها منال.
• ما الخبر ..؟
• لا أدري ، الحمد لله أنك لم تكوني في الجامعة اليوم ، لم ينتهِ الامتحان وأُمرنا بتسليم الدفاتر للجنة الامتحانية ولم ينتهِ الطلبة بعد ، ساد هرج ومرج في الجامعة والكل يصيح : سلموا الدفاتر وغادروا المركز الجامعي بسرعة.
غادرنا الكلية فإذا الجامعة مليئة بالهمرات والدبابات الأمريكية وجملة اخرجوا بسرعة تأتينا من كل الجهات، وحين خرجنا كان شارع الجامعة زاخراً بالناس والسيارات والطلبة وقد أوصلني تدريسيّ لا أعرفه.
يا إلهي ، لم يبق حرمة للجامعة ولا لدور العلم والعبادة ولا للمستشفيات مذ دخل الأمريكان المدينة في التاسع من نيسان 2003.
في حزيران من العام نفسه، وهي تتحاور مع رئيس شؤون الدراسات العليا اجتاح الغرفة جنود وضباط مدججون بالسلاح يتفحصون الوجوه باستهتار، ويسألون عن اسم ثلاثي لأحد الطلبة المطلوبين، قلت للمترجم ، ألستَ خريجا جامعيا ، قال وقد أحنى رأسه : بلى .
قلت أليست الجامعة حرماً آمنا في العالم كله.؟
صمت وأشار بنظراته إليهم . قالت تلومه ، كان عليك أن تقول لهم ذلك لأنهم لم يتعلموا معنى القيم ومعظمهم لم يدرس بجامعات، بل تدربوا على القتل والانتهاك والسرقات، فهم قطاع طرق، لم يدخلوا بيتا في المدينة إلا وسرقوا حاسبة أو هاتفا أو نقودا... أسرع مدير الدراسات إليها ورجاها أن تعود لمكتبها، مؤكدا أنه سيكون في غرفتها خلال دقائق لاستكمال الحوار .
تكررت الحالة وتكرر اجتياح الجامعة بحثا عن الشباب الجامعيين الذين سارعوا للالتحاق بمقاومة المحتل، حتى اشتدت قبضة المقاومة وانسحبت القوات الامريكية بغطرستها من الشوارع، قواتهم التي كانت تتبختر في دروب المدينة وفي جامعاتها وكلياتها وشوارعها وأسواقها ومطاعمها ،انسحبت يوم صار الشباب العراقيون يلاحقونهم في كل مكان..عاودها صوت منال ، هل اتصلتِ بإخوتنا والأولاد؟
• الشبكات معطلة ، لم أستطع مكالمة أحد ..
• سنكلمهم حال وصولهم البيوت . لا تقلقي.
عاد الجميع إلى بيوتهم بتوجس ،لكنهم لم يعلموا أنهم لن يعودوا للجامعة ولا للمدارس والدوائر مرة أخرى ، وأن سنوات كاملة ستضيع عليهم وعلى أولادهم ، وربما أكثر..
كان الغداء على المائدة بأغطيته..
منال لا تصبر على انتظار أحد، تتوجه فورا من السيارة للطعام ، لكنها هذه المرة جلست كضيف حزين معه خبر مؤسف يخشى البوح به...
جلسنا متقابلتين لا نتكلم .
نطقت أخيرا قائلة ، ما العمل..؟
• لا شيء ، مثل كل مرة ، أهي أول حرب.؟
• لكنها هذه المرة مع المجهول .
• المجهول سيغدو معلوما ، ويأتيك بالأخبار من لم تزود
• لكني تعبت من الحروب..
• من مِن العراقيين لم يتعب.
لم نتناول الغداء فقد جاء أبو أحمد ومعه زوادة أسابيع أو أكثر من الأغذية الأساسية، خرجتُ معه لاستكمال حاجاتنا فوجدت الأسواق قد رفعت الأسعار أضعافا، يا الهي ما هذه الشعبوب، حتى في أقسى الظروف حلكة.!
عقب أخوها ، إنها أخلاق الحروب في كل العالم .فرغت الأسواق والمحلات من كل شيء .التفتت إلى الأفران على الجانبين فوجدتها مقفلة .نظرت إلى السماء وهمست مهمومة : يا ساتر.
أخوها كان مولعا بمتابعة الأخبار والتحليلات، لكنه حين وجد الأمور مشتبكة ترك الأخبار وواصل مشروعه في حفظ القرآن ليلا ، والنوم نهارا ، واستراح وأراحها من الهواتف وعبء أخبار الصراعات والمتفجرات والحرق وضوضاء الاقتتال، وشيعي وسني وكردي يطالب ويزيدي وتركماني يحتج وصابئي يُطارَد ومسيحي يُغتصب بيته ومحلات عمله ويهجّر.كان يعتقد أن خروج أمريكا سينهي الأزمات لكنه وجد الأزمة تزداد احتداما يوماً بعد يوم، وأن السوء يتناسل ويتطور، لأن أمريكا ومن أعطتهم مفاتيح العراق لن يكفّوا عن إبادة العراقيين ليس من أجل نهب ثرواتهم وتركيع إرادتهم حسب، بل لقتل روح الحياة فيهم والقضاء على علمائهم والموهوبين فيهم وإخماد مثابرتهم لتسلم إسرائيل، وإسرائيل لن تسلم وحلُّ الدولتين لن يكون حلاً لأن الصراع سيبقى، هكذا أعتقدتُ وهذا ما قلته لطلبتي، الحل الوحيد أحد أمرين إما رحيل الغاصب المحتل للبلد الذي أتى منه والمدون في وثائقه اللعينة أو فناء أحد الطرفين وحينها لن يفنى العرب ولا المسلمون والمسيحيون ولاالمسالمون جميعاً، لأنهم يملؤون الفضاء العربيَّ من المحيط الى الخليج ويملؤون الدنيا النبيلة.
جماعات الشر التي تقتل وتحرق وتنهب باسم الدين يزداد سوؤها ضراوة.ومعها أدعياء الدين الذين ضربوا أسوأ الأمثلة في إدارة دفة الحكم وفي تجويع الشعب وملاحقته بالتهديد والرصد والوعيد وملء السجون بالشباب الأبرياء، واغتصاب بيوت العراقيين مرة بتهم الارهاب وأخرى بافتراءاتٍ ما أنزل الله بها من سلطان. أمريكا لم تمنح العراق لخونته الذين وافقوا على احتلاله، وقدِموا مع العدو الذي حطم وطنهم وقتل شعبهم وفكك دولتهم حسب، بل منحت العراق لقمة سائغة للطامعين بخيراته الذين غدوا أصحاب القرار في تمزيقه وقتل اهله وتخريب اقتصاده وتعطيل زراعته وصناعته والقضاء على مستقبل أجياله، مشعلين الاقتتال بصراعات طائفية عبثية. أخوها كان مقاتلا جيدا عبر ثلاثة حروب خاضها مع الاعداء. حينما كانت توصيه أن يكون حذرا ويحافظ على حياته، كان يجيبها بجدية كيف لا أستقتل دفاعا عن وطني ،والعراق مسجل باسمي وباسم والدي وجدي في دفتر نفوسي وفي كل وثائقي وهوياتي. أولاده يمتحنون في الجامعة. اثنان منهم سيتخرجان هذا العام.لكن هل سيكتمل الامتحان ليتخرجا.؟
لم تواصل هواجسها، بل عادت لمبدأ علمتهم إياه جميعا: المهم سلامة الحياة في أوطان أرخص ما فيها الحياة.
(4)
المدفعية تواصل القصف..
الصواريخ تعبرُ فوق سطح الدار، تمرق فوق بهاء دجلة المعكر بدخان غبائهم وحروبهم البلهاء، دجلة صابرٌ كجبل ، وصامتٌ كملاك.
الصمت يغلف البيت مثل كفن ..
الصمت ماسة الكلام ..ولذا كان وما زال أبلغَ الكلام
الصمت رفيقها في المحن.
الصمت ..لوعة فقد،
دمعةٌ حائرةٌ، دمعتان،
جمرة تكوي وجنتيها إن سالت،
تنهمر مثل شلال حزن خطر على حين غرة، أو نوبة شوق..
حسن يأتي، يفتح نافذتها،
وبهدوئه المعتاد يحمل كأس الماء إلى شفتيها
حسن يقول ،دموعك إغراءٌ فلا تمسحيها..
إنها الماسُ الذي يزين وجنتين من ياسمين.
آه ..حسن
هل تسمع أشواقي حين لا أقول شيئا ، ؟
هل شعرتَ بروعة الأشياء التي أقولها حينما لا أنبس بحرف.!
هل يفتح لك التأويل تلك الدلالات الثاوية في غيبوبة الكلام.!
نعم، أعرف أنك تدرك، ولكنَّ طول الغياب يوقظ شوق الأسئلة ،
فالصمت يا صديقي أقوى الأسلحة التي أتحصن بها من البوح،
تلك التي تتسع لكل ذلك الوجد المزروع سكاكينَ في غياهب محنتي..
......................................................
...............................................
شقيقتها صمتت على الإضراب عن الطعام ظهرا ، لكنها صاحت في المساء ، سنأكل رغما عنا ، فنحن لا نأكل للمتعة ، بل لنستطيع مواصلة العذاب .
لا أستطيع الطعام قالت الكبرى ، الغثيان يدمرني
• أعرف .. لكننا سنأكل يعني سنأكل ، اشربي قليلا من العصير الذي أعددته توا.
تتمتم الأخت الكبيرة ..
آه ،الفيلة الخشنة مسافرون بطيئون لغلظتهم وبلادتهم، ذهبوا الى الوطن الام عبر الصحراء فضاقت بهم المسالك ..وضلوا السبيل.
(5)
قلة هم الذين ناموا في تلك الليلة .
اتصلتْ مبكرة ببيت أهلها ، اخبرها ابن أخيها أن المقابلات مستمرة وان المسلحين يلقون مقاومة من مقر الفرقة الثالثة فقط وان معظم سكان شارعهم يغادرون مع أطفالهم، فالمدفعية تضرب قريباً منهم .
قالت ، حاولوا المجيء لبيتنا ، قال : اقترحتُ ذلك لان أختي الصغيرة ستموت رعبا ، لكن أمي ترفض الخروج من الدار ،وتقول ، في الشارع سيكون الخطر أكبر .
بيتهم قريب من الجسرالثالث المتصل بجامعة الموصل..عبر شارع بغداد، بيتهم ضربته ثلاث عشرة مفخخة ، وفي كل مرة كانت النوافذ والأبواب تتطاير وأيديهم وأرجلهم تتكسر ، ومرة بعد مرة بدأت الجدران تتفكك ، حتى تساقط بعضها وغدت غرفة الجلوس بحاجة لهدم وبناء جديد . من كان يصنع المفخخات ويحشوها بالمتفجرات لقتل الأبرياء على الأرصفة وقرب المدارس والأفران والمطاعم والباعة المتجولين والفقراء وتذبح العوائل في بيوتها ..؟
من كان يبتز الناس الابرياء ويفرض عليهم أتاوات بآلاف الدولارات ويخيرهم بين الخطف والذبح لو امتنعوا عن العطاء وتنفيذ الاوامر ولا سيما التجار والمسيحيين العزل وأصحاب المشاريع. خرج معظم التجار والمسيحيين من بيوتهم حال وصول التهديدات اليهم ومن أعطى المبالغ المطلوبة لم ينجُ من القتل، بل قتل الكثيرُ منهم حال وصول المبالغ للإرهابيين.
قالت هيفاء المسيحية الأليفة، أعطاهم أخي خمسين ألف دولار كما أرادوا،لكنهم عصر استلامهم المبلغ أطلقوا الرصاص على صدر ولده الشاب على باب دارهم..
هيفاء تسألني ماذا فعل المسيحيون ليجري عليهم هذا الظلم الأسود، قلتُ لها كنا شركاء في السراء والضراء دوما، وقد مضت السراء يوم كنا أسرة واحدة وفي هذه الضراء تجديننا معاً تحت سياط الظلم، ألا ترين كيف قتلوا الشبابَ أولاد عمومتي وكيف خطفوا أطفال جارنا الأبرياء، وكيف غيبوا معظم شباب شارعنا دون ذنب اقترفوه.
بيتهم كان قرب مقر الفرقة الثالثة على الرصيف الأيمن لشارع بغداد الدولي، وإلى جانبه جامع باسم جارهم الشاب الشهيد محمد المولى..
كم ألف شهيد باسم العراق على أبواب جنتك إلهي...!
******
كان ذلك عام 81 19، كانت طالبة ماجستير تكتب بحثها ، وكلما فقدت السيطرة على عناقيد الدمع سقطت على الورق واختلط ماء القلب بحبر الحروف .
محمد رحل قبل أن يكمل العام الثاني على تخرجه من الكلية العسكرية ، مهذبا ، خجولا ، رحل في قاطع المعارك الجنوبي. حينما كانت أمي تتعب من نوبات القلب نهرع إليه في غياب أخوتي بجبهات القتال، فيسارع هو لإدخال السيارة داخل البيت ، تقول له ، لا تتعب يابني ، فأنا قادرة على المشي ، يُغضي خجلا ، ويقول ، بودي أن أحملكِ لو ترضين فأنتِ أمي ..
( 6)
ظلت أمها أسابيع لا تنام .
نوبات الصداع والخفقان واللوعة، تداري وجهها عنهم لتمسح الدموع . وبين يوم وآخر تكون زائرة الطوارئ وقد تجاوز ضغط الدم حده المعتاد، ولم يكن محمد موجودا معهم في صالة العلاج ..رحل محمد في القاطع الجنوبي وترك فيهم لوعة لا تعرف السكون..
كانت الام تقضي الليل تصلي ،كانت ترى في رحيله تهديدا لحياة ولديها ولآلاف الشباب العراقيين في جبهات القتال، ولذلك أخفوا عنها استشهاد دكتور نبيل. خسارات ، خسارات..
قال والدي ، خذوا بالكم ستموت هذه المرة. أمكم مرهفة حنون وضغطها مجنون وقلبها لن يتحمل صدمات هذه الحرب .إنها تقرن استشهاد كل شاب بولديها، التزموا الكتمان ما استطعتم حتى تبرد الأمور، لكن الأمور لم تبرد ، الأمور كانت تزداد ضراوة ودما ونيرانا وآلافاً من القتلى .
تخرج نبيل من الكلية الطبية متفوقا قبل ثلاثة أعوام من الحرب ، كان وحيد أمه مع شقيقة واحدة ، كان شديد الوسامة ، شديد التهذيب ، توسلت إليه الأم ان يتزوج ، لكنه كان يتهيأ لإكمال الدراسة ، سأتخصص بجراحة الأطفال يا أمي فليس لدينا هذا التخصص ، وسأقبِّل كل طفل أعالجه، فأنا لا أتذكر قبلات أبي الذي غادرنا مبكراً .
أصرت والدته أن يكشفوا لها وجهه ما دامت الشظية اقتنصت قلبه. كشفوا لها وجها مضيئا كحلم وانهال عليه الرجال والنساء وأصحابه من الشباب ضماً ونشيجا وقبلات ، وامتلأ البيت بالزغاريد وأهازيج الزفاف ونثرالزهور و العطور ، آه ..
ما ضرَّ لو جعلوا العلاقة في غدٍ بين الشعوب مودةً ... وإخاءَ
حين عادت وشقيقتاها من تشييع نبيل دخلوا بيت الجيران أولا ، غسلوا وجوههن تمويها على الأم ، وحاولن تغيير ملامح الحزن ، لكن الأم استلمت الإشارة وظلت تتساءل ..
وظلت تصاب بالإغماء كلما قرع جرس الباب أو ضرب جرس الهاتف، ولم يطل الأمر، فقد انفجرت المرارة ونزفَ الكبد ، وانتهى كل شيء ، كانت تقول لهم ، أنا لا أخاف الموت فهو لنا ، لكني لم أشبع منكم، أريد أن أحبكم أكثر وأرعاكم. أمها علمتها أن تعيش الحب صدقاً ولوعةً وتضحيات، فهو وحده نبع السعادة. تهمس في داخلها، لو كان للساسة أم كهذه لما نشبت حروب على وجه الأرض.
انطفأ البيت الذي كان قبل الحرب طافحا بالبهجة والحوارات والنجاحات والموسيقى والأقرباء والجيران والأصدقاء والأمل ، كانت أمها لا تتناول الغداء الا بحضور نساء الجيران الكبيرات سناً لتأكل معهن، انطفأ البيت لكن الحرب ظلت تشتعل.
***
في مثل هذا اليوم من عام 2004 كانت المدينة بشبابها الرافض للاحتلال تلاحق بالنيران همرات الأمريكان ودباباتهم وسياراتهم.
في مثل هذا اليوم من عام 2004 كانت الطائرات الأمريكية تضرب غرب دجلة، في منطقة الحاوي بغاباته الكثيفة وبساتينه وعبير زهوره وأعشابه، تضرب شارع بغداد وحي النجار وجامع الشهيد محمد المولى بحجة تواجد رجال المقاومة فيه. بيت أهلي الذي يسكنه أخي وأسرته يقع خلف الجامع مباشرة،ولذلك كان له حصة من كل المفخخات التي ضربت المنطقة وهي تقصد التواجد الأمريكي في ذلك الشارع النشط ، وكان طبيعيا أن تتكسر نوافذه وتسقط أبوابه، ويُحمل أفراد عائلته للمستشفى في كل مرة اختناقاً بالدخان، أو جروحاً وحرقاً.حُملت الأم المصابة بالربو للمستشفى وبقي الأطفالُ وحدهم، سارعتُ إليهم والطرق خالية خاوية، وتحت وابل الرصاص على الجسر الثالث قال لي سائق السيارة، سنموت جميعا لو عبرنا الجسر، ألا ترين المسلحين رافعي رشاشاتهم والطرق خاوية قلت له:أنزلني هنا لأعبرَ وحدي مشياً. قال يائساً من مواصلة الحوار فهو يعرفها حين تقرر أمراً، نواصلُ إذن والأمر لله ولأمريكا. نجونا باعجوبة، ومن الطرق الخلفية وصلنا الدار وفيه ثلاثة أطفال أكبرهم في الثانية عشرة يحتضن أصغرهم ذا العام ونصف العام ويواسي شقيقته التي كانت ترتجف رعبا. أتلفت في البيت، أنقاض الفرش والملابس المحروقة وأشلاء الدواليب والمصاحف والكتب المبعثرة..كانت مفخخةً مدمرة تحمل كذا من أطنان المتفجرات أحرقت ما لا يصدق من البيوت وامتدت على بعد شاسع، تغمض عينيها وتتساءل لماذا، أخوها لا يعنيه من السياسة شيء إلا سلامة وطنه وأولاده الثلاثة الذين لم يبلغوا مبلغ السياسة بعد وزوجته تضجر من أي حديث في السياسة مؤكدة أن كل هموم الشعوب المسكينة سببها السياسة ومصالح أهل السياسية التي يقف وراءها رجال لا تحركهم القيم الراقية بل تحركهم المصالح الرعناء التي كانت من قبل مقنّعة بألف قناع فغدت اليوم مكشوفة..
على سطح الدار يقف المارينز بهياكلهم ووجوههم الصفر،وعلى الأبواب تجثم الدبابات. هذه فلسطين مرة أخرى.لا أستطيع البكاء،أحمل الطفل الصغيرعلى ذراعي، وبساعد اليد الثانية أحتضن طفلة وصبياً جفت في عيونهم دموع الفزع، أخرج من الدار بعد أن علمتهم كيف يمسكون بي...
قلت لهم بصوت مشجع، في نهاية الشارع تنتظرنا سيارة وسنكون في مكانٍ آمن.بكى الصغير وانفجرت الآخرى بالبكاء. لم أستطع الكلام فقد جفّ لساني.ما أحسست بالعطش في الصيام كهذا الذي أحسه اليوم في برد شتاء الموصل القاسي، كانت نيران حي النجار كلها تلقف أعماقي، وكان قلبي يلوب بحيرة وطنٍ كان لها الفردوس، ثم أحرقوه على حين غرة، تصمت وتتنفس بصعوبة ودروب النجاة لم تكن سالكة، ولم أك أمتلك وضوح رؤيا عما سيحدث.أمرتُ الأطفال أن يكفوا عن البكاء فصمتوا. في أبشع لحظات الشدة لا أشعر باليأس وإنما أنتظر الخلاص فالله الرحيم معنا، ماوجدتني في شدة إلا وكان الرؤوف..بدأت أسمع دقات قلبي عالية متوترة، وتلاحقت أنفاسي فقد نام الطفل الصغير على كتفي وازداد شدُّ الآخريْن ليدي اليمنى وخصري، قلت لهم نتوقف لحظة لنرتاح، جاءني صوت إنقاذ من الخلف، لن تكون هذه الفارسة المغامرة غير ابنة خالتي..قفي لأحمل عنك الطفل.عرفت الصوت فوقفت وأعطيته الطفل.احتضنت الطفلين الآخرين بقوة وقلت لهما،لقد نجونا. انعطف قريبي الى بيته القريب من الشارع.مد يده من الأعلى وفتح الباب الخارجي ودخلنا.تركت الطفل النائم على السرير،وأخذت الآخرين إلى الحمام ،نفضت ملابسهم ورؤوسهم من سخام المتفجرات وغسلت وجوههم وايديهم،وشرحت لهم على قدر فهمهم معنى أن يكون وطننا محتلاً بعدوان ظالم وأهمية أن نكون شجعاناً وأقوياء ووعدتهم بهدايا ثمينة لو ظلوا مطيعين وشجعان.أجلستهم حول المدفأة انتظارا لساعة أمن تسمح لنا بالعبور الى بيتنا في الجانب الآخر من دجلة.في مثل هذه الظروف يكون عبور الجسر هو المعضلة الكبرى، ولكننا سنعبر.
(7)
قبل موعد الإفطار بنصف ساعة هدأ القصف الأمريكي على الأحياء المقاوِمة، تلك التي تطلق النار يوميا على همرات المحتل ودباباته، وبقيت إطلاقات متفرقة تشتد مرة وتهدأ أخرى.قلت لقريبي، يجب أن نكون في البيت قبل الظلام من أجل استقرار الأطفال ووضع حدّ لقلقي، قال صدقت، لقد هيأنا فطوركم وسنصحبه معنا، هيا بنا..
أسفل المقعد الخلفي للسيارة فرشت بطانية خفيفة، ونزعنا الأحذية جميعا. علمت الأطفال كيف ينامون على وجوههم متوسدين سواعدهم ليكونوا قادرين على التنفس، وأخبرتهم أني سألقي بنفسي فوقهم أقيهم أي خطر بجسدي لو تعرضنا لقصف في الطريق فلا يخافوا، بكت الصغيرة قائلة لا تموتي عمتي، لأن ماما ستموت. قبلتها وطمأنتها بأني لن أموت ولا ماما واستجاب الطفلان واضطجعا بترتيب متداخل بينما أخفيت رأس الصغير وجسده في صدري وغطيته بساعديّ وشالي، كان مايزال نائما، ربما هو الخوف.
وسط الجسر الثالث الذي يصل الجانب الأيمن بالجامعة صرخ بنا رجلان:
لا بدّ أنكم مجانين..
لا أدري بم أجاب قريبي، المهم أننا واصلنا السير.. بعد المنتصف بأمتارانهمر الرصاص، هويت على الأطفال بحذر وأنا أخبئ جسد الطفل الصغير بصدري.كان علينا أن نعبر الغابات المحاذية لنهردجلة، وما أخطر الغابات في مثل هذا الظرف الدامي..دبابات أمريكية، عربات مصفحة، همرات، أسلحة من كل الأنواع، اعتدلت في جلستي وبدأ قريبي يسوق بهدوء وبشكل طبيعي. أوقفتنا سيارة الشرطة العراقية وحينما رأوا رأس الطفل النائم على كتفي علمونا طريقاً آمناً نسلكه، وبعد دقائق كنا على باب الدار..
حينما دخلنا كانت المدفعية الأمريكية في قاعدة تواجدهم العسكري في القصور الرئاسية شمال الموصل ووسط قصور عدوهم اللدود صدام حسين تضرب بشدة، تضرب كل يوم من العصر حتى أذان العشاء إرهابا لأهل المدينة الذين ما كفوا عن ملاحقة قوات الاحتلال بالمتفجرات وزرع العبوات واعتراض طرقهم بشتى أنواع المقاومة.وعلى مائدة الإفطار اكتشفت أن الطفلين الكبير والمتوسطة كانا صائمين. ضممتهم لصدري وأمرتهم أن يتضرعوا لله أن يحفظ العراق..
والعراقُ الرّؤى ، والمدى ، والأمانُ ،
العراقُ الأماني
العراقُ حديقةُ روحي
تضمُّ إليها غيوماً ، وبرقاً ،
وأزمنةً من لظىً
وجداولَ شهْدٍ تشقُّ أكُفَّ الترابْ ..
والعراقُ عباءةُ أمّي ،
وثوبُ العذارى ،
اللواتي يمُتْنَ على السفحِ
من ظمأ وأغترابْ ..
- يا قمرَ الجبالْ ..
عَرِّجْ على السفوحْ ..
فوجهُكَ الأبهى ..
يطلعُ في الجروحْ …
- يا قمرَ المنفى..
عَرِّجْ على الحقولْ ..
فوجهُكَ الأبهى..
يولدُ في البذورْ

بشرى البستاني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى