أمس، في 22 آب/أغسطس 2025، أعلنت الأمم المتحدة رسميًا أن المجاعة تفشت في غزة. أكثر من نصف مليون إنسان عالقون في “الجوع الكارثي”، وأطفال يموتون لأن الحليب مقطوع. العالم سجّل الواقعة، كما يسجّل أي زلزال أو فيضان. لكن هذه ليست كارثة طبيعية. إنها مجاعة مصنوعة، مجاعة بقرار، مجاعة تُدار كأداة حرب.
وأنا هنا، في مدينة غربية هادئة، أمسك رغيف خبز دافئ من المخبز القريب، وأتساءل: كيف يمكن أن أبتلع هذا الخبز بينما هناك من يبحث في التراب عن حبة عدس؟
الغرب الذي أعيش فيه يفضل التعامل مع ما يجري في غزة كأنه “أزمة إنسانية”، بينما يعرف تمامًا أنها جريمة سياسية. المجاعة لم تنشأ من فراغ: إنها امتداد طبيعي لتاريخ طويل من السيطرة الاستعمارية. الاستعمار بالأمس كان يحتل الأرض بالجيش، واليوم يحتل الحياة نفسها بالحصار. يقرّر من يأكل ومن يجوع.
حين أرى كيف تُدار السياسات هنا، أتذكر أن هذا الغرب ذاته هو الذي بنى ثرواته على تجويع شعوب أخرى. أفريقيا، الهند، أميركا اللاتينية… كلها كانت مسارح لمجاعة مصنوعة تخدم مصالح إمبراطورية. وما يحدث في غزة اليوم ليس استثناءً، بل استمرارية: الاقتصاد العالمي ما زال يعرف كيف يحوّل الجوع إلى سلاح، وكيف يحافظ على صورته “المتحضرة” وهو يقتل ببطء.
لكن الفارق أن غزة ليست مجرد ضحية، بل شاهد. غزة تفضح النظام العالمي كله. كيف يمكن أن يدّعي الغرب الدفاع عن “الحرية” بينما يقبل أن يُحاصر مليونان من البشر حتى الموت؟ كيف يتغنى بـ”حقوق الإنسان” بينما يساوي بين رغيف خبز وتهديد أمني؟
المجاعة في غزة تقول لنا شيئًا أبعد من نفسها: تقول إن هذا النظام العالمي لا يحترم الإنسان إلا إذا كان ينتمي إلى “المركز”، إلى الحضارة التي تملك القوة والسلاح والإعلام. أما بقية البشر، فيُختزلون إلى أرقام وتقارير. نصف مليون جائع في غزة اليوم يساوي في نشرات الأخبار أقل من خبر عن أزمة اقتصادية في وول ستريت.
وأنا هنا، فلسطيني يعيش في هذا الغرب، أتعلم كيف أحمل هذا التناقض داخلي. أذهب إلى عملي، أبتسم لجيراني، لكنني أعرف أن صمتي ليس حيادًا. أعرف أن الرغيف الذي أتناوله هو امتياز حُرم منه أبناء شعبي، لأن القوى التي صنعت هذه الوفرة هنا هي ذاتها التي صنعت المجاعة هناك.
إعلان المجاعة في غزة ليس مجرد جملة في تقرير أممي. إنه مرآة. مرآة تكشف أن العالم لم يتغير كثيرًا منذ عصور الاستعمار. فقط تبدّلت الأسماء: بالأمس “انتداب”، واليوم “حصار أمني”. بالأمس “مستعمرة”، واليوم “منطقة نزاع”. لكن الجوهر واحد: السيطرة على الحياة نفسها.
وغزة، بجوعها ودمها وصمودها، تكتب وصية للعالم: إذا كان الطعام يمكن أن يتحول إلى سلاح، فالبشرية كلها في خطر. وما يحدث اليوم في غزة قد يحدث غدًا في مكان آخر، لأن من يملك قرار التجويع يملك مفاتيح الحرب القادمة.
لا يمكن تجاهل الدرس التاريخي الذي تقدمه حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا: لم تُحقق انتصارها بالدموع وحدها، بل حين تحولت الصرخات إلى مقاطعات منظمة، وضغط سياسي، وشبكة تضامن عالمية أجبرت القوى الكبرى على التراجع.
غزة اليوم ليست بحاجة إلى البكاء فقط. إنها بحاجة لأن تتحول صرختها إلى قضية حيّة، إلى فعل ملموس، إلى حركة تحرّك العالم وتقطع شريان القوة عن جلاديها. غزة تقول لنا بصوت واضح: لا تبكوا عليّ—كونوا شركاء في المقاومة والعمل معي.
وأنا هنا، في مدينة غربية هادئة، أمسك رغيف خبز دافئ من المخبز القريب، وأتساءل: كيف يمكن أن أبتلع هذا الخبز بينما هناك من يبحث في التراب عن حبة عدس؟
الغرب الذي أعيش فيه يفضل التعامل مع ما يجري في غزة كأنه “أزمة إنسانية”، بينما يعرف تمامًا أنها جريمة سياسية. المجاعة لم تنشأ من فراغ: إنها امتداد طبيعي لتاريخ طويل من السيطرة الاستعمارية. الاستعمار بالأمس كان يحتل الأرض بالجيش، واليوم يحتل الحياة نفسها بالحصار. يقرّر من يأكل ومن يجوع.
حين أرى كيف تُدار السياسات هنا، أتذكر أن هذا الغرب ذاته هو الذي بنى ثرواته على تجويع شعوب أخرى. أفريقيا، الهند، أميركا اللاتينية… كلها كانت مسارح لمجاعة مصنوعة تخدم مصالح إمبراطورية. وما يحدث في غزة اليوم ليس استثناءً، بل استمرارية: الاقتصاد العالمي ما زال يعرف كيف يحوّل الجوع إلى سلاح، وكيف يحافظ على صورته “المتحضرة” وهو يقتل ببطء.
لكن الفارق أن غزة ليست مجرد ضحية، بل شاهد. غزة تفضح النظام العالمي كله. كيف يمكن أن يدّعي الغرب الدفاع عن “الحرية” بينما يقبل أن يُحاصر مليونان من البشر حتى الموت؟ كيف يتغنى بـ”حقوق الإنسان” بينما يساوي بين رغيف خبز وتهديد أمني؟
المجاعة في غزة تقول لنا شيئًا أبعد من نفسها: تقول إن هذا النظام العالمي لا يحترم الإنسان إلا إذا كان ينتمي إلى “المركز”، إلى الحضارة التي تملك القوة والسلاح والإعلام. أما بقية البشر، فيُختزلون إلى أرقام وتقارير. نصف مليون جائع في غزة اليوم يساوي في نشرات الأخبار أقل من خبر عن أزمة اقتصادية في وول ستريت.
وأنا هنا، فلسطيني يعيش في هذا الغرب، أتعلم كيف أحمل هذا التناقض داخلي. أذهب إلى عملي، أبتسم لجيراني، لكنني أعرف أن صمتي ليس حيادًا. أعرف أن الرغيف الذي أتناوله هو امتياز حُرم منه أبناء شعبي، لأن القوى التي صنعت هذه الوفرة هنا هي ذاتها التي صنعت المجاعة هناك.
إعلان المجاعة في غزة ليس مجرد جملة في تقرير أممي. إنه مرآة. مرآة تكشف أن العالم لم يتغير كثيرًا منذ عصور الاستعمار. فقط تبدّلت الأسماء: بالأمس “انتداب”، واليوم “حصار أمني”. بالأمس “مستعمرة”، واليوم “منطقة نزاع”. لكن الجوهر واحد: السيطرة على الحياة نفسها.
وغزة، بجوعها ودمها وصمودها، تكتب وصية للعالم: إذا كان الطعام يمكن أن يتحول إلى سلاح، فالبشرية كلها في خطر. وما يحدث اليوم في غزة قد يحدث غدًا في مكان آخر، لأن من يملك قرار التجويع يملك مفاتيح الحرب القادمة.
لا يمكن تجاهل الدرس التاريخي الذي تقدمه حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا: لم تُحقق انتصارها بالدموع وحدها، بل حين تحولت الصرخات إلى مقاطعات منظمة، وضغط سياسي، وشبكة تضامن عالمية أجبرت القوى الكبرى على التراجع.
غزة اليوم ليست بحاجة إلى البكاء فقط. إنها بحاجة لأن تتحول صرختها إلى قضية حيّة، إلى فعل ملموس، إلى حركة تحرّك العالم وتقطع شريان القوة عن جلاديها. غزة تقول لنا بصوت واضح: لا تبكوا عليّ—كونوا شركاء في المقاومة والعمل معي.