د. حسين عبدالبصير - عصفور...

كانت تجلس على المقعد الخشبي القديم في الحديقة المطلة على البحر، والنسيم يمر بخفة بين أشجار الكافور والنخيل، يترك خلفه رائحة الملح مختلطة بعطر الأزهار. أمامها كتاب مفتوح، لكن عينيها لم تستطع أن تركزا في سطر واحد. كانت غارقة في صمتها الداخلي، تائهة بين ما مضى وما لم يأت بعد، وكأنها تبحث عن علامة صغيرة تُخبرها أن الحياة لا تزال تحتفظ بمعنى ما.

فجأة، هبط عصفور صغير فوق السور الحديدي المواجه لها. جناحاه يرتجفان قليلاً، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق يشبه البراءة الأولى للحياة. تبسمت من غير وعي، وفي قلبها صدى خافت يقول: لعل هذا الطائر جاء ليوقظ شيئًا غافياً بداخلي.

قالت له بصوت يكاد البحر يغطيه:
ـ "أما زلت تؤمن أن الطيران وحده هو الحرية؟"

غرد العصفور لحناً قصيراً، أشبه بجواب صغير لكنه صادق. اقترب بخطوة صغيرة نحوها فوق السور، وكأنه يريد أن يشاركها لغته الخاصة.

مدّت إصبعها نحوه بخجل، فتردد لحظة، ثم قفز وحط فوق كفها. شعرت برجفة دافئة، كأن قلبه الصغير يخفق داخل كفها، فابتسمت وهمست له:
ـ "يا صغيري، ما أغرب الأمر... كنت أظن أنني وحيدة في هذا العالم."

ظل العصفور قليلًا في يدها، ثم فجأة رفرف بجناحيه وطار بعيدًا، يحلق فوق البحر، تاركًا خلفه ذبذبات من الغناء. تابعت عينيها مساره حتى اختفى في الأفق. لم تشعر بالحزن كما توقعت، بل أحست بامتلاء غريب. لقد ترك لها رسالة واضحة: أن الحب، مهما تغيّرت وجوهه، لا يخطئ طريقه إلى قلبٍ ما زال قادرًا على الخفقان.

وقبل أن تعود إلى كتابها، سمعت صوت خطوات بطيئة تقترب. التفتت، فرأت رجلاً شابًا يحمل قفصًا صغيرًا، بداخله نفس العصفور الذي كان معها منذ لحظات. اقترب منها بابتسامة حيية وقال:
ـ "أعتذر إن كان قد أزعجك... إنه عصفوري، أفلت من القفص منذ دقائق، والغريب أنه لا يقترب من أحد عادةً."

نظرت إليه بدهشة، ثم إلى العصفور الذي كان يزقزق بفرح كأنه يعرفها. شعرت بحرارة غير مألوفة في قلبها، وابتسمت قائلة:
ـ "لم يزعجني أبدًا... على العكس، لقد منحني شيئًا لم أكن أتوقعه."

جلس بجوارها، وهما يتبادلان النظرات والابتسامات، بينما العصفور يرفرف بجناحيه في القفص كأنه يشهد ميلاد قصة جديدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى