جمعي شايبي - أنا يوسف... د. أيمن العتوم .

سبحان من فتح على الكاتب الدكتور أيمن العتوم وألهمه ، فأنطق بأحرفه الذئاب وأجرى على ألسنها شهد الفصاحة والوعظ ، وقوة البلاغة وسحر البيان ومتعة السرد ، وقد أذهل براءتها من دم يوسف العجب ، من شرور بني الإنسان .
لقد إتخذ الدكتور أيمن العتوم من قصص القرآن وأشهر تفاسيره مصدرا ومرجعا فيما روي عن نبي الله يوسف عليه السلام ، فحاك لنا بروعة واقتدار رائعته : أنا يوسف.

1756883379660.png

وجاء منجزه غاية في الإتقان ، ضافيا بجمال فني باذخ يفوق الخيال ، لا يحوز سر صنعته غير الكبار.
فتخال نفسك من فرط روعته أنك واحد ممن عاش بين أظهر أهل ذلك العصر والزمان ، وعايش عن قرب محنة نبي الله يوسف عليه السلام ، وشهد قصته بمحنها وآلامها وعذاباتها وأفراحها وأحلامها العريضة وآمالها العظام .
بالرغم من كون رواية التاريخ أصعب الأجناس الأدبية وأعقدها على الإطلاق ، لأن أحداثها الوقائعية ومادتها العلمية تحد وتقوض وتضيق من مخيال الكاتب إلى حد كبير ، إلا أن الدكتور أيمن العتوم بموهبته الفنية الفريدة وقوة إلهامه وأصالة إبداعه ورحابة مخياله ، إستطاع باقتدار أن يختلق نصا فنيا حيا متمادي الآفاق الإبداعية ، واسع المساحات الإلهامية ، وهي واحدة من ميزات العبقرية والنبوغ .
فلا يشعر القارئ مع هذا النص ، إلا وهو مسكون بالشغف ، متطلعا إلى معرفة المزيد من الأحداث ، صفحة بعد الصفحة ، وفصلا تلوى الفصل ، كأنه ريشة في مهب رياح التشويق ، أو قشة في تيار سردية جارفة ، فيفقد تماسكه وتنصهر روحه مع روح النص ، ولا يفيق إلا باكيا ذارفا دمعه دون أن يتمالك عواطفه في أكثر من مرة وفي أكثر من مشهد وحدث ، وقد اهتزت أحاسيسه هزا .

1756883490302.png

لقد نجح العتوم مرة أخرى في زلزلة مشاعرنا ، كما فعل بها في أيقونته وقبة أعماله الخالدة : يسمعون حسيسها .
التضحية بواحد لصالح العشرة ، بهذه الشبهة المسمومة دق الشيطان أجراس الحسد ونواقيسه في قلوب إخوة يوسف المظلمة الظالمة ، فجلجل فيها الحقد مدويا ، بين مريد راضيا، وبين معترض مغلوب على أمره مرغما ، لكأن من قابيل في شرايينهم بقية من دم لا يزال فيها ساريا .
إذ أرادوا أن ينالوا الحب بالقتل ، والقرب بالنفي والإبعاد ، حينما سولت لهم أنفسهم قتل أخيهم ليخلو لهم وجه أبيهم يعقوب عليهما السلام ، دون أن يشفع لأخيهم عندهم يتمه ولا براءة طفولته وحداثة سنه ، فألقوه في غيابات الجب غير آسفين ، وباعوه بأبخس الأثمان عبدا مقهورا .
فأطفأ الحزن بصر أبيه من فرط البكاء عليه ، وسرق العمى نور عينيه ، فاقدا بهجته بماضيه رفقة فلذة كبده ، دون أن يفقد يقينه بالله ونور قلبه وبصيرته ، رغم ما ورثه الفقد من حزن مرير .
وكان من أمر يوسف في قصر عزيز مصر أن تهافتت عليه النساء الحسان تهافت الفراش على النور ، ولن أقول النار ، إذ لا شيئ أليق بجماله من التشبيه غير الأنوار ، فأولجه جماله الساحر ظلمات الزنازين وضيقها ، لكأن حسنه الآسر جرم ، ولكأن رؤياه خطيئة .
لقد أراد إخوته وكل من كادوا له أن يعاجلوا القدر فعاجلهم ، إذ أن الأقدار ما غيبت يوسف إلا لتعيده عزيزا كريما ، فقدر الله اللقاء وجمع الشتيتين من بعد فراق مر دام عمرا طويلا ، وكان من أمر يوسف ما كان.
لنا في قصة يوسف عليه السلام أكثر من درس وعبرة ، منها أن نعرف تداعيات مرض الحسد ومآلاته البائسة.
وأن التمسك بفانية على حساب باقية ، خفة غقل وصفقة خاسرة .
وأن من لم يجد نور الله في قلبه ، فلن يجده في الدنيا قاطبة ولو ذرع أصقاعها وأمصارها وأطرافها طولا وعرضا .
وأن ذلك النور الرباني لن يتأتى إلا من خلال عقيدة توحيد خالصة راسخة ، وهي عقيدة الأنبياء والمرسلين جميعا عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم .
ما أصعب أن يغامر كاتب فيخاطر بالكتابة في أدب التاريخ ، والأصعب من ذلك كله أن يكتب عن نبي ، لأن الكتابة عن مقام النبوة المقدسة الطاهرة غير مسموح فيه باقتراف الأخطاء والهفوات ، ولست أحسب على الدكتور أيمن العتوم في روايته ، غير هفوته في بداية الصفحة ٣٤٦ ، إذ نسب ليعقوب عند لقائه يوسف عليهما السلام قولته : ( .. يا مذهب الأحزان ..) وهذا خطأ عقدي من المحال أن يصدر عن نبي معصوم ، إذ يا يأتي بالأحزان ولا يذهبها إلا مفرج الهموم والكرب جل في علاه .
لقد أمتع الدكتور أيمن العتوم وأدهش بتأليفه رواية تروي فصلا من فصول النبوة الطاهرة ، وإن كان الراحل نجيب محفوظ قد سرد برائعة أولاد حارتنا قصة النبوة بكامل فصول سيرتها العطرة ، رغم ما أثارته من جدل ، وخاصة شخصية الجبلاوي تحديدا .
إن القرآن الكريم كان وسيظل مصدرا تاريخيا محكما منزها ، أخبرنا عن حال ما سبقنا من حضارات وأمم ، وإنه لا يتعارض مع المعرفة ومناهج البحث والعلم ، إنما يدعونا إلى المزيد من إعمال عقولنا وتوظيف مواهبنا في هذا الحقل وأن نحذو حذو الملهمين حتى في الأدب ، كما فعل العتوم ومن شاكله .

جمعي شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى