رسائل الأدباء أربع رسائل من طه حسين الطالب بالجامعة المصرية إلى رئيس الجامعة الأمير أحمد فؤاد

دولتلو أفندم رئيس الجامعة المصرية

أرفع إلى دولتكم وإلى مجلس إدارة الجامعة، أني قرأت في الصحف إعلان الجامعة، أنها سترسل طالبين إلى أوروبا لدرس التاريخ وتقويم البلدان، وأنا شديد الحرص على أن أكون أحد هذين الطالبين، وعلى أن توجِّهني الجامعة إلى فرنسا لدرس التاريخ، واعتقادي أن الجامعة إنما تجعل مقياسها في اختيار الطلبة الكفاءة الحقيقية، وعلى ذلك أتشرف بأن أؤكد لدولتكم ولمجلس الإدارة أن الجامعة قد جعلتني — فيما أعتقد — كفئًا لخدمتها بما علمتني من علم نافع، وما أدَّبتني به من أدب مفيد.
وأنا على يقين أن الجامعة ستستفيد مني كثيرًا إن قبلتني خادمًا لها، وهي لن تجني مني إلا ثمر غرسها الطيب في مصر وفي أوروبا.
نعم، إن الشروط التي تشترطها الجامعة في طلبة الإرساليات ينقصني بعضها، فإني لم أحصل على الشهادة الثانوية، كما أنني مكفوف البصر. ولكني أعتقد أن نقصان هذين الشرطين لا يضرني شيئًا، فأما الشرط الأول: فلا يضرُّني نقصانه؛ لأن ما سمعته في الجامعة من العلم، وما أدَّيته فيها من الامتحان، وما أحرزته من الدرجات العظمى في جميع العلوم التي امتحنت فيها، وهي علوم الجامعة كلها إلا الآداب الأجنبية، وما تشرَّفت به في إثر ذلك من رضا مجلس الإدارة عني، وثناء الأساتذة غائبهم وحاضرهم على كل ذلك، يقوم مقام الشهادة الثانوية، ويزيد عليها من غير شكٍّ ولا ريب، ولا سيما أني شارع في تعلُّم الفرنسية حتى إني لأفهم بها غير قليل، وقد أتممت منها مقدارًا يمكنني من دخول الجامعة في فرنسا بعد أشهر أقضيها هناك. ويضاف إلى ذلك أني أتممت في الجامعة درس تاريخ الشرق القديم، ونلت فيه الدرجة العظمى، ودرس تاريخ الإسلام، ونلت فيه أعظم درجة نالها طالب في الجامعة، ليس بيني وبين النهاية إلَّا درجة واحدة. وأتممت درس اللغات القديمة السامية، ونلت فيها الدرجة العظمى أيضًا، وتلك مزية لم تجتمع لأحد من الطلبة المصريين في مصر، ولست أريد أن أتمدَّح بهذا، وإنما أريد أن أتحدث بفضل الجامعة عليَّ، وأن هذا الفضل يجعلني أكثر الناس كفاءة لدرس التاريخ وخدمة الجامعة فيه.
أما الشرط الثاني: وهو فقدان البصر فليس يمنعني أن أسمع دروس الأساتذة ولا أن أؤديها، أي ليس يمنعني أن أكون طالبًا وأستاذًا، وإذا كان قضاء الله قد قضى عليَّ هذه البلية فقد عوَّضنى منها خيرًا، وأنا أجلُّ المجلس عن أن يتخذ بليَّة كهذه عقبة تحول بيني وبين ما أريد من الخير لنفسي وللجامعة.
حقًّا إن الجامعة إذا قبلت هذا الطلب فستضطر إلى أن تزيد في نفقتي ما يمكنني من الاستعانة بمن يكون معي في فرنسا، ولعمري لئن فعلت ذلك، فليس بضائرٍ لها، بل هو يدل على كرم نفس وعلى تضحية في معونة من يحتاج إلى الإعانة والتعضيد. على أني مستعد لأن تسترد الجامعة مني بعد عودتي من أوروبا ما أنفقته عليَّ زيادة على النفقات العادية تأخذه من مرتبي أقساطًا، وما أظن الجامعة تكره أن تتفضل عليَّ بهذا القرض الجميل.
لذلك كله أرفع إلى دولتكم وإلى مجلس الإدارة هذا الطلب راجيًا أن تتفضلوا بقبوله، ولكم الشكر الجميل والثناء المحمود.

طه حسين
طالب بالجامعة المصرية

***

دولتلو أفندم رئيس الجامعة المصرية

أرفعُ إلى دولتكم وإلى مجلس الإدارة أني كنت قد طلبت إلى الجامعة الإذن لي في أن أكون من إرساليتها في أوروبا، ورفض المجلس هذا الطلب في جلسته الأخيرة لأنه يخالف قانون الإرسالية، وإني لأعلم حق العلم قبل أن أرفع طلبي ذلك إلى دولتكم وإلى المجلس أنه يخالف القانون، ولكني طلبت الاستثناء ورغبت فيه لما بيَّنت في ذلك الطلب من رغبتي في العلم وحرصي على خدمة الجامعة، ولما اكتسبت بفضل الجامعة عليَّ من المزايا التي تؤهلني لبلوغ هذه المنزلة؛ ولست أنكر على المجلس رفضه لهذا الطلب فإنه لم ينفذ إلا القانون، وما كان تنفيذ القانون بالأمر الذي يُنكَر أو يُعاب، غير أني أعيد هذا الطلب إلى المجلس راغبًا في أن يعيد النظر فيه، فإنه لم يرفض ذلك الطلب بالماضي إلا لأمرين مجتمعين أو كلٍّ منهما على حدة:
الأول: أني لا أحمل الشهادة الثانوية لأني مكفوف البصر، ولكن المجلس أجلُّ عندي من أن يحسب لهذا الأمر حسابًا، فإنه لا يمنعني أن أكون طالبًا وأستاذًا، بدليل أن المجلس نفسه يقبلني طالبًا منتسبًا في الجامعة؛ أسمع دروسها، وأجوز امتحاناتها، وأنال شهادتها، وإذا كانت الطبيعة قد حالت بيني وبين كثير من نعيم الحياة، فما ينبغي أن تكون الجامعة عونًا للطبيعة على حرماني لذَّة الانتفاع بالعلم والنفع به، مع أنها تعلم أني على ذلك أقدر ما أكون.
الثاني: احتياج الجامعة إذا أرسلتني إلى أن تنفق عليَّ أكثر من نفقتها العادية على طلابها في أوروبا، وأنا أعترف بأن للجامعة الحقَّ في تقدير هذا المانع المالي ومراعاته، وأن لها ألا تشتري خدمتي بهذا الثمن الغالي؛ لأني لا أستحقَّه، ولأنها لا تجده.
ولذلك أتشرف بأن أرفع إلى المجلس من جديد أني لا أطلب من النفقات إلَّا المقدار الذي يطلبه غيري من الطلاب، وعليَّ أن أقوم بما أحتاج إليه مما يزيد على هذا المقدار، فلعلَّ ذلك كله يشرفني بقبول المجلس طلبي هذا مقدرًا حرصي على طلب العلم في غير مصر مع ما أحتمله في سبيل ذلك من الآلام والعناء، فإن هذا أدعى إلى قبول الطلب وتقريره مع الشكر الجميل والثناء الجزيل.
٥ مارس سنة ١٩١٣

طه حسين


***

صاحب السعادة رئيس الجامعة المصرية

أعود الآن فأرفع إلى سعادتكم وإلى مجلس إدارة الجامعة رغبتي في السفر إلى أوروبا لدرس العلوم الفلسفية أو التاريخية موفَدًا من قِبَلِ الجامعة، بعد أن رفضت هذا الطلب في السنة الماضية؛ فقرر مجلس الإدارة تأجيل سفري إلى هذه السنة ريثَمَا أقوى في اللغة الفرنسية، وإذا كنت قد وصلت من هذه اللغة إلى مقدارٍ لا بأس به، وسأتقدَّم في هذه السنة لامتحان شهادة العالمية في قسم الآداب، فأنا أرجو أن يتفضَّل مجلس الإدارة فيوفي لي وعده الكريم مع الشكر والثناء.
١٩ يناير سنة ١٩١٤

طه حسين

***

صاحب العطوفة رئيس الجامعة المصرية

كانت هذه الحرب الحاضرة مؤخِّرًا لي عن السفر إلى باريس والالتحاق بطلبة إرسالية الجامعة، كما قرَّر مجلس الإدارة، وإذ كنت خرِّيج الجامعة، وقد استفدت منها وتخصصت لها، وأنا مضطرٌّ إلى أن أبقى بمصر ريثما تنتهي هذه الحرب، فقد أردت أن أمضي هذه السنة في تدريس تاريخ الآداب العربية في الجامعة بغير أجر. وأعتقد أني قادر بمعونة الله وقديم فضل الجامعة على أن أفيد الطلاب ونفسي بهذا الدرس فائدةً حسنة، وأبعث في الآداب وتاريخها شيئًا من الحياة غير قليل، فإذا راق هذا الاقتراح لمجلس الإدارة، فأنا أرجو أن يتفضل فيقرِّرني «كذا» مدرسًا لهذه المادة في الجامعة ريثما تنتهي الحرب، وله الشكر والجميل.
وعرض

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى