رسائل الأدباء رسالتان من غانية ملحيس إلى اكرم الصوراني

1-

الصديق العزيز أكرم

قرأت مقالك المدهش كأنني أفتح خريطة لوجع لا يقرأ في نشرات الأخبار ولا في تقارير المنظمات. فالمقال لا يقرأ بصمت، بل يشهر وجعه علينا جميعا، كصفعة على وجه البلادة.

لقد منحت للحرب لغة جديدة، لغة الناس وليس العسكر، لغة الجوع وليس الاستراتيجيات، لغة الأم التي نشف الحليب في صدرها، وليس لغة المحاور الدولية. وأعظم ما في مقالك أنه نزع الحرب من احتكار “التحليل السياسي”، وردّها إلى مكانها الحقيقي - بين البطون الفارغة، والطفولة التي نسيت حرف الألف، والناس الذين يقولون“بطّلت تشبههم البلد”.

لكن، ورغم صرخة الصدق التي يفيض بها المقال، أظن أن هذه الجرعة الكثيفة من السواد، وإن كانت واقعية تماما، قد تسد أحيانا نوافذ الأمل في وجه من يقاوم كل يوم رغم هذا الخراب المتراكم.

نحتاج لهذه الكتابة، نعم، لكننا نحتاج معها أيضا إلى جملة تقول: “ورغم كل هذا، ما نزال نحب ونتزوج وننجب ، ونغني، ونحلم، ونبني خيمة من غضب وكرامة.”

شهادتك يجب أن تُقرأ وتدرس، لأنها تذكّرنا أن الحرب ليست فقط ما نراه، بل ما لا يُرى… وما لا يُحتمل.
ولعل الخطوة التالية هي أن نحول هذا الوجع إلى طاقة لا تهد فقط، بل تصرخ، وتنظم، وتؤسس لمعنى جديد للحياة، حتى وسط الموت.
دمت شاهدا وكاتبا لا يكتفي بالبكاء، بل يشهر الألم في وجه الجميع كي لا ننسى.

كل المودة والتقدير

Ghania

***

2-

صديقي وابني الغالي أكرم
وأنا أقرأ مقالك المبهر، شعرت وكأنك تأخذني معك ومع الأحبة أماني وخالد وكارمن في رحلة وداع عبر البيت، وقد حوّلته بقدرة وصفك إلى كائن حيّ ينبض بالذكريات، يئن، يضحك ويبكي. كل زاوية فيه تحكي قصة، وكل ركن ما يزال يحمل نبض روح لم تفارق المكان رغم النزوح، ما بين الدرجات والجدران، بين الطناجر والصواني، وبين الألعاب والكتب التي رافقت صديقي والدك غازي الصوراني عقودا طويلة.

لم أقوَ على حبس دموع طالما استعصت حتى في أقسى الظروف التي مررت بها، كما مرّ بها كل الفلسطينيين الذين حوّلتهم المجازر المتتالية إلى رُحَّل لا يكادون يألفون مكانا حتى يضيق بهم. ورغم أنني خبرت التهجير أربع عشرة مرة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وأنا أحمل رامي ابن العامين وأربعة أشهر، وريم ذات الأشهر العشرة ، فيما يرافق رمزي الوالد عرفات، الذي كانت تطارده طائرات شارون، فإنني لم أمتلك حتى ترف الانهيار. كان عقلي يلاحق زوجي، وروحي ممزقة بينه وبين من أحملهم بيدي ولا أستطيع أن أضع أحدهم خشية أن تصطاد صواريخ العدو أحدنا وتستثني الباقين.

كلماتك وأنت تودّع البيت جعلتني أستحضر كل تلك اللحظات، وكأننا نشهد تشييعا ليس لمكان فحسب، بل لتاريخ وذكريات صغيرة هي التي صنعت حياتنا.

لكن، يا أكرم، بين طيات الحزن العميق يظل هناك وميض أمل لا يخفى. في صمت الأشياء، في صبر الزوايا، في التمسك باللحظات الأخيرة، تنبض حياة لم تنطفئ. فالبيت، مهما خلا من الأصوات، لم يفرغ من الروح. الذكريات التي حملتها أماني معنا تصرخ بأن الفقد ليس نهاية، بل دعوة للعودة إلى ما نحب، لإعادة بناء ما نستطيع، ولتثبيت جذورنا مهما انهار من حولنا.

أروع ما في كلماتك أنك تذكّرنا بأن البيوت ليست جدرانا ولا الأثاث أدوات، بل هي المكان الذي نحمله في قلوبنا. وفقدانها، مهما كان مؤلما، لا يقتل الروح ولا يطفئ الحنين، ولا يمنعنا من الحب والحلم والابتكار. في النهاية هناك وعد صامت بأن النور سيعود، وأن الروح ستجد طريقها دوما إلى الحياة، مهما تعثرت الخطوات، ومهما بكى الدرج والمكتبة والدبدوب معا.

لقد عشنا نحن عقودا كما يقول زوجي “عمرا زائدا”، ويسكننا أمل في أن تتمكنوا أنتم، أبناؤنا، من بناء وطن تُشيّدونه بالحب والعزم، وتحرسونه بالإمساك بالبوصلة والثبات على الأهداف، ومنع حرفها باسم “الحكمة” أو “الواقعية السياسية”.

حماكم الله، وحمى ما تبقى من قطاع غزة وأهله الأعزاء.
ولتعلم يا أكرم أن كل بيت يهدم إنما يترك بذرة لوطن أكبر في قلوبنا، وأن كل وداع هو في جوهره وعد بلقاء جديد، أبهى وأقوى. وما دام فينا هذا الحنين، وفيكم أنتم الشباب هذه الإرادة، فإن البيوت ستعود، والوطن سيُبنى، والذاكرة ستظل حارسة للأمل، حتى ينهض من بين الركام جيل يعرف كيف يحوّل الحنين إلى فعل، والفقد إلى بداية جديدة.

Ghania

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى