مقتطف د. لطّوف العبدالله - سقراط ڤفصة...

زنقة سُدّت نهايتها بإحكام على القاطنين فيها و لم يبق أمامهم سوى منفذ إجباري وحيد للدخول والخروج منها. في قلب قصر قفصة تتربع تلك الزنقة التي استقبلت وليدها الجديد ذات صباح من أيّام الشتاء مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين.

الزغاريد المرتجفة من شدّة البرد القارس تتحشرج في الحناجر وتملأ الفراغ في تلك الزنقة والتهاني والتبريكات بقدوم العبد الجديد للحميد المجيد المعيد الشهيد الأحد الصمد.بزغت الشمس باهتة اللون وأرسلت أشعتها بحياء نحو الأرض لتبلغها بأنّها أشرقت.تتسلل إلى تلك الزنقة لعلّها تنشر الدفء على الوليد الجديد وأهله، ولكن هيهات فالبرد العاصف بالمرصاد لدفئها والشتاء ملعبه ولن يسمح لأنثى الكون أن تفرض نفسها عليه.

الأغطية الصوفية تنهال على الوليد وأمه اتقاء القرّ، والناس تتدرع أخشن اللباس من شرّ الأخير، وتتضرع إلى الله بأن يحمي وليدها الجديد، وتدعو الوالد إلى النحر فرحا بالقادم الجديد وطمعا بشمّ رائحة الشواء في تلك الزنقة المسدودة، وتنادي خيرُ الأسماء ما حُمّد وعُبّد فكان عبد الحميد الزاهي.

يصرخ عبد الحميد في حضن أمه تمردا على القدوم ربّما أو خوفا من عالم يكتشفه لتوّه لم يألفه من قبل في بيئة صفراء شتاؤها قرّ وصيفها حرّ. بيئة تحيط بها جبال جرداء داكنة رابضة منذ آلاف السنين، وحجارة تصبح في فصل الصيف قطعة من أحجار سجيل، وأرض قرعاء لا ماء فيها ولا شجر وكأنّ جحافل المغول والتتار مرّت من هناك فأحرقت أخضرها وجففت مياهها وتركتها أرضا يبابا.




Messenger_creation_5ACA9111-0319-42CC-90AB-C09D264C707D.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى