محمد بشكار - ليتنا نكْتُبُ فرحاً.. !

كِدتُ أكتبُ عن الموت الذي من فرط ما تعوَّدناه دماً مُهراقاً في الشوارع بفلسطين وسوريا واليمن والعراق، لم نعُد نشعر بدمنا السَّاري في العروق، والذي صار سائلا آخر لا هو أحمر ولا هو بماء، ولكنه شيء مختلف قابلٌ للاحتراق بدرجة حرارة تكفل للحياة أن لا تكون عيشاً دون موت؛ أجل لم نعد نستطيع ظمأ بعيداً عن الدم المسفوح في شوارع العالم، وصرنا نأخذ كفايتنا التي تُلبي شره الإدمان، من حُقن يومية في عيادات الصحف ومواقع الأنترنيت والقنوات التي استبدلنا أعيننا بشاشاتها لنرى أفظع.. !
كدت أكتب عن الموت، ولكنني لمَّا أيقنتُ أنْ لا أحد صار يحشم من دمه الذي هام مَسْحولاً في كل واد، جرَّبتُ أن أكتب عن الفرح الذي قد يُشْعِرُنا ببعض آدميتنا التي لم نعد نعرفها ولو بلمْس الطِّين، ونحن ننظر بأعين الأسماك الباردة لشعوب أخرى تفقد آدميتها كل يوم دون أن يتحرَّك في حجرنا بَشرٌ؛ تُراه التطور الطبيعي لزمننا ماضٍ بالإنسان إلى أن لا يبقى إنساناً، ليصبح بآصرة المعدن شقيقاً لكُلِّ ما يَمُتُّ للآلة بحديد؟؛ حقّاً لقد ظلمنا داروين الذي انتهى به التفكير قرداً، على الأقل حافظ للإنسان على بعض صفاته الفيزيولوجية حين شبَّههُ بهذا المخلوق.. !

1755346905085.png

عذراً لم أنكث وعد الكتابة في الفرح الذي صار يحتاج من قلبنا جُهْداً مُضاعفاً من اللامبالاة والأنانية التي يغار من سوادها الأعمى حتى النرجس، لنسرق لحظة سعادة يدفع ثمنها من جيب البؤس آخرون؛ لا أعرف لماذا أعود دائماً لحزني وأنا أحاول فرحاً، لكأنَّ الكلمات تكتب أحرفها بنفسها التي ربما هي أصدق من نفسي، وكلما أردتُ في معجم الفرح رقصاً وطرباً، أخَذَتْ الكلمات بخاطري وأوهمتني أني أمشي في أسطر الكتابة على ناي، ولكنني أستشعر في ما ضَمَرَ من معنى، ألماً يَقْلِبُ الناي سيفاً.. !
لماذا لم نعد نستطيع الكتابة فرحاً، ألأننا نعيشه حتى في الموت الذي صارت تُنْصبُ له الخيام زفافاً إلى العرس الأخير، وفقدنا مع شهية الحياة حاسة التفريق بين الحزن والفرح..؟!
صدقوني حاولت أن أكتب فرحاً، ولكنني لم أجد لدمه في قلبي وريداً أو حتى نبيذاً، ولم أُبصر لورده في الشفاه ابتساماً بعد أن كَمَّمها الذبول الذي عَمَّ الوجوه في العالم.. !

* ( افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" ليومه الخميس 15 أكتوبر 2015)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى