(فكرة الشعر كفكرة الماء)
دائما الشعراء مفتونين بالخلق والابتكار وتشكيل الحياة، يتملكهم شغف التغيير، مدفوعين بطاقة الحب، لإقتفاء أثر الشعر أينما رحل وارتحل، والشاعر جاسم العلي في ديوانه (دوران) جعلنا نتساءل هل هو دوران ذهني بموسيقى راقصة ...؟،أم هو دوران فلسفي بكلمات شعرية ...؟، أم هو دوران شعري بنغمات لونية ...؟ فعبر إنزياحات حيوية راقصة لسيميائية الفكرة، سنجد لوحة الغلاف تشير الى وجود أيقونة الفريد استير الراقص على النجوم ببدلته الاسموكن السوداء وقبعته العالية وعصاه التي يستخدمها للتلويح أو التوازن وهو يحاول أن يتخلص من الدوامة الصفراء التي تسحبه الى الخلف، وهذا هو الخيار الأمثل والأكثر تعبيراً عن الفكرة التي تتجلى في حضورها البديع، فهل الراقص في اللوحة هو الشعر أم الشاعر أم الإثنين معاً ...؟ فهو بدل أن يتلقى الدعوات يبعث هو بدعواته الى المتلقي، وهذا البهاء يتوهج منذ البدء، حيث إن الشاعر أختزل الفكرة في أقصى تجلياتها في لوحة الغلاف وجعل من فعل التلقي يتماها مع فكرة الشعر وقدرته على الإدهاش ، لذا أبتكر الشاعر قصائده وصممها على شكل تسلسل شعري بقفزات دورانية راقصة يمكنها أن تذهب إلى الجانب الآخر من التأويل بعد التأمل في نفس الوقت، وهذا ما يشير إليه العنوان الداخلي للديوان حيث كرر كلمة الدوران مرتين وهذا دليل على الحركة بإتجاهات متعددة ، وسنجد أن غلبها مفتتح لبداية محادثة وإثارة ذهنية، وهذا هو السحر الخفي لديوان (دوران)، ففي البدءِ وفي دورانه الأول نجد الشاعر يخبئ وجهه في المستحيل رغم ألفته الأول، فيتسع المعنى، فيحتوي انفجار الفراغ اللصيق، بعد أن كان السكون ضيقاً، فيقول في قصيدة ألفه:
أُخبْئ وجهكِ في المستحيل
في انفجار الفراغ اللصيق...
كغربةِ ظل غادرَ ظله
لتؤلفَ رغبة الرنين
صوتَ منتهاهِ
وفي قصيدة نهار، كانت الفكرة أن تحاكي النهار بحضوره وديمومته، نهار الشاعر ونهارنا، رغم أن الشاعر زهد في الكلمات وكثف في المعاني، فيبدأ القصيدة بكلمة حافل أي ممتلئ بالفعل والفعل بالحضور، سنجد هذه الصور الساحرة والتي تشع أطيافاً متحركة على شريط القصيدة تنطق شعراً، وتثري رؤيتنا للعالم كما هو موجود، وكما قد يكون موجوداً:
نهار
حافلٌ...
بالنظائرِ شكل الغياب
قابل...
للطي والتذكرِ غشاء
الرغبة!
في تنامي النهار
وفي قصيدة (هدهدة) سنجد كأن طيوراً تتلو الأحلام في الموسيقى وتخفق بأجنحة الأماني في الصباح عبر العطر المنبثق من حكايات قوس الكونترباص ووتر التشيللو والموسيقى المنسكبة كالضوء من الكمان، أي التماعات للاماني تستطيل في الموسيقى وتذهب في المدى وأبعد، الأحلام قرينة الموسيقى والموسيقى قرينة ذاتها، فهي تتغلب على جاذبية حضورها الفيزيائي:
العصافيرُ
على سياجِ حديقتكِ
تتلوا سرَ الحُلمِ
بجذورِ قيامتها
وعيناكِ….
تشعان ... تبحثان
عن معرفةِ الظلِ
ووحدةِ الجسدِ في الأشياء
وهدهدة السماء
تراودنا الرؤيا دائما على مقامات الحلم الذي يجاور حياتنا، ومن فكرة الموسيقى، التي تحاول أن تماثلها، وتتناظر مع الوقت، هل نحن مثل الموسيقى نلاحق الحلم أم نطارد الوهم أم نبحث عن الحقيقة ...؟!، في هذه الرؤيا التي تفترض وتعيد الاحتمال، مختزلة في حلم، مجردة من كل فكرة، وعلينا أن نثق بصدق حديثها الغامض مثل الأساطير، فهي بلا مواعيد ولا انتظار، هذا ما دونه الشاعر في قصيدة رؤيا:
رؤيا
هل كل ما أرى
وجهَكِ خطوة فوق بحار القمر
أرى
نجمةً كبيرةِ تتكئ على أشجار
المدينةِ
يفرح بها رصيف
عند
حلم الربيع؟!
وفي قصيدة (هيَ وحدها) التي هي على شكل تراجيديا مشتقة من زمن قديم، لحكايات تورق في الاشتياق، لا زالت تدور في ذاكرتنا، فهي كشجرة الغيم تعرف أوان نضوجها فتثمر بالمطر، يقول الشاعر (في البيت القديم /حين استدارت دورة الجمر /والرياح التي كبلتنا)، ثم يستدرك كل المعاني في هذه الجملة الزمنية التي تجعلنا نقف بين بعدين، وبين بينين، بين الوصول وعدم الوصول، بين العطش والارتواء فيقول (كلما شعرنا بأنّا اقتربنا /رأينا البعد):
في البيت القديم
حين استدارت دورة الجمر
والرياح التي كبلتنا
تنافسُ أفراحنا،
كانت الأطراف تنثرُ رائحةُ الحنين
والوجد يطفئُ رغبتهُ ـ
التي لا تنتهي
لا تشتهي قاماتنا.
تخبئُ في اليمين هزائمنا
فتصفعنا نافذة البكاء
كلما شعرنا بأنّا اقتربنا
رأينا البعد،
وفي دورانه الثاني وفي قصيدة (الوجوه)، سنجد وجوهاً متعددة بإبداعات تشكيلية، وجوهاً نعرفها حاضرة في تفكيرنا الجمعي، كما حاضرة في تفكير الشاعر الذي بين تفاصيلها كبورتريهات ترتسم أفكارها على ملامحها:
وجوهٌ تسبحُ في الظلال
وجوه لست تذكرها
تفككُ فيها دورةُ الأيام
شفرةَ الأحلام.
هي تلك الحياة بلا دهشة
تمحو لوحةَ الذاكرة ...
إلّا العالم المحفوظ في خزانة
تتلمسُ انعكاس
رغبة صافية
وحدها ....
تلبسُ أضواء النجوم
تنبعُ رائحة المحبة
في البيت القديم
وفي دورانه الثالث نقرأ الشعر على اعتباره تمرداً، فالدوران بحد ذاته تمرد يتمحور في الكلمات وعلى الكلمات التي تحاول فعل التغيير، وهذا يذكرنا بدرويش يتوق الى اكتمال البياض فيطوف حول الأزرق السماوي حتى تتطابق الفكرة، حيث (لا الضفاف تتسعُ المدى ولا المدى يتسعُ الحنين)، فيدور حول ذاته وحول الكلمات فتجتمع بين يديه النجوم:
دوران
لا الضفاف تتسعُ المدى
ولا المدى يتسعُ الحنين
هيَ الارض بصمتهٍا نقطةُ امتلاك الضوء
من فراغِ الكون ...
وفراغ الكلمات
نسافرُ مع الضوء...
مع الريح خلفَ المطر...
الناظر الى تجربة الشاعر جاسم العلي في ديوانه (دوران) سيجد أن المعنى يليه المعنى، ففكرة الدوران، تؤكد ذلك وتشير اليه، وهذا ما سعى اليه الشاعر
دائما الشعراء مفتونين بالخلق والابتكار وتشكيل الحياة، يتملكهم شغف التغيير، مدفوعين بطاقة الحب، لإقتفاء أثر الشعر أينما رحل وارتحل، والشاعر جاسم العلي في ديوانه (دوران) جعلنا نتساءل هل هو دوران ذهني بموسيقى راقصة ...؟،أم هو دوران فلسفي بكلمات شعرية ...؟، أم هو دوران شعري بنغمات لونية ...؟ فعبر إنزياحات حيوية راقصة لسيميائية الفكرة، سنجد لوحة الغلاف تشير الى وجود أيقونة الفريد استير الراقص على النجوم ببدلته الاسموكن السوداء وقبعته العالية وعصاه التي يستخدمها للتلويح أو التوازن وهو يحاول أن يتخلص من الدوامة الصفراء التي تسحبه الى الخلف، وهذا هو الخيار الأمثل والأكثر تعبيراً عن الفكرة التي تتجلى في حضورها البديع، فهل الراقص في اللوحة هو الشعر أم الشاعر أم الإثنين معاً ...؟ فهو بدل أن يتلقى الدعوات يبعث هو بدعواته الى المتلقي، وهذا البهاء يتوهج منذ البدء، حيث إن الشاعر أختزل الفكرة في أقصى تجلياتها في لوحة الغلاف وجعل من فعل التلقي يتماها مع فكرة الشعر وقدرته على الإدهاش ، لذا أبتكر الشاعر قصائده وصممها على شكل تسلسل شعري بقفزات دورانية راقصة يمكنها أن تذهب إلى الجانب الآخر من التأويل بعد التأمل في نفس الوقت، وهذا ما يشير إليه العنوان الداخلي للديوان حيث كرر كلمة الدوران مرتين وهذا دليل على الحركة بإتجاهات متعددة ، وسنجد أن غلبها مفتتح لبداية محادثة وإثارة ذهنية، وهذا هو السحر الخفي لديوان (دوران)، ففي البدءِ وفي دورانه الأول نجد الشاعر يخبئ وجهه في المستحيل رغم ألفته الأول، فيتسع المعنى، فيحتوي انفجار الفراغ اللصيق، بعد أن كان السكون ضيقاً، فيقول في قصيدة ألفه:
أُخبْئ وجهكِ في المستحيل
في انفجار الفراغ اللصيق...
كغربةِ ظل غادرَ ظله
لتؤلفَ رغبة الرنين
صوتَ منتهاهِ
وفي قصيدة نهار، كانت الفكرة أن تحاكي النهار بحضوره وديمومته، نهار الشاعر ونهارنا، رغم أن الشاعر زهد في الكلمات وكثف في المعاني، فيبدأ القصيدة بكلمة حافل أي ممتلئ بالفعل والفعل بالحضور، سنجد هذه الصور الساحرة والتي تشع أطيافاً متحركة على شريط القصيدة تنطق شعراً، وتثري رؤيتنا للعالم كما هو موجود، وكما قد يكون موجوداً:
نهار
حافلٌ...
بالنظائرِ شكل الغياب
قابل...
للطي والتذكرِ غشاء
الرغبة!
في تنامي النهار
وفي قصيدة (هدهدة) سنجد كأن طيوراً تتلو الأحلام في الموسيقى وتخفق بأجنحة الأماني في الصباح عبر العطر المنبثق من حكايات قوس الكونترباص ووتر التشيللو والموسيقى المنسكبة كالضوء من الكمان، أي التماعات للاماني تستطيل في الموسيقى وتذهب في المدى وأبعد، الأحلام قرينة الموسيقى والموسيقى قرينة ذاتها، فهي تتغلب على جاذبية حضورها الفيزيائي:
العصافيرُ
على سياجِ حديقتكِ
تتلوا سرَ الحُلمِ
بجذورِ قيامتها
وعيناكِ….
تشعان ... تبحثان
عن معرفةِ الظلِ
ووحدةِ الجسدِ في الأشياء
وهدهدة السماء
تراودنا الرؤيا دائما على مقامات الحلم الذي يجاور حياتنا، ومن فكرة الموسيقى، التي تحاول أن تماثلها، وتتناظر مع الوقت، هل نحن مثل الموسيقى نلاحق الحلم أم نطارد الوهم أم نبحث عن الحقيقة ...؟!، في هذه الرؤيا التي تفترض وتعيد الاحتمال، مختزلة في حلم، مجردة من كل فكرة، وعلينا أن نثق بصدق حديثها الغامض مثل الأساطير، فهي بلا مواعيد ولا انتظار، هذا ما دونه الشاعر في قصيدة رؤيا:
رؤيا
هل كل ما أرى
وجهَكِ خطوة فوق بحار القمر
أرى
نجمةً كبيرةِ تتكئ على أشجار
المدينةِ
يفرح بها رصيف
عند
حلم الربيع؟!
وفي قصيدة (هيَ وحدها) التي هي على شكل تراجيديا مشتقة من زمن قديم، لحكايات تورق في الاشتياق، لا زالت تدور في ذاكرتنا، فهي كشجرة الغيم تعرف أوان نضوجها فتثمر بالمطر، يقول الشاعر (في البيت القديم /حين استدارت دورة الجمر /والرياح التي كبلتنا)، ثم يستدرك كل المعاني في هذه الجملة الزمنية التي تجعلنا نقف بين بعدين، وبين بينين، بين الوصول وعدم الوصول، بين العطش والارتواء فيقول (كلما شعرنا بأنّا اقتربنا /رأينا البعد):
في البيت القديم
حين استدارت دورة الجمر
والرياح التي كبلتنا
تنافسُ أفراحنا،
كانت الأطراف تنثرُ رائحةُ الحنين
والوجد يطفئُ رغبتهُ ـ
التي لا تنتهي
لا تشتهي قاماتنا.
تخبئُ في اليمين هزائمنا
فتصفعنا نافذة البكاء
كلما شعرنا بأنّا اقتربنا
رأينا البعد،
وفي دورانه الثاني وفي قصيدة (الوجوه)، سنجد وجوهاً متعددة بإبداعات تشكيلية، وجوهاً نعرفها حاضرة في تفكيرنا الجمعي، كما حاضرة في تفكير الشاعر الذي بين تفاصيلها كبورتريهات ترتسم أفكارها على ملامحها:
وجوهٌ تسبحُ في الظلال
وجوه لست تذكرها
تفككُ فيها دورةُ الأيام
شفرةَ الأحلام.
هي تلك الحياة بلا دهشة
تمحو لوحةَ الذاكرة ...
إلّا العالم المحفوظ في خزانة
تتلمسُ انعكاس
رغبة صافية
وحدها ....
تلبسُ أضواء النجوم
تنبعُ رائحة المحبة
في البيت القديم
وفي دورانه الثالث نقرأ الشعر على اعتباره تمرداً، فالدوران بحد ذاته تمرد يتمحور في الكلمات وعلى الكلمات التي تحاول فعل التغيير، وهذا يذكرنا بدرويش يتوق الى اكتمال البياض فيطوف حول الأزرق السماوي حتى تتطابق الفكرة، حيث (لا الضفاف تتسعُ المدى ولا المدى يتسعُ الحنين)، فيدور حول ذاته وحول الكلمات فتجتمع بين يديه النجوم:
دوران
لا الضفاف تتسعُ المدى
ولا المدى يتسعُ الحنين
هيَ الارض بصمتهٍا نقطةُ امتلاك الضوء
من فراغِ الكون ...
وفراغ الكلمات
نسافرُ مع الضوء...
مع الريح خلفَ المطر...
الناظر الى تجربة الشاعر جاسم العلي في ديوانه (دوران) سيجد أن المعنى يليه المعنى، ففكرة الدوران، تؤكد ذلك وتشير اليه، وهذا ما سعى اليه الشاعر