حكى النّرجس ...قال ..قال : كان فيما رَوَتْ "عنق حمام" للزّناتي خليفة ، قالت :
كان يا ما كان من نوبات جنون السلطان :
" ...يُروى يا سيّدي خليفة ، أنّ سلطانا من سلاطين الزمان، طغى وتجبّر، وملأ البلاد ظلمًا وقهرًا، حتّى صار اسمه يثير الرعب في القلوب، وكان قصره آية في الفخامة؛ جدرانه من المرمر الأبيض، وسقوفه مطعّمة بالذهب، وأبوابه من خشب الأرز المرصّع بالجواهر، فإذا دخلتَ إليه حسبت نفسك في الجنّة لولا وجوه الحراس العابسة.
لكنّ السلطان، رغم ما يملكه من القصور والمآدب والجواري، كان قلبه مريضا بالنرجسية بالملل.
وذات يوم، جلس على عرشه العاجي يتأمل سقف المجلس، وأخذ يضرب الأرض بقدمه، وقال بصوت ضجر:
ــــــ " يا حراس! اجمعوا لي الرجال من كلّ أطراف السلطنة… أريد أن أسألهم سؤالا، فمن يجيبني أصطفيه، ومن يعجز… فله ما يستحق."
انتشر الحراس في المدن والقرى، يركبون الخيل كأنّهم غيث نازل، وجاؤوا بالشيوخ الحكماء، والشباب النجباء، وأصحاب العمائم العريضة واللّحى الكثيفة. وقفوا في صفوف طويلة أمام السلطان، وعيونهم تتطلّع إلى ما سيسفر عليه ظلمه .
رفع السلطان صوته قائلا :
ــــــ جاوبوني يا ناس " ربي واش يظل يعمل؟"
ساد الصمت…
تبادل الحاضرون النظرات، وكل منهم يخشى أن يتفوّه بكلمة تغضب السلطان فتكون نهايته.
أعاد السلطان السؤال مرتين وثلاثا، لكن لم ينبس أحد ببنت شفة. فمن ذا الذي يجرؤ على السلطان ، ومن ذا الذي يدري بغيب سلطان السلاطين ؟!
اقترب كبير الحراس وقال :
ــــــــ مولاي… لم يبق أحد لم يُسأل، إلا شاب فقير، درويش، على باب الله، لا يملك شيئا ولا يخاف على شيء .
ابتسم السلطان في خبث وقال :
ــــــ "هو! جيبوه… لعلّ الله أجرى الحكمة على لسانه."
فجاؤوا بالشاب، بثيابه الرثّة، ووجهه النحيل، لكن في عينيه بريق لم يخطئه السلطان .
وقف أمام العرش، وأدى التحية بثبات عجيب .
قال السلطان :
ــــــ "أجبني يا فتى… ربي واش يظل يعمل؟"
ابتسم الشاب وقال بجرأة لم يتوقعها أحد :
ــــــ "مولاي… ما نجاوبكش حتى تجي لعندي وتقرّب."
ضجّ البلاط بالهمس، واستلّ الحراس سيوفهم، لكنّ السلطان أوقفهم بإشارة حادة، وكأنّ فضوله قد غلب كبرياءه . نهض من عرشه بخطى ثقيلة، وما إن اقترب، حتى انطلق الشاب كالسّهم، وصعد على العرش، وجلس فيه متربعا!
شهقت القاعة كلّها، وتجمّد الحراس في أماكنهم . قال السلطان مزمجرا :
ـــــــ أجننت أيها الدرويش؟!
ابتسم الشاب وقال :
ــــــ "مولاي… أنت سألتني: ربي واش يظل يعمل؟ و أنا جاوبتك : ربي يظل يْطَلَّعْ من كان هابط… ويْهَبَّطْ من كان طالع. وأنا ميت في كل الأحوال، فلا أموت إلا وأنا سلطان."
ساد الصمت المهيب، حتّى سُمعت دقات القلوب، ثم فجأة… انطلقت من فم السلطان ضحكة مدوية، ضحك حتى مال رأسه للخلف، وارتجّ سقف القاعة من شدّتها. ثمّ وقف أمام الجميع، ورفع يده قائلا :
ـــــــ " أقسم بالذي خلق السماوات والأراضين ،أن لن أقيمه من هذا الكرسي إلا إذا كان شريكا لي في الحكم!"
ثمّ استطرد قائلا :
ـــــــ "من اليوم، له نصف سلطنتي، ونصف مالي، و له من مصاهرتي ابنتي . حمّموه ، وألبسوه الحرير ، و أعدّوه كما يعدّ السلاطين ."
دُهش الحاضرون، فمن كان قبل لحظات درويشا على باب الله، غدا في طرفة عين أميرا يملك نصف البلاد، وزوجا لأجمل بنات السلطان .
أقيمت الأفراح في القصر أربعين ليلة، وذاع الخبر في كلّ أرجاء السلطنة، وصار الناس يروُون القصة في الأسواق والمجالس " كيف أنّ الجرأة إذا اجتمعت مع الحقّ ، غيّرت مصير رجل، وربّما مصير أمم " . قيل أنّ الشاب، بعد أن صار أميرا، لم ينس فقره، فكان يحكم بالعدل، يرفع المظلوم، ويضع الظالم، كما فعل به القدر في يومه ذاك .
حرّكت رأسها وقالت :
ــــــ إييييه يا سيّدي خليفة ، إن الله إذا أراد رفع عبد من قاع المهانة، حمله على أجنحة لطفه حتّى يُجلسه على عرش العزّ، وإذا شاء أن يُذلّ من استعلى بغير حقّ، نَزَعه من عليائه نَزْعا حتّى يَسقط من قمّة مجده إلى قاع الخِزْي، فالعزّة بيده وحده، والذلّ بيده وحده، يُداول الأيام بين الناس ليعلّمهم أن السلطان له وحده والبقاء والدوام له وحده .
قالت كلامها بجفنين متثاقلين ، ثم أردفت :
ـــــ الحديث حلا يا سادة ، العينين طلبوا النعاس والرّاس طلب الوسادة .
كان يا ما كان من نوبات جنون السلطان :
" ...يُروى يا سيّدي خليفة ، أنّ سلطانا من سلاطين الزمان، طغى وتجبّر، وملأ البلاد ظلمًا وقهرًا، حتّى صار اسمه يثير الرعب في القلوب، وكان قصره آية في الفخامة؛ جدرانه من المرمر الأبيض، وسقوفه مطعّمة بالذهب، وأبوابه من خشب الأرز المرصّع بالجواهر، فإذا دخلتَ إليه حسبت نفسك في الجنّة لولا وجوه الحراس العابسة.
لكنّ السلطان، رغم ما يملكه من القصور والمآدب والجواري، كان قلبه مريضا بالنرجسية بالملل.
وذات يوم، جلس على عرشه العاجي يتأمل سقف المجلس، وأخذ يضرب الأرض بقدمه، وقال بصوت ضجر:
ــــــ " يا حراس! اجمعوا لي الرجال من كلّ أطراف السلطنة… أريد أن أسألهم سؤالا، فمن يجيبني أصطفيه، ومن يعجز… فله ما يستحق."
انتشر الحراس في المدن والقرى، يركبون الخيل كأنّهم غيث نازل، وجاؤوا بالشيوخ الحكماء، والشباب النجباء، وأصحاب العمائم العريضة واللّحى الكثيفة. وقفوا في صفوف طويلة أمام السلطان، وعيونهم تتطلّع إلى ما سيسفر عليه ظلمه .
رفع السلطان صوته قائلا :
ــــــ جاوبوني يا ناس " ربي واش يظل يعمل؟"
ساد الصمت…
تبادل الحاضرون النظرات، وكل منهم يخشى أن يتفوّه بكلمة تغضب السلطان فتكون نهايته.
أعاد السلطان السؤال مرتين وثلاثا، لكن لم ينبس أحد ببنت شفة. فمن ذا الذي يجرؤ على السلطان ، ومن ذا الذي يدري بغيب سلطان السلاطين ؟!
اقترب كبير الحراس وقال :
ــــــــ مولاي… لم يبق أحد لم يُسأل، إلا شاب فقير، درويش، على باب الله، لا يملك شيئا ولا يخاف على شيء .
ابتسم السلطان في خبث وقال :
ــــــ "هو! جيبوه… لعلّ الله أجرى الحكمة على لسانه."
فجاؤوا بالشاب، بثيابه الرثّة، ووجهه النحيل، لكن في عينيه بريق لم يخطئه السلطان .
وقف أمام العرش، وأدى التحية بثبات عجيب .
قال السلطان :
ــــــ "أجبني يا فتى… ربي واش يظل يعمل؟"
ابتسم الشاب وقال بجرأة لم يتوقعها أحد :
ــــــ "مولاي… ما نجاوبكش حتى تجي لعندي وتقرّب."
ضجّ البلاط بالهمس، واستلّ الحراس سيوفهم، لكنّ السلطان أوقفهم بإشارة حادة، وكأنّ فضوله قد غلب كبرياءه . نهض من عرشه بخطى ثقيلة، وما إن اقترب، حتى انطلق الشاب كالسّهم، وصعد على العرش، وجلس فيه متربعا!
شهقت القاعة كلّها، وتجمّد الحراس في أماكنهم . قال السلطان مزمجرا :
ـــــــ أجننت أيها الدرويش؟!
ابتسم الشاب وقال :
ــــــ "مولاي… أنت سألتني: ربي واش يظل يعمل؟ و أنا جاوبتك : ربي يظل يْطَلَّعْ من كان هابط… ويْهَبَّطْ من كان طالع. وأنا ميت في كل الأحوال، فلا أموت إلا وأنا سلطان."
ساد الصمت المهيب، حتّى سُمعت دقات القلوب، ثم فجأة… انطلقت من فم السلطان ضحكة مدوية، ضحك حتى مال رأسه للخلف، وارتجّ سقف القاعة من شدّتها. ثمّ وقف أمام الجميع، ورفع يده قائلا :
ـــــــ " أقسم بالذي خلق السماوات والأراضين ،أن لن أقيمه من هذا الكرسي إلا إذا كان شريكا لي في الحكم!"
ثمّ استطرد قائلا :
ـــــــ "من اليوم، له نصف سلطنتي، ونصف مالي، و له من مصاهرتي ابنتي . حمّموه ، وألبسوه الحرير ، و أعدّوه كما يعدّ السلاطين ."
دُهش الحاضرون، فمن كان قبل لحظات درويشا على باب الله، غدا في طرفة عين أميرا يملك نصف البلاد، وزوجا لأجمل بنات السلطان .
أقيمت الأفراح في القصر أربعين ليلة، وذاع الخبر في كلّ أرجاء السلطنة، وصار الناس يروُون القصة في الأسواق والمجالس " كيف أنّ الجرأة إذا اجتمعت مع الحقّ ، غيّرت مصير رجل، وربّما مصير أمم " . قيل أنّ الشاب، بعد أن صار أميرا، لم ينس فقره، فكان يحكم بالعدل، يرفع المظلوم، ويضع الظالم، كما فعل به القدر في يومه ذاك .
حرّكت رأسها وقالت :
ــــــ إييييه يا سيّدي خليفة ، إن الله إذا أراد رفع عبد من قاع المهانة، حمله على أجنحة لطفه حتّى يُجلسه على عرش العزّ، وإذا شاء أن يُذلّ من استعلى بغير حقّ، نَزَعه من عليائه نَزْعا حتّى يَسقط من قمّة مجده إلى قاع الخِزْي، فالعزّة بيده وحده، والذلّ بيده وحده، يُداول الأيام بين الناس ليعلّمهم أن السلطان له وحده والبقاء والدوام له وحده .
قالت كلامها بجفنين متثاقلين ، ثم أردفت :
ـــــ الحديث حلا يا سادة ، العينين طلبوا النعاس والرّاس طلب الوسادة .