د/محمد سعيد شحاتة -تداخل القراءات الفلسفية واللغوية في ديوان عظامي شفافة وهذا يكفي للشاعر فتحي عبدالسميع دراسة في ميتافيزيقا الشفافية وطقوس العبور -2-

(الجزء الثاني)

قلنا في نهاية الجزء الأول:
(اندماج المناهج في مقاربة واحدة:
دمج هذه المناهج لا يعني تذويب الفوارق النظرية بينها، بل استثمار كلٍّ منها في كشف جانب من جوانب النص، ثم تجميع هذه الرؤى الجزئية في لوحة شاملة. فالمنهج البنيوي–الثيمي يرسم البنية الداخلية لشبكة المعنى، والمنهج السيميائي يحدد طبيعة العلامات، والمنهج التفكيكي يزعزع ثبات هذه البنية ويدفعها إلى الحركة، والمنهج الأسلوبي يكشف آلية الصياغة، والمنهج الأنثروبولوجي يربط النص بذاكرته الثقافية، بينما المنهج الفينومينولوجي يمنح هذه القراءة بعدًا وجوديًا شخصيًا.
إن هذا الاندماج، حين يُطبَّق على ديوان "عظامي شفافة وهذا يكفي"، لا يسعى إلى إيجاد "معنى نهائي"، بل إلى إظهار تعددية طبقات المعنى، وثراء شبكة العلامات، وحيوية التوتر بين الحسي والميتافيزيقي في شعر فتحي عبد السميع.)
النص الشعري في مرآة المناهج النقدية:
أولا: الوحدات الدلالية المركزية/ الرؤية البنيوية:
سوف نركز هنا على رصد الوحدات الدلالية المركزية في النص ورؤية طريقة تكرارها وتحوّلها عبر القصائد. في ديوان "عظامي شفافة وهذا يكفي"؛ إذ تتكرر ثيمات أساسية: الموت/الفقد، الشفافية، الجسد، الماء، الأم، الفراشة، البيت، الطين، الغياب، والأثر، وهذا يدعونا إلى البحث عن دلالات هذه الثيمات، ومحاولة تفسيرها في النص.
يركّز هذا المسار إذن على رسم خريطة البنى الدلالية المهيمنة في الديوان ورصد كيفية دوران الصور والرموز حول عُقَدٍ ثيمية ثابتة تتحوّل عبر القصائد: الشفافية، الجسد، الأم/البيت، الماء/النيل، الأثر/الظل، أدوات اليومي (الفلاية/القُلّة/الشِّبشب)، والعنف الكامن. ولا نبحث عبر هذا المنهج عن سياقات خارجية بقدر ما نحرص على تتبّع علاقات الداخل بالداخل، أي كيف يتوالَد المعنى من تكرارٍ وانزياحٍ وتجاور.
1 – ثيمة الشفافية بوصفها ميتافيزيقا الجسد
يقول الشاعر (عظامي شفافة وهذا يكفي) الشفافية هنا ليست صفة بيولوجية، بل إشارة رمزية إلى هشاشة الكيان الإنساني وانكشافه أمام العالم. ومن منظور بنيوي، "الشفافية" ثيمة مهيمنة تعود بأشكال مختلفة في القصائد، مرتبطة أحيانًا بالنقاء وأحيانًا بالفناء، مما يمنحها تعددًا دلاليًا. إن العنوان «عِظامي شَفافةٌ وهذا يكفي» عنوانٌ يتحوّل إلى أطروحةٍ عن قابلية الجسد للاختراق، والدلالة أن الشفافية ليست نقاءً، بل قابليّة انكشاف أمام العالم والمعنى معًا. ويستأنفها النص في مواضع أخرى عبر تفاصيل حسّية يقول الشاعر (منديلٌ ورقيّ شفاف… وأينما جرحتني وجدتَ لحمي أبيض) الشفافية هنا مشهد جسدي-إدراكي يُحيل إلى هشاشة الوجود وإلى إضاءة الداخل على نحوٍ لا يترك شيئًا للاحتجاب. ومن الناحية البنيوية تظهر “الشفافية” كعقدة مركزية تتصل بثيمات الجرح/اللحم/الظل وتؤسس إيقاعًا عودياً: انكشاف → ألم → وعي بالذات. وظيفة العنوان أن “يعقِد” المعجم كله في مفتاحٍ واحد.
2 – ثيمة الفقد/الأم/البيت كحاضنة للذاكرة الطقسية
يقول الشاعر (خصلات من شعر أمي ألقيناها في النيل) هنا يندمج فقد الأم مع عنصر الماء (النيل) في صورة طقسية تُحيل إلى وداع جنائزي، يربط الفردي (الأم) بالجماعي (النيل كرمز مصر). الثيمة تتكرر بصيغ أخرى مع موت أو غياب شخصيات قريبة. ويقول (سَقَطَ الجدارُ الطيني… وتناثرت خصلاتٌ من شعر أمي… جمعناها في كيسٍ وألقيناها في النيل»؛ البيت الطيني ينهار فتتحوّل الذاكرة إلى طقس وداعي يزاوج بين شعر الأم والماء/النيل. البيت ليس مكانًا فحسب، بل مستودع أنساب وجدانيّة تتفتّت مادته وتستمرّ روحه بالطقس. هنا تَحوُّل الجدار (مادّة) إلى شعر (أثر جسدي) إلى ماء (عنصر كوني) يرسم محورًا: مادّيًّا → حيّا → كونيًّا، هكذا تُبنى شبكة الثيمات على انتقالاتٍ نوعية لا على تتابعات سردية.
3 – ثيمة الجسد بوصفه مسرحًا للقلق
يقول الشاعر: (في جسدي عضو ما يحتاج إلى وخزة دبوس) الجسد ليس مجرد وعاء للروح، بل موقع للألم والتوتر. والجملة توحي بنقص داخلي أو عطب غير مرئي، مما يعمق البنية المأساوية للديوان. ويقول (يقومُ ببُطءٍ كي ينحتَ ذُعرًا شفيفًا في كلِّ شِبْرٍ من جسدي… أجلس على حافة السرير) الجسد يُصاغ كميدان انفعالات تُرى وتُحَسّ، لا كحاوية. امتزاج الذُّعر بالشفافية يُتمّم أطروحة العنوان: جسدٌ يُرى من داخله وهو يُنحَت. وتتكرّر مفردات الحركة الدقيقة (يقوم، ينحت، يجلس) في علاقة مع أشياء قريبة (السرير) لتأكيد أنّ الجسد بنية دلالية “مُمسرَحة".
4 – ثيمة الماء/النيل بوصفه وسيط عبور
يقول الشاعر: (النيل يبتلع وجهي) الماء في البنية الشعرية ليس فقط عنصراً طبيعياً، بل فاعلاً يلتهم، ويغيّب، ويذيب. ويتكرر الماء في صور الشرب، الغمر، الغسل، مما يربط بين التطهير والفقد. ويقول (الوطن: نهرٌ يتلوّى في منقار طائر… النيل… أندفعُ من أقصى الجنوب) الماء يشتغل كمجازٍ وناقل: يحمل الوطن، ويحمل الشاعر/الأم/الشَّعر، ويُنقّي ويُغيّب، و الماء عقدة ربط بين الفردي (شعر الأم) والجمعي (الوطن)، وبين الحُلم واليقظة (بِئر/تفيض/تجف)؛ ثيمة تتخذ وظيفة “محور دوران”.
5 – ثيمة الفراشة/ خفّةٌ وسط عنف
يقول الشاعر (حين ضغط على الزناد فانطلقت فراشة) الفراشة، رمز الهشاشة والحرية، تحضر في لحظة عنف (إطلاق النار)، مما يولد مفارقة دلالية: الخفة المنبثقة من الموت. هذا التوتر الثيمي يكرس ازدواجية الجمال/العنف. ويقول (فراشةٌ تحت الحذاء… مشبكٌ صار فراشةً) الفراشة (دالّ الخفّة) تُوضع في مشهد الدهس/ الخوف/ السقوط، وهنا تنتج مفارقة ثيمية: جماليّة الهشاشة في فضاء تهديد مادّي. و التواتر بين “فراشاتٍ لا تطيرو” مشبكٍكٍ صار فراشة” يكشف بنية انقلابات: زينة
↔
أذى، خفّة
↔
قمع.
6 – ثيمة الطين والهشاشة الموروثة
يقول الشاعر (سقط الجدار الطيني) الطين هنا يشير إلى الجذور، والبيت القديم، والهشاشة المادية للحياة الريفية. وسقوطه يرمز لانهيار الحماية، وتفكك الذاكرة المكانية. ويقول (طينٌ فوق طرحتِها… سقط الجدار الطيني) الطين مادّة الأصل والبيت والهشاشة معًا. يتكرّر كعنصر لاصقٍ للذاكرة العائلية ومحكّ لتغيّر الزمن. و إعادة إدخال الطين في سياقات مختلفة (بيت/طرحة) يقيم “جسرًا” بين المؤسِّس الاجتماعي (البيت) والممارسات اليومية (الطرحة).
7 – ثيمة البيت/الأثاث: “سريرٌ” يموج داخلي
يقول الشاعر (سرير قديم يموج داخلي) البيت ومحتوياته (السرير) تتحول إلى استعارات للذاكرة الداخلية. والسرير يصبح كيانًا حيًا، ما يوحي بامتداد الجغرافيا المكانية إلى الجسد. ويقول (أجلس على حافة السرير…) السرير ليس أثاثًا، إنّه عضوٌ داخليّ يموج. تتماهى الجغرافيا المادّية مع الجغرافيا النفسية: الداخل مُمفصل بأثاث البيت. و هذه المجاورة النوعية (سرير داخلي) تُولِّد انزياحًا بنيويًا: الخارج → داخل، المكان يصبح حالة جسد.
8 – ثيمة الغياب والظل
يقول الشاعر (غابوا جميعاً وبقي صوت الريح) الغياب هنا جماعي، لكنه يترك أثرًا حسياً (صوت الريح). والبنية الثيمية تقوم على المفارقة بين الفقد المطلق وبقاء أثره المادي. ويقول (لا أُطفئ المصباح… كي أتأكد أن ظِلّي تحتي… الطريقُ إلى موعدها… ظلّ يدينا ليس متطابقًا) الظلّ أثر-حياة لا يقوم إلا بالنور، وهو شاهد وجودي وعاطفي (موعدها/حضن) الظلّ هنا يشتغل كـ“وجود ثانٍ” يُصحّح حضور الجسد ويعيد تعريفه، فتتكثّف ثيمة الأثر كبديلٍ عن الامتلاء.
9 – ثيمة الأثر/الفعل الرمزي
يقول الشاعر (الظل يسبقني إلى القبر) الأثر (الظل) يتقدم على صاحبه، مما يزعزع الزمن الطبيعي ويخلق انزياحًا ميتافيزيقيًا: أثر الموت يسبق الحياة. ويقول (أضع أمام المصباح قبضتي… أترك ظلّها يكبر… لتحطيمِ هؤلاء) الأثر (الظلّ) يتحوّل إلى قوّة فاعلة. ليس ظلًّا عابرًا بل وسيلة تأثيرٍ على العالم. هذا يبيّن كيف تُنتج البنية الثيمية وكالة رمزيّة للأشياء الخفيفة (الظلّ) في مواجهة القسوة.
10 – ثيمة العنف الكامن/العبث المأساوي
يقول الشاعر (الجنزير يلتف حول الحلم) هنا يلتقي المادي الخشن (الجنزير) باللامادي (الحلم)، في صورة تكشف عن ثيمة كبرى: عنف الواقع الذي يخنق إمكانات الروح. ويقول (أحملُ آر بي جي… تقفزُ قطةٌ من صندوق القمامة… وتخرجُ طلقةٌ من مؤخرتي) عنفٌ كاريكاتوري يفضح لا معقولية القتل ويقلب وظيفة السلاح إلى مهزلة سوداء. إن النص يعيد توجيه دالّ العنف (السلاح) ليكشف هشاشة البطوليات ولينهي إلى نقدٍ أنثروبولوجي للسردية العنيفة
الخلاصة: من خلال الأمثلة نلاحظ أن البنية الثيمية للديوان تقوم على تفاعل مستمر بين الملموس والمجرد، وبين الحسي والرمزي، وبين الفردي والجمعي، مما يمنح النص وحدة داخلية رغم تنوع صوره، كما تتماسّ الثيمات في شبكةٍ مغلقة القطبين: شفافية/جسد وماء/أثر، تتوسّطها أدوات اليومي. يُعاد تدوير الصور عبر تحويلات نوعية (فراشة/مشبك، ظل/قوّة، قُلّة/شفاء)، فتتشكل وحدة دلالية مرنة.
ثانيا: النص أيقونات مشحونة/ الرؤية السيميائية
في هذا الجانب من الدراسة سوف نقرأ العلامات وفق مستوياتها (أيقوني/مَؤشِّري/رمزي على طريقة بيرس)، وكيف تُعاد برمجتها داخل اقتصاد الديوان الدلالي:
1 – الفلاية (المشط المعدني)
في نصّ الأم يقول الشاعر (أسنان الفلاية حادّة… كثيرًا ما تخدشُ الجمجمة… لكنها تؤمن بالتحوّلات… تُصاب بعدوى شعرها الناعم وتصير ماءً) الفلاية أيقونة للعناية، ومؤشِّر على ألمٍ حقيقي (الخدش)، ورمز لتحوّل القسوة إلى نعومة/ماء. إنّها جهازٌ يومي يُعاد ترميزه طقسيًا، بقول الشاعر (تليين مشية الفلاية، دخول الشمس بين أسنانها).، وهنا انتقال الدالّ من وظيفة نفعية إلى طقس تحويل يخلق معنى الفرح/العيد.
2 – القُلّة (جرّة الماء) و“قُلّة الأب”
يقول الشاعر (قال الطبيب: لا فائدة… قُلّةٌ على المنضدة… أسقطتها بخُبث… وفي اليوم التالي قام الأب متعافيًا واشترى قُلّةً جديدة… وغسلها… وشرب منها) القُلّة هنا رمز حياة/ماء، لكنّها أيضًا مؤشِّر شؤم/رجاء بحسب موضعها. وكسر القلّة حدثٌ يُعاد تأويله بطقس الغسل والشرب كإحياء» للأب. وهنا يعيد النص برمجة الدالّ بين حافّتَي الموت/النجاة.
3 – الفراشة/المشبك
يقول الشاعر (فراشة تحت الحذاء… مشبك صار فراشة) هنا دالّان يتبادلان المواقع: أيقونة الخِفّة تُهدَّد دهسًا، وأداةُ ضبط تتحوّل كائنًا هشًّا. إن الانقلاب علامة على أزمة السلطة على الجسد الأنثوي وقلق السقوط. وبذلك نجد دوالّ الزينة تُكشَف كآليات ضبط/خوف.
4 – الظلّ
يقول الشاعر (لا أطفئ المصباح… لأتأكد أن ظلي تحتي… ظلّ يدينا ليس متطابقًا) الظلّ هنا أيقونة الجسد ورمز التطابق/ الاختلاف في العلاقات، وهو مؤشِّر وجودي (لا يعيش إلا في النور) وهنا الظلّ يقوم مقام “هوية ثانية” قابلة للتماس/ الانفصال.
5 – النيل/الوطن
يقول الشاعر (الوطن: نهرٌ يتلوّى في منقار طائر… ألقيناها في النيل) إن النيل أيقونة جغرافيا، ورمز جماعة، ومؤشِّر طقسي لوداع الأم/الشَّعر. يتحوّل إلى وسيط تدوير الأثر. إن الماء ليس خلفية، بل “مسرح فعل” للعلامات.
6 – شِبشب الأم
يقول الشاعر (أحبُّ شِبشبَ أمي… كثيرًا ما يخطئ الهدف… ألعَب تحت أشجار الأثل… وأدعو الرحمن كي يُنقِذ شِبشبًا…) الشِّبشب أيقونة أمومة صارمة، ومؤشِّر تأديب، لكنه يُحاط بحبٍّ ودعاء، فيصير رمزًا ترعويًا. التكييف السيميائي هنا هو أن اليومي الصغير حاملُ معنىً عاطفي وأخلاقيّ كثيف.
7 – رنّة الخلخال/الإبريق
يقول الشاعر (تغني لرنّة الخلخال… أو لإبريقٍ على الباب…) صوت/شيء يُحوَّل إلى علامة فرح منزلي وطقس أنثوي للزينة/الحياة، ارتباطًا بحركة الشمس/البيت. هنا يتضافر السمعي والبصري لتوليد “مناخ دلالي”.
8 – البَلْطة/السلالة
يقول الشاعر (وِسامٌ لأحفادِ البَلْطة… منذُ سُقِي في سلالتنا دمُ البشر…) البَلطة أيقونة أداة، لكنها تتحوّل إلى رمز نسب وإلى مؤشِّر عنفٍ موروث يُذكَر بطقس البكاء/الانتحار المؤجَّل. نلاحظ هنا أن العلامة تُسجَّل في “دفتر الأنساب” الثقافي بوظائف متناقضة.
9 – الكيس (الوعاء)
يقول الشاعر (جمعناها في كيس…) إن (شعر الأم) مقابل «سَقّ كيسَ أمٍّ… وحشا عروقه بالبارود»؛ الكيس مؤشِّر جمع/حفظ قد ينقلب رمز عنف بحسب المحتوى. والتصور السيميائي هنا أن الحاوية الدلالية تتبدّل قيمتها بتبدّل المحمول.
10 – المنجل/استحالة قطع الظلال
يقول الشاعر (أتلفَتُّ منجلًا… لأقتنع أن الظلال لا تُقطع ولا تتألم) المنجل أيقونة قطع/حصاد، لكنّ الظلّ يكشف حدود الفعل المادّي؛ فيتحوّل المنجل إلى رمز عجزٍ معرفي أمام الكيانات اللطيفة.
الدرس: اختبار الأدوات على “ما لا يُمسك” درس سيميائي في طبيعة العلامة.
الخلاصة هي أن الديوان يعيد “برمجة الأشياء” بحيث تصير آلات اليومي مفاعيل رمزية (تُعاقَب وتُكافَأ وتُطهَّر وتتحوّل)، وتتحرّك العلامات بين أيقونيّتها ومؤشّريتها ورمزيتها وفق مقامها الطقسي والسردي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى