جمعي شايبي - شآبيب.. د. أحمد خالد توفيق .

لم يكتف مكرم ميخائيل بمهمة الأستاذية في العلاقات السياسية بجامعة هارفارد ، فاختار الغرق حد أذنيه في طموح خوله أن يتقمص دور النبي والقديس والقائد الحربي والفيلسوف والمفكر الإقتصادي والنصاب أيضا .

لقد كان يحلم بلملمة شتات العرب المهجرين ، المبعثرين كالرماد في زمن عاصف عبر مشارق الأرض ومغاربها بعدما ضاقت أوطانهم بأحلامهم العريضة ، وأن يجمعهم في وطن واحد ينقذون فيه عروبتهم الجريحة ويمارسون في ربوعه حيواتهم وتقاليدهم بكرامة وحرية .

1755549708248.png


وطن قومي يجمع العرب ويوحدهم وينقذهم من الإنقراض .
ذلك الشتات من العرب الذين لم تكن لهم أي قدرة على الذوبان والتماهي في بوتقة المجتمعات الغربية التي آوتهم .
ذلك الإنصهار الذي يفرض عليهم في تلك البيآت ألا يكونوا هم أنفسهم وأن يصطبغوا بألوان غيرهم متجردين من ألوانهم ومن قناعاتهم ويقينياتهم وأن ينسلخوا من تاريخهم وتراثهم ومعتقداتهم ومن هوياتهم وذواتهم ليكونوا مثل غيرهم من أهل تلك الحاضنة التي لملمتهم .
وإذ لم يمتلكوا تقنية الحرباوات في تعدد تلونها وتأقلمها مع ألوان بيآتها ومحيطها ، ولا كانوا حيات تتقن فن الإنسلاخ من جلودها ، فقد عاشوا حياة جافة قاسية لا أمل في غدها المسكون بالرهبة والخوف .
فعاشوا كأرواح مخملية تحاصرها الأشواك في مجتمعات غربية جاهزة لممارسة كل طقوس الحقد والكراهية ، وقد تشبعت مذ فجر التاريخ بالعنصرية والتطهير العرقي وبراديكالية متغولة ، فتنامت بين أوساطها النزعة العدائية ورفضهم للآخر حد المقت ، رغم تقنعهم بأقنعة الحضارة الزائفة .
فعاش عرب الشتات بينهم عزلتهم المريرة القاسية .
إلى أن اجتبى لهم مكرم إحدى بنات أفكاره .
شآبيب ، أرض الميعاد التي حلم بها ذلك الشتات التعيس .
لقد وحدهم بكذبة واختلق لهم وطنا من العدم .
خدعهم بنية صافية ، ولعب بقذارة من أجل هدف نبيل ونظيف .
كانت شآبيب التي ابتدعها مكرم غاية نبيلة بمكيافيلية خالصة النزعة ، إذ كان موقنا بأ يصير المستحيل ممكنا كإيمانه الراسخ بصناعة مجتمع ذاتي الحركة قادر على البقاء والصمود .
وبعدما ظفر بإذن وموافقة الإدارة الأمريكية بوساطة نائب الرئيس جوناثان ايدهارت الذي رغم كونه درعا يحمي المنبوذين إلا أنه كان فاقدا لإيمانه بالعنصر البشري بعدما كافح طويلا لإصلاح عالم معطوب فكريا ليقر بفشله وبقائه معلقا كريشة بين الرياح المتضاربة بين التغيير والإنقاذ .
إختار مكرم جزيرة في بابوا غينيا الجديدة شمال أستراليا ، في قلب المحيط الهادي ، تلك البقعة النائية التي تقع على حافة العالم وسماها شآبيب ، واستعان بأحمد صفوان أستاذ التاريخ الشهير في برنستون في كتابة تاريخ مزور يبني على أنقاضه دولتهم الجديدة .
وبعدما سخرت له أمريكا كل أساطيلها البحرية والجوية تهافت عرب الشتات على شآبيب تهافت الفراش على النور والنار ، آملين برحيلهم هذا أن يتخلصوا من عالم غربي يعج بأمثال النرويجي داجفين ذلك الخنزير العنصري بوجهه الشيطاني القميئ ، حتى ينقذوا وجودهم الهش بين أمثاله من المعاتيه ويتجنبوا تلك المصائر البائسة والحتوف القاسية للأقليات في بيآتها المعادية .
حطت رحال عرب الشتات في شآبيب وبدءوا بناءها من العدم يحذوهم الأمل أن تغدو دولة قوية ، وبدأت أرضهم في التمدد والتوسع على حساب سكانها الأصليين المضطهدين بفضل العراب مكرم ونائبه الحربي سليم علوي .
لكن مكرما لم يطل به العمر ليرى حلمه يتحقق إذ انتهى بطعنة خنجر بدائي وتخلى بموته في أشد العواصف عن قيادة الدفة .
وآل مصير شآبيب وأهلها لنائبه سليم الذي استفرد بالقيادة والحكم والتوجيه لكنه في الأخير لم ينتج إلا مجتمعا ينضح بالمتشككين والمتعصبين والغلاة الأصوليين والغلاة العروبيين ، إنهم لم ينجوا من عدوى الكراهية الغربية وإنهم أيضا عملوا على تصديرها لهذه الأرض البكر ، فوءدوا حلمهم في المهد وتبخر حلهم للأبد .
فبعد غفوة طويلة لمدة قرون ومن بعد طول خمود يصحو بركان جاواتامي وينشط ويطلق صرخته المدوية المجلجلة ويقيئ طوفان حممه النارية الحارقة فتذوب شآبيب في أتونها كالملح بعدما هجرها عرب الشتات إلا سليما فارين بجلودهم عائدين من حيث أتوا ، لكأن حيواتهم البائسة منذورة أبد الآبدين للتيه والإغتراب .
كثيرون تنبأوا بأن يغدو مكرم ميخائيل رمزا خالدا وبطلا قوميا كآلهة وثنية لكن نبوءاتهم خابت بعدما أدركوا أنه لم يكن سوى دجالا أضاع أمة من أجل وهم .
هذا ما تحكيه تحفة شآبيب للعبقري الملهم الدكتور الراحل أحمد خالد توفيق رحمة الله عليه .
ولكوني قارئ مسكون بشغف قراءة مابين السطور واستنطاق المصمت واللامكتوب حد الهوس فلي أن أقول لكم أن لرواية شآبيب الخالدة سردية أخرى وحقيقة مخبوءة مبطنة .
هي أن الكيان اللقيط المسمى بإسرائيل ستظل كذبة كبرى ، ومن غير المعقول أن يغدو المستحيل ممكنا مهما عمرت الأوهام ومهما طالت حبال الأحابيل والكذب .
ولي أن أقول أيضا : لا باطل على أنقاض الحق يبنى ويبقى ولا كراهية في عالمنا الأرعن تفنى .
إن وعد بلفور المشؤوم سيظل عارا يلطخ جبهة الغرب اللعين ومحاولة مفضوحة منذ تاريخ فبركتها لا تصلح لأن تغدو صك غفران يغفر للغرب محرقة المظهدين بنازية قذرة مقيتة .
فجرم الإضطهاد لا يغفر بالتقادم ولا فلسطين تصلح قربانا للتكفير عن النفس من قبح الجرم والخطيئة .
وأن مايسمى بإسرائيل لطخة عار مضافة للغرب القصد منها التخلص من اليهود بإعطائهم وطنا يبنى على انقاض أرضنا الفلسطينية المحتلة .
وأكتفي بالتذكير برائعة الشاعر الكبير محمود درويش : أمريكا هي الطاعون
والطاعون أمريكا .
واضيف ختاما أن بركان جاواتامي في نص شآبيب هو بركان المقاومة الذي سيمحو وهم إسرائيل الكبرى .
جمعي شايبي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى