خالد صالح عطية - الفعل الوطني كجوهر: حين يصير البقاء مقاومة

في غزة، حيث تلتقي أقصى أشكال العنف بأقصى درجات العناد الإنساني، ينكشف اليوم وجه نادر للفعل السياسي: لا هو فعل سلطة، ولا بيان تنظيم، ولا خطة معلنة. بل هو قرار جماعي، صامت، يتجلّى في الأجساد التي اختارت أن تبقى، في البيوت التي صمدت رغم التهجير، في الحياة اليومية وقد تحوّلت إلى شكل من أشكال المقاومة الوجودية.

ما يجري في غزة ليس فقط مجزرة كبرى أو انهيارًا شاملًا. هو أيضًا لحظة نادرة يعيد فيها الناس تعريف السياسة من تحت الركام. ليس عبر الشعارات، بل عبر تمسّكهم بالمكان كفعل أخير ضد المحو. لا يغادرون. لا يسلّمون. لا ينهارون تمامًا كما أراد الفاعل الاستعماري. وهذا الفعل، بهذا الشكل، ليس استثناءً عاطفيًا، بل منطق ضرورة في لحظة يُراد فيها لكل شيء أن ينتهي.

قد يبدو الحديث عن “فعل وطني” وسط الإبادة والجوع والخراب تناقضًا أو تجميلًا لمأساة. لكنه ليس كذلك. لأن الفعل هنا لا يعني الانتصار، بل الامتناع عن الزوال. لا يعني القوة، بل القرار بأن الوجود في حدّ ذاته، داخل ما تبقى من وطن، أهم من أي هروب منه. إنه الجوع الذي لم يتحول إلى خضوع، والقصف الذي لم ينتج خنوعًا، والانهيار الذي، رغم اكتماله المادي، لم يُنتج انهيارًا في المعنى.

الانهيار واقع: البنية التحتية مدمّرة، النظام الصحي مفكك، الماء ملوّث، الطعام شحيح، التعليم متوقف، والحياة اليومية مرهونة بالموت. لكن، وسط هذا الخراب الكامل، نرى العائلات تصر على البقاء في مخيمات لا تصلح للسكن، في أحياء دُمرت ملامحها، في بيوت لم يبق منها سوى الحجارة. وكأن ما تبقى لهم من الوطن ليس الأرض فقط، بل الحق في الوجود داخلها، ولو على الرماد.

يكفي أن نرى رجلاً يرمم زاوية من منزله بنشارة الخشب، أو سيدة تزرع شتلة فوق ركام مطبخها، أو طفلاً يرسم بيتًا على جدار محطّم، لنعرف أن الفعل الوطني لم يعد محصورًا في السياسة، بل صار جزءًا من التفاصيل اليومية التي تقاوم المحو بصمت.

لكن هذا الصمت ليس خاملًا. بل بدأ يتخذ، ببطء، أشكالًا عملية تُعيد تثبيت المعنى: فرق تطوعية تُعدّ الطعام لمئات الأسر، شبّان يعملون كدفاع مدني، معلمون يعيدون فتح صفوف داخل الخيام، مبادرات لترميم البيوت يدويًا، أطفال يُتبنّون داخل دوائر الأمان الشعبي، عروض فنية في الملاجئ، مقاومة بالسخرية، كتابة، صحافة، غناء، وثبات.

هنا تبدأ ملامح القوة. ليس فقط البقاء، بل تحويل البقاء إلى بنية. إلى تضامن. إلى حياة بديلة. هذه المبادرات العفوية ليست مجرد محاولات للنجاة، بل نواة ما يمكن أن يصير لاحقًا شكلًا جديدًا من السياسة: لا يقوم على قيادة، بل على شبكة عضوية من الرعاية والتكافل والمبادرة الشعبية.

في لحظة كهذه، تبدو غزة وكأنها تكتب فصلًا جديدًا من تاريخ الشعوب التي واجهت محوًا وجوديًا ولم تُفْنَ. تمامًا كما صمدت الجزائر تحت استعمار دموي طويل، كما قاومت هانوي نيران الطائرات الأميركية، كما رفضت ستالينغراد الاستسلام، وكما ظلّ جنوب أفريقيا يُراكم الرفض حتى انهيار نظام الفصل العنصري. هذه التجارب لا تمنحنا العزاء، بل تُنبت الأمل: أن الشعوب حين تتمسك بجذورها، تخلق أدواتها الخاصة، وتعيد تشكيل مصيرها ولو من الحطام.

كما أن ما يجري في غزة ليس معزولًا. من لبنان إلى اليمن، هناك تعبيرات ملموسة عن التفاعل الشعبي العربي، وهناك تضامن عالمي يخرج عن الرسمية، من مبادرات الإغاثة إلى سفن الحرية، إلى حملات المقاطعة، إلى الأصوات التي تُسمع في برلمانات ومظاهرات ومدن لم تكن تنطق بفلسطين من قبل. كل ذلك يثبت أن هذا الفعل الصامت الذي وصفناه، ليس معزولًا ولا فرديًا، بل جزء من سياق تحرري أوسع، يلتقي فيه المحلّي بالكوني، وتلتقي فيه غزة بالجميع.

إن الذين يصرّون على البقاء الآن في غزة، من دون صوت أو راية أو ضمانة، لا يفعلون ذلك بدافع البطولة، بل بدافع الإيمان بأن مغادرة المكان تعني محو الحكاية الأخيرة. ولذلك، فإن قرار البقاء، وسط الجوع والموت، لم يعد قرارًا فرديًا، بل صار شكلًا من أشكال الإجماع الصامت: نحن هنا، لا لأننا قادرون على الانتصار، بل لأن لا خيار آخر سوى أن نُمحى.

هنا، لا تعود المقاومة فعلاً عسكريًا أو حتى سياسيًا، بل تتحول إلى فعل وجودي صرف: أن تكون حيث يُراد لك ألا تكون. أن تحفر في الأنقاض لا لترميم بيت، بل لترميم المعنى. أن تجوّع، ومع ذلك ترفض أن تغادر.

في هذه اللحظة، يُعاد تعريف الوطن لا بالخريطة ولا بالسيادة، بل بالناس الذين يرفضون مغادرته حتى وهو ينهار فوق رؤوسهم. في غزة، يُكتب المعنى من ركام المادة، وتُعاد كتابة السياسة بأدوات البقاء: بالطهي على نار الحطب، بالمشي فوق الشظايا، بتعليق غطاء بلاستيكي مكان النافذة.

ولذلك، فإن ما نشهده ليس مفارقة، بل منطق الأشياء حين تبلغ نهايتها: أن يصير الفعل الوطني غير مرئي، لكنه حاضر في كل تفصيل. في القرار الصامت بعدم الرحيل، في النظرة التي ترفض الخضوع، في الوجوه التي تعرف أنها محاصَرة، لكنها لا تزال تقول: لا.

لكن السؤال الأخطر يبقى: من يلتقط هذه اللحظة؟ من يمنع أن يتحول الفعل الصامت إلى عزلة؟ ومن يملك الشجاعة لتحويله إلى قوة تُبني، وتنظيم يُرعى، وأفق يُفتح؟ هذا ليس سؤالًا لغويًا. إنه تحدٍ سياسي حقيقي. لأن الشعوب لا تُمحى فقط بالصواريخ، بل حين لا تجد من يسمّي فعلها، ويحوّله إلى مشروع، لا إلى صرخة.
إن غزة، في أقسى لحظاتها، لا تزال تنتج جوهر السياسة: الشعب كقوة لا تُمحى .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى