مقتطف العَبْدَ اللّه - مونبرناس...

أدب الرحلة



وبعد أن أكمل الرّجُلُ مراسم دفن جثث التحدّيات، أسرع نحو قاعة الاجتماعات التي اشتعل النقاش فيها منذ حين حول حوار الحضارات.
كان صدر الرجل يلتهب حماسة لنقاش الموضوع، لأنّ لديه ما يقول في هذا الأمر فهو الحامل لأسرار الشرق كلّه.
لقد امتهن فن الخطابة والتناكُف، وحفظ الشعر والأمثال والحِكَم، وتمهّر في توليد الشعارات، وتحذّق في بثّها أمكنة وازمنة.
كما أنّهم خبروه في ذلك، وأدركوا كفاياته وحذقه في هذه الأمور. بل إنّهم صاروا ينتظرون هذه اللقاءات الموسمية للاستماع والترفيه.
لم تعد تقلهم كما كانت أيّام زمان. فقد عرفوا حدوده. ورحم الله من عرف حدّه ووقف عنده.
عندما رأوا إطلالته البهية وهو يدخل القاعة متبخترا، استبشروا خيرا بقدوم البهجة، إنّهم يعيشون لحظة الانتظار للحصول على المداخلة. وما أن أومأ له رئيس الجلسة بتناول الكلمة، حتّى تخلّى عن حقيبته التي التي يدفن أشياءه في قلبها وأسندها إلى جواره بهدوء الرحيم على أشلاء من فيها. أمسك مسكة غليظة براس الميكروفون، وتأمل في الحاضرين، وتفرّس في وجوههم برهة من الزمن وكأنّه الحَجَّاج بن يوسف الثقفي بعدما اعتلى منبر الكوفة في أوّل خطبة له، حين ولاه الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان على العراق، وبدأها بهذا البيت المشهور "أنا ابنُ جَلَا وطلّاعُ الثَّنَايا... متَى أضَعِ العِمامَةَ تَعرِفُوني".
وقد تمثّل الحَجَّاج هذا البيت من الشعر وهو ليس له وإنّما للشاعر سُحيم بن وَثِيل.
تنحنح الرجل، وبدأ يصول ويجول، مُعَرِّفَا بالحوار لغةً وبالحضارة مصطلحا، وغاص في أعماق التاريخ مستشهدا بالحوادث على عظمة أمّته وتاريخها التليد: أبجدية واكتشافا وعلوما وقيما راسخةً في التسامح والإباء والرحمة. ثمّ اختتم بخلاصة مفادها أنّ الحوار لا يكون ناجحا إلاّ إذا كان بين طرفين متكافئين في الحال، وسوى ذلك إملاءات من ناطق على كاتب. صُدِم البعض، وصفق الآخر للنتيجة التي توصّل إليها الرجل.
تابع حديثه بعد أن عاد الهدوء إلى القاعة رافعا وثيقة في وجه الجميع تتضمّن القرارات التي أصدروها بالأمس بشأن التحدّيات في القاعة المجاورة. وبيّن بالحجة والدليل التفاوت العميق بين تحدّياته وتحدّياتهم، وما أوصوا به لردم الفجوات بينه وبينهم. وبالتحليل والرقم والبيان أظهر غياب
التكافؤ بين المتحاورين. ثمّ أعاد الوثيقة إلى محفظته لتغطّ في نوم عميق مع صويحباتها.




Messenger_creation_C3B371EE-EB85-4D51-B624-A26B59F206BB.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى