بعض النصوص على قلتها ، مصائد وأفخاخ ملقمة بطعم السرد ، من فرط سحرها وسلطة غوايتها ، توقعنا كالأطيار في الأسر ، مهما تترسنا باليقظة وتدرعنا بالحيطة والحذر .
هذا الذي حدث لي في أول مغامرة قرائية لأدب العبقري الملهم إبراهيم نصر الله ، من خلال تحفته الأدبية الخالصة : طيور الحذر ، التي ورثتني شغفا متأججا وعزما خالصا على اقتناء وقراءة كل أعمال هذا الكاتب العظيم .
طيور الحذر مرآة صقيلة شفيفة كدمعة ، عكست بمنتهى النقاء والصفاء والصدق ، مأساة شعبنا الفلسطيني الشقيق ، المهجر قسريا ، بعيدا عن أرضه السليبة ، فلسطين الحبيبة دونما ذنب .
إنها رصد حثيث لحيوات المشتتين بأدق تفاصيل يومياتهم البائسة ، وعذابات اغترابهم الدامية ، وخيباتهم وانكساراتهم القاتلة .
طفولة زوبع اليتم والبؤس براءتها عبر الشوارع والوديان والتلال ، ونساء هد كواهلهن التدبير لقصر اليد و قلة الحيلة ، ورجال أكلتهم المحاجر وأقسى الأشغال وأشقها ، وابتلعتهم ظلمات الزنازين والسجون ، وقد نخر سوس الفقر والفاقة والعوز عظام جميعهم ، ونهشت أرواحهم المكلومة مخالب الإغتراب ، وسط مخيمات تفتح فيها الشقاء ، وعشش فيها البؤس وفرخ .
تحاصر قاطنيها البؤساء السيول والبرك والأوحال في الشتاءات ، وتغرقهم الأصياف في الأقياظ المحمومة المستعرة والعرق ، وتسربلهم بالزوابع والغبار .
لقد كان بطل النص مولها مولعا مذ طفولته بالعصافير وصيدها ، دون أن يقاسم غيره من الصيادين غايتهم في أكلها وبيعها مأسورة محبوسة في الأقفاص ، إذ كان يصطادها بفخاخه البسيطة ، ليعيد إطلاق سراحها ، قاصدا بذلك أن يعلمها الحذر ، لتتفادى حتفها المحتوم على أيدي المترصدين المتربصين بها في كل واد وتل .
لم يقبل أن تسلب تلك العصاقير البريئة حياتها وأرضها وقوتها وسماءها .
على حب الحرية ولد وشب ، وعليها عاش إلى أن مات في إبآء مثلها .
إن أول ما شد انتباهي في هذه الرواية المدهشة هو أن قراءة فصولها جاءت بعد تنازلي ، وهذه صنعة فنية مبتكرة ، وحيلة إبداعية متقنة ، لا تتوالد إلا في أخيلة الملهمين .
إضافة إلى رمزياتها المكثفة ، ودلالياتها العميقة المخبوءة المبطنة ، ما يجعل النص أدبا نخبويا بامتياز ، موجه للكبار دون غيرهم من الغرقى في زبد التسطح ، المشبعين بثقافة إستهلاكية معلبة ، عراة من أي تأمل وتمحيص واعتبار .
لا أرى في أطيار النص غير شعب فلسطين العزيز ، ولا أرى في الفخاخ والأقفاص إلا المنفى والعبودية والإحتلال .
ولا أرى رواية طيور الحذر إلا درة تاريخية في قلب محارة زمن موحش موغل في القهر والظلم والغطرسة والإضطهاد .
ولا أرى في بطل النص إلا بلبلا غريدا يبكي بالتغريد حرية شعبه السليبة ، وسمفونية حنين غاية في العذوبة لوطن مسروق مطوق بالفخاخ والمصائد والقضبان .
كثيرا ما وجدتني مبتسما وتارات ضاحكا مقهقها من شقاوة تلك الطفولة البريئة ، وعن أحلامها الكبيرة ، وكثيرا ما وجدتني باكيا منتحبا من يتمهم الفضيع ، وفقرهم المكين وجوعهم الكافر وبؤس واقعهم المأزوم وحنينهم الجارف وهم مثقلون بأحلام عودة موؤدة بفعل الخيانات والخذلان والخيبات والإنكسارات والهزائم وضعف مستطير .
وجدتني غارقا في فضاء روائي متخم بالمعاناة ، مشبع بالحزن والعذابات ، جازما في الأخير بأن أدب العبقري الكبير إبراهيم نصر الله أدب جدير بكثير من الإهتمام والقراءة والتدريس ، وجدير بأن يعد من أروع الآداب وأرقاها ، وأن صاحبه فعلا من طينة الكبار .
كما وجدتني في الأخير من بعد قراءتي لطيور الحذر ، متخما بشعور الوحدة واليتم ، حائرا متسائلا : أي نص جميل سأقرأ من بعدها .
جمعي شايبي
هذا الذي حدث لي في أول مغامرة قرائية لأدب العبقري الملهم إبراهيم نصر الله ، من خلال تحفته الأدبية الخالصة : طيور الحذر ، التي ورثتني شغفا متأججا وعزما خالصا على اقتناء وقراءة كل أعمال هذا الكاتب العظيم .
طيور الحذر مرآة صقيلة شفيفة كدمعة ، عكست بمنتهى النقاء والصفاء والصدق ، مأساة شعبنا الفلسطيني الشقيق ، المهجر قسريا ، بعيدا عن أرضه السليبة ، فلسطين الحبيبة دونما ذنب .
إنها رصد حثيث لحيوات المشتتين بأدق تفاصيل يومياتهم البائسة ، وعذابات اغترابهم الدامية ، وخيباتهم وانكساراتهم القاتلة .
طفولة زوبع اليتم والبؤس براءتها عبر الشوارع والوديان والتلال ، ونساء هد كواهلهن التدبير لقصر اليد و قلة الحيلة ، ورجال أكلتهم المحاجر وأقسى الأشغال وأشقها ، وابتلعتهم ظلمات الزنازين والسجون ، وقد نخر سوس الفقر والفاقة والعوز عظام جميعهم ، ونهشت أرواحهم المكلومة مخالب الإغتراب ، وسط مخيمات تفتح فيها الشقاء ، وعشش فيها البؤس وفرخ .
تحاصر قاطنيها البؤساء السيول والبرك والأوحال في الشتاءات ، وتغرقهم الأصياف في الأقياظ المحمومة المستعرة والعرق ، وتسربلهم بالزوابع والغبار .
لقد كان بطل النص مولها مولعا مذ طفولته بالعصافير وصيدها ، دون أن يقاسم غيره من الصيادين غايتهم في أكلها وبيعها مأسورة محبوسة في الأقفاص ، إذ كان يصطادها بفخاخه البسيطة ، ليعيد إطلاق سراحها ، قاصدا بذلك أن يعلمها الحذر ، لتتفادى حتفها المحتوم على أيدي المترصدين المتربصين بها في كل واد وتل .
لم يقبل أن تسلب تلك العصاقير البريئة حياتها وأرضها وقوتها وسماءها .
على حب الحرية ولد وشب ، وعليها عاش إلى أن مات في إبآء مثلها .
إن أول ما شد انتباهي في هذه الرواية المدهشة هو أن قراءة فصولها جاءت بعد تنازلي ، وهذه صنعة فنية مبتكرة ، وحيلة إبداعية متقنة ، لا تتوالد إلا في أخيلة الملهمين .
إضافة إلى رمزياتها المكثفة ، ودلالياتها العميقة المخبوءة المبطنة ، ما يجعل النص أدبا نخبويا بامتياز ، موجه للكبار دون غيرهم من الغرقى في زبد التسطح ، المشبعين بثقافة إستهلاكية معلبة ، عراة من أي تأمل وتمحيص واعتبار .
لا أرى في أطيار النص غير شعب فلسطين العزيز ، ولا أرى في الفخاخ والأقفاص إلا المنفى والعبودية والإحتلال .
ولا أرى رواية طيور الحذر إلا درة تاريخية في قلب محارة زمن موحش موغل في القهر والظلم والغطرسة والإضطهاد .
ولا أرى في بطل النص إلا بلبلا غريدا يبكي بالتغريد حرية شعبه السليبة ، وسمفونية حنين غاية في العذوبة لوطن مسروق مطوق بالفخاخ والمصائد والقضبان .
كثيرا ما وجدتني مبتسما وتارات ضاحكا مقهقها من شقاوة تلك الطفولة البريئة ، وعن أحلامها الكبيرة ، وكثيرا ما وجدتني باكيا منتحبا من يتمهم الفضيع ، وفقرهم المكين وجوعهم الكافر وبؤس واقعهم المأزوم وحنينهم الجارف وهم مثقلون بأحلام عودة موؤدة بفعل الخيانات والخذلان والخيبات والإنكسارات والهزائم وضعف مستطير .
وجدتني غارقا في فضاء روائي متخم بالمعاناة ، مشبع بالحزن والعذابات ، جازما في الأخير بأن أدب العبقري الكبير إبراهيم نصر الله أدب جدير بكثير من الإهتمام والقراءة والتدريس ، وجدير بأن يعد من أروع الآداب وأرقاها ، وأن صاحبه فعلا من طينة الكبار .
كما وجدتني في الأخير من بعد قراءتي لطيور الحذر ، متخما بشعور الوحدة واليتم ، حائرا متسائلا : أي نص جميل سأقرأ من بعدها .
جمعي شايبي