أ. د. عاهد حلس - أضحك من مرارة السخرية

أقلّب منشورات الفيسبوك كل يوم. الصور نفسها، والفيديوهات نفسها، والشتائم تطير من منشور إلى آخر. ابتسامة خالد مشعل لم تتغيّر منذ سبعمائة يوم، أو منذ سبعين ألف شهيد. وأسامة حمدان لم يخسر من وزنه كيلوغرامًا واحدًا.

يقطع تصفّحي إشعار على الواتساب: رسالة من زميلة في كندا، أستاذة جامعية، تطلب رأيي في معزوفتها على البيانو. أبدي إعجابي قبل أن أسمعها، مركزًا في صوت الزنانة الذي ارتفع فجأة وصار ينذر بدوي انفجار وشيك. هنا عالم، وهناك عالم..الأصدقاء خارج غزة يرفعون شارات النصر، هنا ، نبحث نحن في الركام عن اليد. هناك يحملون علمًا بطول الشارع، هنا، تمرّ الشاحنات مكدّسة بالجثث.. الأعلام لا تقي من الشمس، والجثث لا تقي من الليل.

تسألني زميلتي: “هل حاولت الخروج من غزة؟” أجيبها: كثيرون من أصدقائي سافروا ولم يخبروا أحدًا بالطريقة. حتى الشعر نفسه كان آخر من خدعني؛ قال لي: “في القصيدة باب للنجاة.” وحين وصلت الدبابات إلى أسفل بيتي، كان قد غادر بهدوء.

أشياء كثيرة تحدث في حياتنا ليس لها تفسير، مثل ابتسامة خالد مشعل، أو مثل الشفق القطبي الذي يرقص في السماء بلا موسيقى. أكفّ عن التفكير وأحاول اقتناص فرصة أخرى للنوم، مستخدمًا حيلًا خاصة اكتشفتها في الحرب: أن أعدُّ صوت القذائف، واحدة، اثنتان، ثلاثون… أحيانًا أنام قبل أن أصل إلى الرقم عشرة، وأحيانًا أستيقظ عند الصفر.

أطلّ من النافذة لاعرف مكان الانفجار ، نصف نائم ونصف مستيقظ. تصرخ زوجتي وتتوسل أن أعود، لئلا يقصفني زورق أو طائرة مسيّرة. أعود إلى السرير. لا شيء سيتغير؛ إن لم أمت هذه الليلة ستعود العصافير صباحًا لتغني فوق نصف المدينة الممسوحة. صباح الخير أيها العالم.

ولكن، هل من الإنصاف أن نلوم العالم؟ ربما لا. فنحن أيضًا، حين نذهب إلى المقابر، ينتابنا إحساس لذيذ بالسكينة ونمتلىء بزرقة السماء والفضاء الفسيح. ليس لذلك تفسير سوى إدراكنا أننا أحياء وهم أموات. ما أقبح الإنسان. صباح الخير… صباح الخير أيها الإنسان الكلب.

أتناول هاتفي لأشكو وأبث حزني إلى الله بمنشور أو قصيدة. بعد ساعات أجد تعليقًا كتبه صديق من زمن الدراسة يعيش في أمستردام، ربما على بعد نصف كيلومتر من “Red District Zone”. يلومني على تعبي من الحرب ويكتب لي: “ومن لم يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.” وتعلّق زميلة أخرى، تعيش في دبي، تحوّلت من العمل في الهندسة إلى صناعة المحتوى كعارضة أزياء، بآية قرآنية عن الصبر والقتال. أشكرهما بعلامة إعجاب.

إحدى فضائل الحرب أنها طوّرت قدرتي على الصبر، وعلى اكتشاف طرق للنجاة من النقاشات الخاسرة.

هل الإنسان بطبعه قبيح إلى هذا الحد؟ لا أعرف. ولكني، كلما تعبت من الحرب، أضع رأسي على حجر
وأقول: هذا سريري.
أضحك من مرارة السخرية،
والحجر يضحك معي،
ثم يسقط فوقي.

أ. د. عاهد حلس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى