د. محمد سعيد شحاتة - أقنعة الذات وصدمات الطفولة... قراءة في البنية النفسية لشخصية يسري عمراني في "تغريدة البجعة"

تبدو رواية "تغريدة البجعة" في جوهرها اعترافًا سرديًا ممتدًا، يقوم به الراوي (يسري عمراني) في محاولة لفهم ذاته أو كتابة نهايته أو تبرير عزلته. ومن منظور التحليل النفسي، تتجلى الرواية كمسرح داخلي مكتظ بالقلق، والرغبات المكبوتة، والخذلان، والشعور باللاجدوى.
1 – يسري عمراني: الذات المعذبة
البطل يسري، الراوي الذي يروي عن نفسه بصوت خافت، ساخر، منهك، هو نموذج للذات المهزومة، التي تتآكل من الداخل (لم أكن أرتكب شيئًا يستحق اللوم، فقط كنت أتهرب من كل شيء، حتى من الوقوف أمام المرآة) في هذا المقطع، نرصد علامات الانسحاب من الواقع، وغياب الأنا الفاعلة، وتحول الذات إلى مجرد متلقٍّ سلبي للعالم. ووفقًا لمدرسة فرينش في التحليل النفسي، فإن هذا الانسحاب يعبر عن استجابة عصابية للهزيمة، حيث تتكثف طاقة الذات في داخلها خوفًا من الألم الخارجي.

1754684711367.png

2 – الصدمة واللاوعي
تعج الرواية بالإشارات إلى الطفولة المضطربة، والخيبات العاطفية، وانهيار الصداقات، وكلها تمثل مكونات لعُقد نفسية متراكمة، تظهر في سلوك يسري، الذي يتأرجح بين الحنين والنفور (أفتقد سلمى، لكني لا أستطيع رؤيتها. أكتب عنها، ثم ألعنها. أريدها وأكرهها في الوقت ذاته) هنا تتجلى الازدواجية النفسية: التعلق والانفصال، الحب والنبذ، وهي مشاعر مألوفة في اضطرابات التعلق العاطفي التي تنشأ عن تجارب الهجر المبكرة، وهي حالة تصفها "ميلاني كلاين" بأنها تكرار لصراع "الاحتواء والنبذ" بين الطفل وأمه.
3 – المرأة: رمز الرغبة والخوف
العلاقات النسائية في حياة يسري لا تنبني على حب مستقر، بل على رغبة متوترة، وحضور دائم للخذلان (كل النساء يرحلن، وكل الوعود كذبة. سلمى، رشا، فريدة... نساء مررن بي كالزلازل) يمكن قراءة النساء في حياة البطل – في ضوء نظرية جاك لاكان – بوصفهن "الآخر الكبير" الذي يسعى إلى امتلاكه دون نجاح. فكل علاقة تحمل في جوهرها فقدًا مسبقًا؛ إذ إن الرغبة – في نظر لاكان – لا تُشبع أبدًا، بل تؤجل دائمًا.
4 – العزلة والاكتئاب: استراتيجيات دفاع
الانعزال في الرواية ليس فقط مكانيًا (العيش في غرف ضيقة)، بل نفسيًا أيضًا. فالبطل يعيش في قوقعته، لا يرى قيمة للعالم، ويخشى الانخراط فيه (الكتابة صارت كالتنفس، لكنها لا تُنقذني، بل تُذكرني أكثر بأنني لم أعد جزءًا من شيء) هذه السطور تمثل الاكتئاب الوجودي، الذي لا يُفسَّر بيولوجيًا، بل بوصفه انعكاسًا لغياب المعنى وفقدان الانتماء، تمامًا كما وصفه "فيكتور فرانكل" في مفهومه عن "الفراغ الوجودي".
5 – الحنين واللاعودة
يسري عمراني يسترجع الماضي، لكن استرجاعه ليس رغبة في العودة، بل هو اجترار تعذيبي. فالذكريات تتحول إلى مصدر للألم، لا للراحة (أتذكر شوارعنا القديمة، ضحكاتنا، سهراتنا... ثم أغلق الستارة، وأنسى أنني ما عدت أملك أحدًا) إن هذا النوع من الحنين المرضي يتوافق مع ما يسميه فرويد "النوستالجيا القهرية"، التي تدفع الذات إلى تدمير حاضرها بفعل ماضٍ لم يُشفَ.
رواية تغريدة البجعة – إذن – تمثل خريطة دقيقة لانهيار الذات المعاصرة تحت وطأة التهشيم الاجتماعي والسياسي، لكنها تُقدَّم من الداخل، حيث تتآكل الهوية، وتتكسر الرغبة، ويُفرغ الحب من معناه. ويسري عمراني ليس مريضًا بالمعنى الطبي، لكنه محمّل بتاريخ نفسي مهشم، يعبر عنه بـالاعتراف المتشظي"، فتتحول الرواية إلى تحليل نفسي سردي متوتر يحاكي لغة اللاوعي أكثر من منطق السرد التقليدي.
هذه الرواية ليست مجرد قصة تُروى، بل نصٌّ يمارس التدمير البطيء لذاته من الداخل، حيث تتفكك اللغة، وتتشظى الهوية، وتختفي الحقيقة خلف طبقات من الأصوات المتداخلة، والتأويلات المؤجلة.

_________________________________
ثمة أنماط أخرى للتأويل تأتي لاحقا إن شاء الله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى