رسائل الأدباء ست رسائل من غانية ملحيس الى الدكتور عاهد حلس

1-

الأستاذ العزيز الدكتور عاهد حلس

تحية محملة بما تبقى لنا من مجاز ومن شغف بالشعر، ومن إيمان بأن الكلمات ما تزال تملك قدرة على التجمّع ضد الموت.
كلماتكم ليست استدعاء حنينيا للشعر، بل هي إنقاذ للمعنى من بين أنقاض المعاجم المحترقة تحت الطائرات. في زمن يتقاتل فيه الدم والنسيان على أرض فلسطين، يصبح الشعر أكثر من ترف جمالي، إنه بوصلة النفس حين تضيع خرائط السياسة، وهو ما يجعلنا بشرا لا مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
صحيح أن الشعر لا يصد طائرة، لكنه يمنع الروح من أن تهزم، ويبقي على شجرة الزيتون في القلب واقفة، ولو سقطت سبع مرات.
وصحيح أن القصيدة لا تطعم طفلا، لكنها تصرخ حين تصمت البنادق، وتذكرنا أن من يكتب القصيدة الحقيقية هو غالبا من لم يملك سوى دمه ليفدي به حريته.
ولعل أكثر الناس شغفا بالحياة، هم الشهداء والمقاومون أنفسهم، أولئك الذين لم يتقدموا نحو الموت بدافع العدم، بل بدافع الحب العظيم، حبّ الأهل، والأرض، والمستقبل، حب لا يطيق أن يراهم يبادون بالصمت أو يفنون جوعا .
أما عن من يجلس في غرف المفاوضات، بعيدا عن رائحة الشهداء، وعن وجوه الأمهات اللواتي لا يردن من الدنيا سوى كفن نظيف لابنهن، فإننا لا نطالبهم بحفظ ديوان محمود درويش عن ظهر قلب، بل أن يكون لهم قلب فقط. قلب يخفق كلما ذكر اسم غزة، ويذرف دمعا حقيقيا حين يرى طفلا يبحث عن أب صار صورة معلقة.
الشعر، كما أشرتم، لا يصنع اتفاقيات، لكنه يصنع أناسا لا يوقعون على استسلام جماعي باسم الواقعية.
ومن لا يفهم المجاز، لا يفهم أن قبول شروط العدو هو شكل ناعم من الانتحار الوطني.
إن من يفاوض دون أن يقرأ التاريخ، ولا يسمع نشيد الأرض، ولا يشتم رائحة التراب، ولا يبكي حين يرى وجه غزة محترقا — هذا ليس مفاوضا بل موفدا، لا ينوب عنا بل ينوب عن تسويات كتبت في ليل بلا قمر.
نعم، نحتاج قليلا من الشعر، ليس لأننا هواة بلاغة، بل لأن من لا يعرف أن قلب الشهيد كان يعشق الحياة أكثر من قاتله، لن يعرف كيف يدافع عن الحياة.
فلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى جيوش ولا إلى لجان، بل إلى قلوب حية، تعرف أن المجاز ليس ترفا، وأن من لا يبكي أمام صورة طفل يحتضن حذاء والده الشهيد، لن يبكي على وطن يمحى من الخرائط.
شكرا لك، دكتور عاهد، على هذه الكلمة التي تحيي الشعر، لتبقي فينا شيئا من الشبه.

غانؤة


==$$=====$$$$

2-

الصديق العزيز عاهد حلس

حين قرأت كلماتك، شعرت أنني أعيش وأتنفس معكم تفاصيل اللحظة: رائحة الركام الممزوجة بالدم، وقع الخطى المرتجفة بين البيوت المهدّمة، ثقل السؤال الوجودي الذي يحاصر كل غزي صباح مساء.
كلماتك كانت صرخة صافية خرجت من قلب النار، وفيها صدق لا يمكن للكتابة العادية أن تحمله.
لقد كتبت ما هو أبعد من شهادة شخصية.

كتبت وثيقة إنسانية وتاريخية، تضع القارئ أمام الحقيقة بلا وسائط، بلا أقنعة، بلا مسافة.
في كلماتك يلتقي الألم بالمقاومة، والفاجعة بالإيمان ، والفقد بالأمل، والموت بالإصرار على التشبث بالحياة.

تمارس فعل الكتابة يا عاهد كمن يمارس فعل المقاومة، بصلابة تضاهي صلابة أولئك الذين يقاتلون في الميدان. وكأنك تقول لنا جميعا : حتى وسط الأنقاض، ما يزال للشعر وللكلمة دور، وما يزال للإنسان القدرة على أن يشهد ويبقي الأمل حيا.
كم نحتاج إلى صوتك وإلى أصوات كل من يكتب من قلب غزة. لأن هذه الأصوات تكسر العزلة، وتفضح الصمت، وتمنح العالم برهانا على أن أهل غزة ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل بشر يعيشون ويموتون ويقاومون.
أنت لا تكتب لنفسك أو للغزيين فقط، بل تكتب لنا، وتلزمنا جميعا أن نصغي، وأن نفكر، وأن نعيد النظر في معنى الكتابة ومعنى الشهادة.
لك عظيم الامتنان لأنك منحتنا نصا يفتح الجرح ويضيء الطريق في آن واحد.
وأتمنى أن يبقى حوارنا معك ومع شهادتك مفتوحا، لا لنتشارك الوجع فقط، بل لنؤسس معا لإرادة مشتركة، تتجاوز الألم، ولنبني مستقبلا يليق بدماء الشهداء وبكرامة الأحياء.
ومن بعيد، أشد على يدك وأقول لك وللغزيين جميعا . إنكم لستم وحدكم …نحن جميعا معكم، نحن الفلسطينيون جسد واحد لا يقبل القسمة مهما باعدتنا المسافات والمؤامرات. نفكر بكم، ونكتب معكم، ونحمل وجعكم في قلوبنا وعقولنا.
حماكم الله وحما غزة وأهلها.

***

غانية ملحيس

========

3- رسالة غانية ملحيس

الصديق العزيز عاهد،

أعلم يا صديقي أن اللغة العربية، على غناها، لا قدرة لها على مواساة من يكتوي بنار الإبادة المتواصلة منذ 697 يوما في قطاع غزة. لكن أنين كلماتك اصطحبني إلى أزقة غزة التي عرفتها وعشقتها، ولي فيها أهل وأحبة وأصدقاء، بعضهم استشهد وبعضهم مشاريع شهداء، كما كل الفلسطينيين منذ أكثر من قرن.
جعلتني يا صديقي أستنشق روائح الكعك في وقفة العيد، وأصغي إلى زقزقة العصافير على تينة البيت، وأسمع ضحكات الأطفال العائدين من مدارسهم، وأرقب الصيادين وقد عادوا بما جاد به بحر غزة المحاصر. وأعجب لصبر الغزيين وطيبتهم وزهدهم وترفعهم، رغم استحقاقهم تسيد الوطن وعموم المنطقة.

لقد التقطتَ، بروح شاعر ووجدان مؤرخ، تفاصيل الحياة التي يريد الطغاة محوها، فحوّلتها إلى ذاكرة نابضة تقاوم الغياب.

ورغم هول ما تصف وتوثق، أؤمن أن غزة، التي صمدت سبعة آلاف عام، لن تتحول إلى رمال كما يشتهي القتلة، ولن تنزف حتى الجفاف. غزة ليست مجرد مقبرة، بل جذر عميق في الأرض، مروي بدماء خيرة أبنائها على مر الزمن، وذاكرة متجددة تلد الحياة من تحت الركام. ما حاولت أن تصفه كفقدان نهائي، أراه في الحقيقة شهادة على خلود المكان وأهله، فغزة التي تستسلم للحطب والجمر، سرعان ما تنهض من رمادها كالعنقاء لتوقد نارا جديدة.
كتابتك مرثية بليغة، لكنها أيضا وثيقة وفاء للذاكرة، وتذكير لنا بأن الحفاظ على غزة لا يكون بالحنين وحده، بل بالفعل الذي يحول الرماد إلى بذور حياة.

لك ولغزة الحبيبة وأهلها الطيبين كل الحب وأغلى الأمنيات بعودتها كما عهدناها، نابضة بالحياة.
غانية ملحيس
31/8/2025


****

4- رسالة عاهد حلس

دائما ما تغمريني بسخاء تعليقاتك وتفتحي لنصوصي ابوابا على متخيلات ومعان جديدة ، نعم يا صديقتي ، لن يصبح تاريخ غزة رمال حتى لو هدمت مبانيها ومسحت شوارعها، ولكن كوابيس خوفنا عليها تجعلنا نراه سيصبح كذلك .مودتي وتقديري
عاهد حلس

==========


5- رسالة من غانية ملحيس الى عاهد حلس تعليقا على مقاله


أقلّب منشورات الفيسبوك كل يوم. الصور نفسها، والفيديوهات نفسها، والشتائم تطير من منشور إلى آخر. ابتسامة خالد مشعل لم تتغيّر منذ سبعمائة يوم، أو منذ سبعين ألف شهيد. وأسامة حمدان لم يخسر من وزنه كيلوغرامًا واحدًا.

يقطع تصفّحي إشعار على الواتساب: رسالة من زميلة في كندا، أستاذة جامعية، تطلب رأيي في معزوفتها على البيانو. أبدي إعجابي قبل أن أسمعها، مركزًا في صوت الزنانة الذي ارتفع فجأة وصار ينذر بدوي انفجار وشيك. هنا عالم، وهناك عالم..الأصدقاء خارج غزة يرفعون شارات النصر، هنا ، نبحث نحن في الركام عن اليد. هناك يحملون علمًا بطول الشارع، هنا، تمرّ الشاحنات مكدّسة بالجثث.. الأعلام لا تقي من الشمس، والجثث لا تقي من الليل.

تسألني زميلتي: “هل حاولت الخروج من غزة؟” أجيبها: كثيرون من أصدقائي سافروا ولم يخبروا أحدًا بالطريقة. حتى الشعر نفسه كان آخر من خدعني؛ قال لي: “في القصيدة باب للنجاة.” وحين وصلت الدبابات إلى أسفل بيتي، كان قد غادر بهدوء.

أشياء كثيرة تحدث في حياتنا ليس لها تفسير، مثل ابتسامة خالد مشعل، أو مثل الشفق القطبي الذي يرقص في السماء بلا موسيقى. أكفّ عن التفكير وأحاول اقتناص فرصة أخرى للنوم، مستخدمًا حيلًا خاصة اكتشفتها في الحرب: أن أعدُّ صوت القذائف، واحدة، اثنتان، ثلاثون… أحيانًا أنام قبل أن أصل إلى الرقم عشرة، وأحيانًا أستيقظ عند الصفر.

أطلّ من النافذة لاعرف مكان الانفجار ، نصف نائم ونصف مستيقظ. تصرخ زوجتي وتتوسل أن أعود، لئلا يقصفني زورق أو طائرة مسيّرة. أعود إلى السرير. لا شيء سيتغير؛ إن لم أمت هذه الليلة ستعود العصافير صباحًا لتغني فوق نصف المدينة الممسوحة. صباح الخير أيها العالم.

ولكن، هل من الإنصاف أن نلوم العالم؟ ربما لا. فنحن أيضًا، حين نذهب إلى المقابر، ينتابنا إحساس لذيذ بالسكينة ونمتلىء بزرقة السماء والفضاء الفسيح. ليس لذلك تفسير سوى إدراكنا أننا أحياء وهم أموات. ما أقبح الإنسان. صباح الخير… صباح الخير أيها الإنسان الكلب.

أتناول هاتفي لأشكو وأبث حزني إلى الله بمنشور أو قصيدة. بعد ساعات أجد تعليقًا كتبه صديق من زمن الدراسة يعيش في أمستردام، ربما على بعد نصف كيلومتر من “Red District Zone”. يلومني على تعبي من الحرب ويكتب لي: “ومن لم يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.” وتعلّق زميلة أخرى، تعيش في دبي، تحوّلت من العمل في الهندسة إلى صناعة المحتوى كعارضة أزياء، بآية قرآنية عن الصبر والقتال. أشكرهما بعلامة إعجاب.

إحدى فضائل الحرب أنها طوّرت قدرتي على الصبر، وعلى اكتشاف طرق للنجاة من النقاشات الخاسرة.

هل الإنسان بطبعه قبيح إلى هذا الحد؟ لا أعرف. ولكني، كلما تعبت من الحرب، أضع رأسي على حجر
وأقول: هذا سريري.
أضحك من مرارة السخرية،
والحجر يضحك معي،
ثم يسقط فوقي.


///

6- رسالى غانية ملحيس


صديقي العزيز عاهد

أكتب إليك من قلب مثقل بما تمرون به من ويلات وحصار وقتل ودمار. فحينما تختلط الدماء بالرماد، ويعلو صوت الألم على كل ما سواه - يضيق صدر اللغة وتعجز الكلمات، وتبقى قاصرة - مهما بلغت من حرارة - أمام أهوال ما تعيشونه .
غزة - رغم نزيفها المستمر - ما تزال تعطينا وتعطي العالم دروسا في معنى التمسك بالحياة. وسط هذا الخراب الهائل يولد الأمل من بسمة طفل ينجو من تحت الركام، من يد تمتد لتُسعف، من معلم يجمع التلاميذ في خيمة، ومن صحفي يعري أمام العالم وحشية نظام الحداثة المادية العنصرية وخطورة تسيد العقل الأداتي على مصير البشرية.
و الحرب، على قبحها، يا عاهد تكشف ما تعذر علينا فهمه على مدى قرن: العطب الكامن في بنانا الفوقيّة لا يقتصر على فصيل بعينه، بل يطال عموم الطبقة السياسية الفلسطينية والعربية، سلطة ومعارضة . فهم لا يختلفون على الأهداف والسياسات بقدر ما يتنازعون على تبادل المواقع والمغانم. ولا يضيرهم بأي طريق يصلون إلى موقع القرار، فابتسامات القادة البلهاء هي ذاتها في زمن الإبادة. وأوزانهم في زمن التجويع والتعطيش لا تنقص بل تزيد.
والحرب يا عاهد تكشف ،أيضا، أن الناس أنواع: منهم من يرى ذاته محور الكون: فتلك الزميلة لا تتحرّج من سؤالك عن معزوفتها،والأخرى لا يفوتها قبل أن تسأل عن حال غزة إبلاغك أنها تركت الهندسة لتتجه إلى عرض الأزياء، وهما تعلمان أنك تصارع البقاء. والصديق الثالث في أمستردام يجود بالمواعظ حول الصمود، وأغلب الظن أنه يتجول في الحي حيث يسكن على مقربة من “Red District Zone”.
وأظنك تدرك يا عاهد أن الأمر لا علاقة له بكون الأصدقاء في كندا أو دبي أو أمستردام. فمثلهم كثر بجوار غزة ومخيمات وقرى الضفة حيث الإبادة والتدمير على بعد أمتار في رام الله، وحيث المستوطنون وجيش الاحتلال يستبيحون مركزها وبيوتها وبنوكها ليل نهار. ولن نحدثك عن أفراح ومهرجانات وحفلات بيروت حيث تقصف مناطقها من الشمال الى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. وقادتها لا يرون سيادة إلا بنزع سلاح المقاومة . تماما كسلطتنا ونخبنا الذين لا يرون في إبادة وتجويع غزة إلا مبررا لنزع سلاح المقاومة وكسر استعصائها على الخضوع. ولن أسترسل، فكل العواصم العربية سواء . ففي العصر الذي نعيشه، ومنذ أضاع ساسة العرب البوصلة الوطنية والقومية - رغم أن اختراعها ينسب إليهم- سقطت القيم والأخلاق ، وبات تزامن الجنازات مع الأعراس والمهرجانات والحفلات مألوفا ومقبولا. وأصبح الفساد فضيلة ، والخيانة وجهة نظر .
نحن يا عاهد في زمن فتنت فيه الحداثة المادية الغربية النخب، وما عدنا نمير العربي من العبري، إلا بموقع حرف الباء.
لكن الأهم أنكم، أنتم أهل غزة، ما تزالون تعلمونا معنى الوجود ومعنى الكرامة واستحقاق المواطنة، وما تزالون تكتبون النثر والشعر، وتحتفظون بالقدرة على السخرية، حتى ولو كانت سوداء. وهذه القدرة، في حد ذاتها، دليل حياة لا تهزم، ولن تهزم، وإرادة قادرة على البقاء والانتصار.
فلنتمسّك معا بخيط الأمل، مهما بدا رفيعا، لأنه وحده ما يفتح أمامنا أفق الغد.
بوركت أقلامكم التي تحرس الحلم كما تحرس الأرض، حماكم الله وحمى قطاع غزة وأهله البواسل.

==================

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى