مصطفى معروفي ــ تراثنا الشعري

في شعرنا العربي أسماء لامعة جدا ، زودت ديواننا العربي بقصائد عظيمة شاهدة على أصالة الإنسان العربي وإحساسه القوي بالحياة في مختلف مناحيها، كما هي شاهدة على عواطفه الجياشة التي تتفجر منه إبداعا عالي القيمة من حيث علاقته بالحياة ومن حيث علاقته باللغة، ومن حيث علاقته بالأسلوب.
والقارئ المتتبع لديوان شعرنا العربي لا محالة سيجد قصائد مبهرة فيها من الابتكار ومن الإبداع الشيء الكثير ما يجعل شعرنا العربي في مصاف شعراء الأمم الأصلاء ، ولنأخذ مثالا على هذا قصيدة / معلقة امرئ القيس، والتي تعد بحق منبعا ثرا لا ينفد بتكوينها الفني المتمثل أساسا في الوقوف والبكاء على الأطلال مما يوحي الإحساس بالموت، والمتمثل كذلك في نظرة الإنسان إلى الوجود واتخاذ الموقف المناسب منه.
ولهذا كان علينا نحن كعرب ورثنا هذا التراث الشعري الزاخر أن نوليه ما يستحقه من عناية واهتمام وإذاعته في الناس وتنبيه العالم إليه، ولكن للأسف لم نفعل الواجب هذا، ليس ضعفا في ديواننا الشعري العظيم ولكن لأسباب أخرى نذكر البعض منها على سبيل الإيجاز لا الحصر:
ـ عدم ترجمة شعرنا إلى اللغات الأخرى ترجمة مقنعة ووافية، نظرا لجوِّه الخاص وإيقاعه ولغته ودقة تعبيره.
ـ اعتقادنا بأن هذا الشعر إنما هو يتعلق بنا فقط نحن العرب ويخصنا ،بحيث نحن أمامه ونظرا لضخامته نصاب بالحيرة في اختيار نصوصه،كما حدث بالضبط مع السيد خراش وظبائه:
تكاثرت الظباء على خِراشٍ
فما يدري خراشٌ ما يصيدُ
أو كما يحدث مع الجائع الذي أمامه مائدة مليئة بصنوف الطعام ولكن لم يستطع اختيار صنف معين لكثرتها،وفي الأخير لكي يطفئ جوعه قبل بأن يأكل أقل ما في المائدة.
ـ إهمالنا لتراثنا الشعري الذي لم نوله اهتماما إلا بعد أن رأينا الآخر وخصوصا المستشرقين يهتمون به دراسة وتعليقا وتحقيقا.
ـ الحملة المسعورة التي قادها المستعمر الغاشم ضد مقوماتنا الحضارية وكل ما يمت إليها بصلة ومنها الشعر ،وذلك بالعمل على إضعاف لغتنا ،والعمل الدؤوب على إبعادنا عن كل ما هو مضيء ورائع في ثقافتنا العربية،لكي نبقى أسارى في قبضته حاملين بداخلنا الإحساس بالدونية والتخلف ،ورافعين قدر المستعمر وأذنابه سواء كانوا من جنسيتنا أو من غير جنسيتنا.
أكتفي بهذ القدر من الأسباب،وأقول بأننا عندما نبدأ في التعريف بروائع الشعر عندنا القديمة منها والحديثة ربما سنكتشف بأن الغرب هو أحد رجلين :
إما هو ضيف في حضرة شعرنا وإما هو لص ماكر يتربص الدوائر بتراثنا الشعري، ولِمَ لا نقول بحضارتنا ككل.
والله المستعان.
  • Like
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى