عبدالعزيز كوكاس - زمن العتمة

لست أدري كيف أُحس كلما استعصت عليّ الكتابة، صورة كاتب يحار أمام بياض الصفحة بلقطة رجل يسير وسط صحراء من ثلج يمتد إلى مالا نهاية دون أن يعثر على بغيته. لماذا هذه الحيرة حول الكتابة؟ هل جفت ينابيع اللغة؟ هل فرغت الساحة المغربية من المواضيع المثيرة لشهية الكتابة؟ وأقول لك عزيزي القارئ: لا لم تجف الموضوعات ولا حليب الكلمات تجمّد في حلمة الذاكرة، ولكن لأننا افتقدنا جميعا المعنى في كل شيء: في الكتابة، في الأشياء المحيطة بنا، في علاقاتنا الإنسانية وفي ثقتنا بالوجود. وما أصعب أن نفقد المعنى!

في إحدى حلقات “الحقيقة الضائعة”، كتب الزميل الراحل مصطفى العلوي بحزن شديد وبحرقة بادية للعيان: “إن زمن الكتابة قد ولّى”، وهي النغمة الحزينة نفسها التي كان الحكيم عبد الجبار السحيمي قد كتب بها إحدى مقالاته على صدر الصفحة الأولى من يومية “العلم” بعد الهجوم الذي تعرض له مقاله المعنون بـ”أما أنا، فلن أحْلق لحيتي”، إذا لم تخني الذاكرة التي لا تصلح إلا للنسيان! حيث كتب: “لا تحاول أن تكتب.. فالكتابة في بعض أزمان الهستيريا محفوفة بالمخاطر”.

راودني الحزن عن نفسي لأنني في العديد من المواقف أصبحت أصاب بخيبة الكتابة، حتى ولو كان الأمر يتعلق بالبوح الممكن لا بالبوح المستحيل، خوفا من أن تترجم محاكم التفتيش مقالك في غير ما تريد، وتُحمل الكلمات شفرات سرية لمحاكمتك، أو ألا تجد قارئا إمبراطوريا يعي أبعاد ما تكتب ويجد المعنى الذي يصبو إليه بحرقة العشاق، أو يأتي معلقون لا يقرؤون حتى العنوان بشكل سليم ليبدؤوا في نشرك وتشريحك على مائدة ثرثرتهم الفارغة، هل للكتابة اليوم معنى حقا؟ ففي زمن التردي والغموض دائما يسود الأدعياء الذين يلوون عنق كلماتك ليحملوها المعنى اليتيم الذي لم تقصده، أين المعنى في كل ما يحيط بنا ويعبرنا من كلام وصور ومشاهد وحكايات ووقائع وأحاديث…؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى