ناصر كمال بخيث - أرواح سجينة...

يقول الفلاسفة إن الجسد عبء على الروح يحد من انطلاقها، ولكن في حالتك تلك فإن الروح عبء على الجسد. فأنت ترتاد الندوات والأمسيات لتلقي الشعر وتستمع له، وتناقش مع أصدقائك المبدعين والمثقفين أهم القضايا لتسعد روحك النبيلة، تاركًا جسدك النحيل غارقًا في الحرمان. فلا تحقق له شهوة في طعام، أو تتركه يعزف لحنًا مع امرأة جميلة. فكم من النساء الجميلات مررن بحياتك البائسة، وكنت تشيح بوجهك عنهن دائمًا باسم الإخلاص لزوجتك القبيحة التي أحالت حياتك جحيمًا. ربما لو حاولت مرة لكانت روحك انتعشت أكثر من الشعر، ورضي عنك جسدك فراح يجوب الأقطار ليقتني لك شيئًا من هذه الدنيا التي تعيش فيها فقيرًا.
ترى كيف يراك الناس بملابسك الرثة وأنت الآن تسير في الشارع وحيدًا بعد أن انتهت تلك الأمسية الثقافية؟ ربما يعتقد البعض أنك من المشردين الهائمين على وجوههم، أو المتسولين الذين يتظاهرون بالحاجة لكسب تعاطف الآخرين. ما بالك تنظر للقمر دائمًا وعيناك شاخصتان نحو السماء وكأنك تتحدث معه؟ هل تود أن يكتمل المشهد فتبدو مخبولًا في نظر المارة؟ حسنًا، لقد تعثرت بسبب ذلك واصطدمت بشيء ما في الطريق، حتى أنك سقطت على وجهك واتسخت ملابسك بقاذورات الرصيف. ولكن انظر ولو مرة واحدة إلى الأرض وكفى بعدًا عنها.
إنها حقيبة تلك التي أسقطتك على ما يبدو، نسيها أحدهم أو فقدها. في الغالب ستجد بها ملابس تشبه ملابسك، فالفقراء فقط هم الذين يفقدون الأشياء، بينما الأغنياء يحتفظون بثرواتهم وأشيائهم ولا يفرطون فيها. لا بأس، يمكنك النظر فيها وسحب زمامها حتى ترى أثر يدلك على صاحبها. أسمع منك صيحة، ترى ماذا رأيت؟ ما كل هذه الأموال! لقد حالفك الحظ أخيرًا وصرت غنيًا. ولكن توقف، ماذا تفعل؟ لماذا تنظر حولك؟ أعرف أنك تبحث عن صاحبها، ولكن هل سيكون واقفًا منتظرًا أن تجد حقيبته؟ هل أنت أبله! تفكر أن تذهب بها للشرطة، ولكن من أدراك بأنها سوف تصل لصاحبها في النهاية؟ نعم، الأمر يحتاج منك للهدوء والتفكير العميق، ولذلك يجب أن تتوجه لمنزلك ثم تقرر مصير تلك الحقيبة، وإن كنت أفضل أن تحتفظ بها.
سوف تظل زوجتك القبيحة كما هي، ستقابلك بالسباب وتقول إنك عديم المنفعة تضيع وقتك في الشعر والأدب بدلًا من أن تجني لها المال. كما قلت لك، ها هي تنتظرك أمام الباب لتشيح لك بيدها وتتمايل بجسدها السمين للأمام والخلف، فهي تتحدث بجسدها أكثر من لسانها. ولكنها الآن تلاحظ الحقيبة في يدك فتتوقف لتسألك عنها. لا تكن ساذجًا وتخبرها الحقيقة، يجب أن تكذب كما يفعل بقية الأزواج. تبا، لقد أخبرتها بكل شيء. تفرح المرأة للثروة التي هبطت عليها. تخبرها ثانية أنك سوف تبحث جديًا عن صاحبها حتى تعيدها إليه. تثور وتفور وتنعتك بأرخص الألفاظ وأحطها، ولكنك لا تبالي. تتجه لغرفتك لتضع الحقيبة على المكتب، ثم تلقي بجسدك على الأريكة منتظرًا الصباح لكي تتخلص من تلك الورطة التي وقعت فيها.
*****
دائما ما كان يردد:
أنت خائب لا نفع منك... ستظل هكذا عاطلا لا تستمر في عمل أو تنجح فيه.
لولا أن ملامحي تشبهك، لشككت بأنك والدي. فلا تشجيع وجدت منك ولا دعم... لقد تخرجت من الجامعة وأنهيت خدمتي العسكرية فقط منذ سنتين. لم أجد خلالهما عملاً يناسبني، فقد تنقلت بين العديد من الأعمال حتى أنني عملت صبيًا لدى أسطى ميكانيكي أخذ يعلمني صنعته وكأنني طفل صغير، يوبخني أمام الزبائن، ومع هذا فأنت تجدني مقصرًا. لذلك، يجب أن أنجح في عملي الجديد كسكرتير شخصي لأحد رجال الأعمال، حتى أثبت له ولي أنني لست فاشلاً ويمكنني النجاح. ولا سيما وأنا أحتاج العمل ليس فقط من أجل لقمة العيش، بل لأنني مريض بالسكر وأحتاج للدواء الذي يكلف الكثير بسبب الغلاء الذي يضرب أرضنا الآن. رغم معاملته القاسية وساعات العمل التي تتجاوز العشر ساعات يوميًا، إلا أن المرتب يكاد يكفي لقمة العيش ومصاريف الأدوية. كل هذا العمل المكتبي ممكن ومقبول مقابل هذا الأجر، ولكن تلك المهمة التي كلفني بها اليوم هي مهمة عسيرة حقًا. أن يكلفني بحمل حقيبة تحتوي على مليون جنيه لأُسلمها لعميل عنده، فهذا أمر لا أطيقه ومسؤولية تثقل كاهلي. هو ينظر لهذا المبلغ باستهانة كبرى كما ينظر العامة للفكة، بينما بالنسبة لي، وبالنسبة له أيضًا، ففقدانها يعني فقدان حياتي. فهو رجل قاسٍ لا يعرف الرحمة، ويشك في أقرب الناس له. ولولا خوفي من تأنيب من حولي، لكنت قد تركت العمل لديه من أول يوم لي في الوظيفة.
ما يزال هناك شارعان حتى أصل لمكتب العميل، ولكن كثرة التفكير فيما أنا فيه جعلني أحس بدوار ما، وربما هو نقص السكر، فأنا لم أتناول شيئًا حرصًا مني على تنفيذ المهمة والتخلص من تلك الحقيبة بنجاح. يزداد الدوار الآن. أبحث عن متجر قريب لأشتري حلوى حتى أعالج النقص في السكر، ولكن يبدو أن المتاجر تختفي عندما نحتاجها. ها هو مقهى قريب، سأطلب منه مياه غازية وسوف تفي بالغرض. ولكن الدوار يزداد، وتختفي الرؤية تمامًا ليحل محلها ظلال الأشياء، ثم أغوص في الظلام وأفقد الوعي بما حولي تمامًا.
*****
تستيقظ من نومك لتجد الحقيبة قد اختفت من فوق المكتب. تنزعج قطعًا، فتبحث عن زوجتك فتجدها قد اختفت أيضًا. أنت تعلم أنها سرقت الحقيبة وذهبت بها إلى منزل والديها. سوف تتبعها، ولكنك لن تنال سوى علقة ساخنة من أخيها الضخم، وسوف تترك منزلهم وقد فقدت جزءًا من كرامتك كالعادة. من الأفضل لك أن ترتدي ملابسك وتقوم بما تجيد القيام به وهو التوجه إلى المقهى لتحتسي الشاي وتدخن نارجيلتك حيث تنفث مع دخانها غيظك وغضبك كما تفعل في كل مرة.
ولكن في تلك المرة هناك أمر جلل، فقد سرقت ما ليس لها ومعها الآن مال كثير، ففي الغالب لن تعود. ربما هي فكرة جيدة، فسوف تكون الحياة أجمل من غيرها. أعلم أنك غاضب لأنك تحس بأنك قد ساهمت في سرقة مال الغير، حيث أحضرت الحقيبة إليها، ولكني قلت لك منذ البداية ألا تخبرها. فلتمضِ صوب المقهى يا عزيزي وتحاول النسيان، فهذا أفضل.
تجلس على المقهى، تحس بالأمان عندما تضع فوهة النارجيلة في فمك. تنظر حولك فتجد وجوهًا مألوفة لديك، ماعدا شاب أسمر نحيل يجلس في الركن البعيد عنك ولكنه يظل ينظر لك. تشعر بالخوف والأسف لأول مرة في حياتك. يبدو أن الشاب قد شاهدك وأنت تلتقط الحقيبة من الأرض وتمضي بها. هو يظن الآن أنه ينظر للص، وربما سيغادر الآن لكي يطلب الشرطة. هل تغادر وتهرب؟ فتلك أفضل ما يمكنك فعله الآن. لا، لن تهرب، فذلك ليس من شيمك. ستمضي إليه وتسأله صراحة إن كان يعرفك، وستخبره بالقصة كاملة، فأنت لا يمكنك كتمان سر في حياتك. تقف وتمضي إليه لتحدثه وتنهي تلك الهواجس الملحة.
*****
استيقظت لأجد نفسي في المستشفى بعد أن تم نقلي من الشارع لإصابتي بالإغماء نتيجة نقص السكر. يقولون بأنني قضيت ليلة كاملة في المستشفى تحت الملاحظة لخطورة الحالة. التفت حولي لأبحث عن الحقيبة، ولكني لم أجدها. أسأل الجميع ولكن لا أحد يدري عنها شيئًا. إذاً، لقد سُرقت الحقيبة وما بها. الأفضل لو أنني مت عن فقداني لها، فماذا سوف أخبر صاحب العمل؟ وبالقطع لن يصدق حرفًا وسيظن بي الظنون، وسيكون محقًا، ولكن الأهم هو أنه لن يتورع عن سجني مقابلها. هناك أمل وحيد، وهو أن أتوجه للمكان الذي فقدت فيه الوعي بجانب المقهى، فربما لاحظ أحد الطيبين الحقيبة ويعرف مصيرها، فينقذني من مصيري المظلم الذي أنا مقبل عليه.
قررت أن أجلس على هذا المقهى دقائق لأسأل العمال هنا عنها، ولكن لم أحصل على إجابة. اتخذت ركنًا قصيًا في المقهى ورحت أفكر فيما يجب القيام به. لاحظت رجلاً ينظر إلى الجالسين، وبدا مألوفًا لدي. تذكرت الآن، لقد شاهدت ظلالًا بينما يحملني الرجال، وملامح هذا الرجل تشبه إحداها. يبدو أنه أحس بنظراتي له، فأراه متوجهًا ناحيتي. على كل حال، سوف أسأله حتمًا عن الحقيبة.
*****
يجول القهوجي في المقهى وهو ينظر حوله، يرى رجلين يتحدثان وكأنهما يخططان لشيء ما. لم يعر الأمر اهتمامًا كبيرًا، فقد اعتاد رؤية الكثير في مهنته تلك. راح يردد بصوت جهوري:
"الحساب يا أفندية!"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى