مقتطف لطّوف العبدالله - ضِفافُ الشُّحُوب شواطئ الرِّمال

يهرع سيّد الدشراوي بعد أن صحا مِن سكرة الأمس في حانة المتلوي للإمساك بالقطار المتوجِّه نحوَ مدينة أمّ العرائس ،يسند رأسه إلى راس المقعد الذي يجلس عليه، ليساعده في حَمْلِ ما عَسَّشَ في ذلك الرأس مِن أثقال الخمر والهُموم. يغطُّ في نومٍ عميق. كان وهو في تلك الحالة يتراءى له خيال زوجته وقد سبَقَتْه إلى داره وأحْضَرَت له المنّ والسلوى ،وتقدَّمت منه مُعتذرةً عن عدم تفهُّمِها للظروف التي يمرّ بها. رأى في زاوية أخرى من البيت والدَهاوكأنّه مُبدٍ أسَفه لما أقدمت عليه زنبقة من تصرُّفٍ غير مسؤول عندما غادرت البيت غاضبةً من زوجها. انشرحَ صدرُهُ لهذه الأحداث غير المُتوَقّعة،وشَعَرَ بأنّه أحْسَنَ التصرُّفَ في جَرِّها من يَدِها ورَمْيِها في بيت أبيها لتكون عبرة للجميع.
أمْسَكَ بشارِبَيهِ مُسترخيا وكأنّه ولد الباي وبدأت الابتسامةُ تنتشر على مُحيّاه والطربوش الذي يعتلي هامته بدأ يميل مثل أحواله عن وسط رأسه إلى أنْ هبطَ نحو الأرض. استيقظ على خيباتِه المتكرِّرة،فلا الزنبقة حوله ولا المنّ والسلوى بين يَدَيه.
يَتّجِه نحو بَيْتِه بَعْدَ أن غادرَ محطّةَ القطار، يجرّ أذيالَ الخَيْبَة،ويَسْترجع فصول الأحلام التي جاءته في المنام فلا يجِدُ تفسيرا لها، ولكنّه كان مرتاحا لرؤية زوجته ووالدِها وهُما يعتذران له، واستبشرَ خيرا بِقِصّةِ المَنّ والسلوى.
مرّ إلى جاره الطبيب في عيادته لعلّه يَجِد عنده تفسيرا لما رأى. كانت عيادةُ الطبيب تغصّ بالمُراجعين،إذْ لا سبيل إلى الالتفات إلى أحلامه ،ولكنّه وجد بين المُراجعين رَجُلا كانَ يعرفه ،بدأ يتجاذبُ معه أطرافَ الحديث بشأنِ أحوالِ البلاد والعبادِ، كلّما جَرّه صاحبُه للحديث عن مُخرجات مؤتمر ڤفصة عاد به سيّد الدشراوي إلى مايَقترِبُ من موضوع الرؤيا.
يشعرُ سيّد الدشراوي بالخجل من طرح الموضوع مباشرة على الرَّجُلِ. لايريد أن يظهرَ وكأنّه مُنشغِلٌ بهذا الأمر، ولكنّه جاء بالحديث عن الرؤية على سبيل المُزاح،بأنّه أكلَ المَنّ والسلوى صباح اليوم في قطار أمّ العرائس. تَجَهّمَ وَجْهُ الرّجُلِ وتغيّرت ملامِحُه.
أشار الرّجُلُ على سيّد الدشراوي بأن يتبَعَه بعيدا عن سَمَعِ الآخرين وعُيونِهم. استَلّ المُفَسِّرُ سيجارة وأشعلها وأخذ جُرعة بلغ َمداها أقصى خليّة من خلايا الرّئة،ثمَّ زفرها زفرةً غطّى دخانُها العائدُ من أقاصي الرّئة وَجْهُ الدشراوي والفضاءَ المحيط برأسِه.
وبعد تفكُّرٍ قال له :
إنّ المنّ والسلوى هديّتان من السماء أنزلهُما الله على بني إسرائيل. ارتعدت فرائصُ الدشراوي وازدادَ خَوفا من هول ما سمعَ وصارَ وَجْهُهُ مُتَجَهّما ثمَّ أشاحَ به نحوَ الخلوات مُتَفَكِّرا بما بلغتهُ تفاسيرُ الرؤيا.
أكّد له المُفَسِّرُ بأنَّ حدثا سيكون مُدوّيا في حياتهِ، مُتمنّيا أنْ يناله شيئا من الحلوى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى