كعادتي في الأعوام الأخيرة، أحتفل وحدي بعيد ميلادي. أقنع نفسي بأنني أفضل هكذا. لا زوج ولا أولاد. أستعد للحفل منذ عدة أيام. اشتريت لنفسي كعكة صغيرة من محل الحلويات الشهير. نصفها مغطى بالكريمة البيضاء، والنصف الآخر مغطى بالشيكولاتة. لم أعد أشتري شمعا منذ أن قررت أن أضع شمعة وحيدة في منتصف الكعكة. هي نفسها شمعة العام الماضي، وربما القادم أيضا. ما أتعبني حقا هو رحلة البحث في متاجر الملابس، بدون أن أجد ما يناسب ذوقي، وفي النهاية اشتريت لنفسي ثوبا، وحذاء أيضا، فقط لأصنع لنفسي بهجة صغيرة.
أبدأ طقوس الحفل المعتادة، أقلب في ألبوم الصور القديمة، هذه أنا في عيد ميلادي الثاني والعشرين، أرتدي فستاني الوردي، وأتوسط أبي وأمي، وأتطلع في سعادة إلى الكاميرا التي تمسك بها أختي الوحيدة، إنجي. كنت قد تخرجت لتوي من الجامعة، مفعمة بالأمل في المستقبل. كم مر على هذه الصورة؟ ثلاثة وعشرون عاما! بعدها بشهور، رحل أبي، ثم تزوجت إنجي، ولم يتبق لي سوى أمي. كم أفتقدها! كانت تحتفل معي كل عام، وتدعو إنجي وزوجها وأولادها ليحتفلوا معنا. أما الآن . . .
هاتفت إنجي صباح اليوم، لم تتذكر، فقط الشكوى المعتادة والمكررة من زوجها. أخبرتني أنها تفكر جديا في طلب الخلع، فقط الأولاد هم من يمنعونها من التنفيذ. ربما عندما ينهون دراستهم الجامعية، وبالتأكيد بعد أن تتزوج ابنتها نور. قالت إنها تفكر في أن تقضي معي عدة أيام وتترك لهم البيت حتى يشعروا بأهميتها. قلت لها إن غرفتها موجودة، وأنها مرحب بها في أي وقت. غرفتها؟ لقد حولت أمي غرفتها إلى مخزن لجهازي. أجهزة كهربائية مرت عليها عدة سنوات، هل ما زالت تصلح؟ عدد هائل من الأواني مختلفة الأحجام، سجاجيد، ملاءات غريبة الشكل، مناشف، وملابس للنوم لم تعد تناسبني بالتأكيد. لا بأس يا إنجي، يمكنك أن تنامي في غرفتي، أو حتى غرفة والدينا.
في السنوات الأولى بعد رحيل أبي وزواج إنجي، تقدم لخطبتي الكثيرون، لم أكن أعرف معظمهم، ولكن أمي كانت تقول لي دوما إنهم طامعون في الشقة. كان سؤالها الأول، والأخير، للخاطب الجالس وسط أهله، هل لديك شقة؟ تقدم لهم المشروبات، وتلتزم الصمت حتى نهاية الجلسة، وبعدها، تبلغ الوسطاء بالرفض.
عندما رحلت أمي أثناء الجائحة كنت قد تجاوزت الأربعين. بعد فترة الحداد، تقدم لي أحد زملاء العمل، كان منفصلا عن زوجته، ولديه ولدان، يكبرني بعشر سنوات، أو ربما أكثر. يعاني من ارتفاع في ضغط الدم، ومن السكري، مثل معظم المصريين، كما كان يقول. قال إنه يريد أن يقضي سنوات عمره المتبقية بصحبة زوجة هادئة، وعاقلة، لا تطالبه بالركض معها تحت المطر، ولا بعمل جلسة تصوير في إحدى الحدائق قبل الزفاف، ولا بركوب القارب المطاطي الخطر على شاطئ البحر، ولهذا اختارني. عندما سألته أليس هناك أمل حتى في ركوب البالون الطائر؟ نظر لي باستغراب، وكأنه يراني للمرة الأولى، اصطنعت ساعتها ضحكة بلهاء، وقلت له إنني كنت أمزح معه، وإنني أشكره على عرضه، ولكنني لا أفكر في الزواج.
بعد رحيل أمي، كنت أخشى من النوم وحيدة. جاءت إنجي، وأصرت على أن تمكث معي عدة أيام، ثم عادت إلى بيتها. لا أستطيع أن ألومها. في لياليّ الأولى، كنت أحلم بالوحش الأسود الذي يختبئ تحت فراشي وينتظر، سيزحف ببطء، وبلا صوت، ثم يتسلق الفراش في خفة، ثم، وبحركة واحدة، يجثم على صدري. أحاول أن أصرخ، بلا جدوى. بعدها، تعودت على النوم وحيدة، مثلما تعودت على شراء الوجبات الجاهزة، وطلبات الديليفري، وتناول الطعام في الفراش، أثناء مشاهدة مسلسلي المفضل، أبكي مع البطلة، وأنتظر البطل الذي لا يجيء.
بعد عدة محاولات فاشلة لإشعال عود ثقاب، أنجح أخيرا في إيقاد شمعتي الوحيدة، أغمض عيني، أتمنى لنفسي ليلة بلا وحش. أفتح عيني، وأطفئ الشمعة وأنا أفكر، هل ستكون هي نفسها في العام القادم؟
الإسكندرية - د. طارق إبراهيم الشناوي
أبدأ طقوس الحفل المعتادة، أقلب في ألبوم الصور القديمة، هذه أنا في عيد ميلادي الثاني والعشرين، أرتدي فستاني الوردي، وأتوسط أبي وأمي، وأتطلع في سعادة إلى الكاميرا التي تمسك بها أختي الوحيدة، إنجي. كنت قد تخرجت لتوي من الجامعة، مفعمة بالأمل في المستقبل. كم مر على هذه الصورة؟ ثلاثة وعشرون عاما! بعدها بشهور، رحل أبي، ثم تزوجت إنجي، ولم يتبق لي سوى أمي. كم أفتقدها! كانت تحتفل معي كل عام، وتدعو إنجي وزوجها وأولادها ليحتفلوا معنا. أما الآن . . .
هاتفت إنجي صباح اليوم، لم تتذكر، فقط الشكوى المعتادة والمكررة من زوجها. أخبرتني أنها تفكر جديا في طلب الخلع، فقط الأولاد هم من يمنعونها من التنفيذ. ربما عندما ينهون دراستهم الجامعية، وبالتأكيد بعد أن تتزوج ابنتها نور. قالت إنها تفكر في أن تقضي معي عدة أيام وتترك لهم البيت حتى يشعروا بأهميتها. قلت لها إن غرفتها موجودة، وأنها مرحب بها في أي وقت. غرفتها؟ لقد حولت أمي غرفتها إلى مخزن لجهازي. أجهزة كهربائية مرت عليها عدة سنوات، هل ما زالت تصلح؟ عدد هائل من الأواني مختلفة الأحجام، سجاجيد، ملاءات غريبة الشكل، مناشف، وملابس للنوم لم تعد تناسبني بالتأكيد. لا بأس يا إنجي، يمكنك أن تنامي في غرفتي، أو حتى غرفة والدينا.
في السنوات الأولى بعد رحيل أبي وزواج إنجي، تقدم لخطبتي الكثيرون، لم أكن أعرف معظمهم، ولكن أمي كانت تقول لي دوما إنهم طامعون في الشقة. كان سؤالها الأول، والأخير، للخاطب الجالس وسط أهله، هل لديك شقة؟ تقدم لهم المشروبات، وتلتزم الصمت حتى نهاية الجلسة، وبعدها، تبلغ الوسطاء بالرفض.
عندما رحلت أمي أثناء الجائحة كنت قد تجاوزت الأربعين. بعد فترة الحداد، تقدم لي أحد زملاء العمل، كان منفصلا عن زوجته، ولديه ولدان، يكبرني بعشر سنوات، أو ربما أكثر. يعاني من ارتفاع في ضغط الدم، ومن السكري، مثل معظم المصريين، كما كان يقول. قال إنه يريد أن يقضي سنوات عمره المتبقية بصحبة زوجة هادئة، وعاقلة، لا تطالبه بالركض معها تحت المطر، ولا بعمل جلسة تصوير في إحدى الحدائق قبل الزفاف، ولا بركوب القارب المطاطي الخطر على شاطئ البحر، ولهذا اختارني. عندما سألته أليس هناك أمل حتى في ركوب البالون الطائر؟ نظر لي باستغراب، وكأنه يراني للمرة الأولى، اصطنعت ساعتها ضحكة بلهاء، وقلت له إنني كنت أمزح معه، وإنني أشكره على عرضه، ولكنني لا أفكر في الزواج.
بعد رحيل أمي، كنت أخشى من النوم وحيدة. جاءت إنجي، وأصرت على أن تمكث معي عدة أيام، ثم عادت إلى بيتها. لا أستطيع أن ألومها. في لياليّ الأولى، كنت أحلم بالوحش الأسود الذي يختبئ تحت فراشي وينتظر، سيزحف ببطء، وبلا صوت، ثم يتسلق الفراش في خفة، ثم، وبحركة واحدة، يجثم على صدري. أحاول أن أصرخ، بلا جدوى. بعدها، تعودت على النوم وحيدة، مثلما تعودت على شراء الوجبات الجاهزة، وطلبات الديليفري، وتناول الطعام في الفراش، أثناء مشاهدة مسلسلي المفضل، أبكي مع البطلة، وأنتظر البطل الذي لا يجيء.
بعد عدة محاولات فاشلة لإشعال عود ثقاب، أنجح أخيرا في إيقاد شمعتي الوحيدة، أغمض عيني، أتمنى لنفسي ليلة بلا وحش. أفتح عيني، وأطفئ الشمعة وأنا أفكر، هل ستكون هي نفسها في العام القادم؟
الإسكندرية - د. طارق إبراهيم الشناوي