أ. د. عادل الأسطة - صنع الله إبراهيم (1--2)

- صنع الله إبراهيم
ما من مهتم بالأدب من جيلي - المولود في خمسينيات القرن العشرين - إلا قرأ رواية أو أكثر للكاتب المصري صنع الله إبراهيم ، فإن لم يقرأ ، وكان يساريا يتابع ما يكتبه الناقد المصري المرحوم محمود آمين العالم ، فقد قرأ نقده لرواياته " تلك الرائحة " و " نجمة أغسطس " و " اللجنة " . وأرجح أن ما من مكتبة مثقف عربي يساري تخلو من أكثر روايات صنع الله .
وما من متابع لما يكتب من نقد عن الروايات المذكورة إلا قرأ مقالة أو دراسة يقارن فيها كاتبها بين الكاتب التشيكي ( فرانز كافكا ) و صنع الله ، وأخص هنا رواية " اللجنة " حيث الأجواء الكابوسية تحضر فيها وتذكر برواية " القضية " للأول .
وأذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ، فما من قاريء للرواية المصرية إلا يعرف منع رواية من الروايات الثلاثة في الزمن الناصري - حكم جمال عبد الناصر .
سجن صنع الله إبراهيم في الحقبة الناصرية مع من سجنوا من الشيوعيين ، وزج به خمس سنوات في سجن الواحات وكتب يوميات - من ١٩٥٩ إلى ١٩٦٤ ، وعندما خرج لم يتحول إلى عدو لجمال عبد الناصر .
في فلسطين طبعت بعض دور النشر لصنع الله روايته " بيروت .. بيروت " التي كتبها عن المدينة بعد أن زارها ، فوثق ما عاش مجددا في أسلوبه الذي صار يعرف به ، وهو أسلوب الروائي المؤرخ الموثق ، ثم تتالت أعماله ، فكتب " شرف " التي ثارت ، في منتصف تسعينيات القرن العشرين ، حولها ، ضجة واسعة اتهم صنع الله فيها بأنه سرق الرواية التي تجري أحداثها في السجن من كاتب مصري آخر . وكتب " وردة " عن ظفار في سلطنة عمان و " أمريكانلي : أمري كان لي " التي أتى فيها على استاذ تاريخ مصري تستضيفه جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية ليتحدث عن دراسته التاريخ . وقد لفتت الرواية انتباهي فكتبت عن صورة اليهود فيها وعن كتابة التاريخ على الطريقة الأمريكية موازنا بينها وبين رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " .
من لم يسمع بالكاتب من خلال أعماله عرفه من رفضه تلقي جائزة الدولة المصرية في العام ٢٠٠٣ ؛ الجائزة التي بلغت قيمتها ، في حينه ، مائة ألف جنيه مصري كان صنع الله بحاجة إليها . لقد قلب الدنيا يومها ولم تقعد إلا بعد حين ، إذ كيف يرفض تلقي جائزة من رئيس الجمهورية المصرية ؟
وقف صنع الله على المنصة ليلقي كلمة توقع الحاضرون أن تكون احتفالا بقبول الجائزة ومديحا للرئيس المصري المرحوم حسني مبارك . كان اجتياح القوات الإسرائيلية يومها لمدن الضفة الغربية في ذروته ، وصمتت الأنظمة العربية ولم تفعل شيئا ، ما أشعر الروائي بالإهانة ، وهكذا رفض تسلم الجائزة وعاد إلى شقته .
فيما كنت أعرفه من أخبار عن حياته أنه آثر العزلة والمكوث في شقته المتواضعة يقرأ ويكتب .
صنع الله إبراهيم وداعا
١٣/٨ / ٢٠٢٥

***

- صنع الله إبراهيم ورفض الجائزة :

هل تأثر صنع الله إبراهيم في رفضه جائزة ملتقى الرواية العربية عام ٢٠٠٣ بما كان كتبه في / يكتبه في روايته " امريكانلي ( امري كان لي ) " ؟
في الرواية المذكورة الصادرة في العام ٢٠٠٣ نقرأ ما ورد على لسان شكري عن جوائز الدولة وقبول المثقفين لها .
شكري يتكيء على مقال الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي الذي نشره بعد أسبوع من تسلمه الجائزة. .
رأى حجازي أن وصول الثوريين إلى السلطة عادة أنهم تقدموا في السن وأصبحوا أكثر مرونة وتنازلا ، وفي كلمات أخرى أصبحوا واقعيين يقبلون الممكن ويقابلون أعداءهم في منتصف الطريق ، ثم تساءل عما إذا كان هذا ينطبق على الثقافة .
هل قدم حجازي إجابة شافية ؟
لا ، ولكنه أشار لطه حسين والعقاد ، وإشارته مهمة من حيث مكانتهما في قمة المؤسسة الثقافية ، وسبق حصولهما على نفس الجائزة . الأول صار وزيرا ومن أعمدة النظام السابق على الثورة والثاني تصدى للملك في البرلمان وتعرض للسجن ثم أصبح قريبا من السفارة البريطانية فالأمريكية وحصنا لكل الأفكار الرجعية في الثقافة قبل السياسة ... .
في الرواية أتى صنع الله على قصة المفكر والعبقري جمال حمدان الذي اعتزل الحياة ، محتجا على سياسة أنور السادات وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد _ السلام مع إسرائيل ، وفضل الابتعاد عن المؤسسة ليظل وفيا لأفكاره ومواقفه .
هل سار صنع الله إبراهيم على خطى جمال حمدان ؟
لمن يريد أن يقرأ أكثر فليقرأ صفحة ٤٥٣ من الرواية .
خربشات ١٤ / ٨ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى