رسائل الأدباء 3 رسائل بين غانية ملحيس إلى شجاع الصفدي

1-

9/9/2025

الصديق العزيز شجاع

لماذا المقاومة ليست انتحار
قرأت رسالتك باهتمام كبير، وأفهم غضبك وألمك وألم كل الغزيين، ولا يمكن لأي قلم أو كلمة أن توازي وجع الدم اليومي الذي تعيشونه تحت الإبادة. ما يجري ليس مشهدا عابرا، بل سحق منظم لشعب أعزل ترك وحيدا ليواجه خمس حروب متتالية خلال اقل من عقدين من عدو وجودي، بينما الكثيرون من محيطه القريب والبعيد تواطؤوا أو صمتوا أو شاركوا في حصاره، وما يزالون، أمام الإبادة. وكل كلمة أكتبها أحملها كدين أمام هذا الدم.

لكنني، في مواجهة هذا الجرح، أرفض أن يختزل كل ما يحدث في شعار واحد: أن المقاومة انتحار. فحين نصف مقاومة استعمار إحلالي بأنها “انتحار”،
-أليس في ذلك خلط خطير بين الموت المجاني والموت في سياق الدفاع عن الحق والوجود؟
-هل يترك لنا مشروع استعماري صهيوني إحلالي يقوم على نفينا كجماعة وكمكان وهوية خيارا آخر غير المواجهة؟
-وهل حتى خيار “السلامة الفردية” متاح عندما لا يعترف لك المستعمر بحق الوجود أصلا، ويعتبر أرضك ملكية حصرية له بوعد إلهي لا يخضع للنقاش بين البشر؟
المعركة ليست خيارا بين الموت والحياة، بل بين موت بلا معنى وموت يفتح أفقا للحياة. والقول بأن المقاومة انتحار يعني، في الجوهر: استسلموا لمحوكم كي تبقوا أحياء بيولوجيا. لكن حتى هذا البقاء البيولوجي مهدد حين يستشعر المستعمر خطر التوازن الديموغرافي. بل وما معنى البقاء إن لم يكن مشبعا بالحرية والسيادة والكرامة؟

حين توقفت المقاومة عام 1939، هل توقفت المجازر؟
وهل النكبة عام 1948 كانت نتيجة “كثرة المقاومة” أم العكس؟

الانتحار الحقيقي هو الاستسلام، لأنه يسلّم للعدو كل ما يجعلك موجودا، ويؤجل فناؤك ليقع على أبنائك وأحفادك بلا أرض ولا كرامة. وحدها مقاومة المحو تمنحنا الحياة والحق في الوجود.

وعندما أتكلم عن “حصاد المقاومة”، لا أعني التغاضي عن الفقدان والدمار الهائلين، بل أعني أن الكيان الصهيوني، رغم وحشيته التي فاقت النازية والفاشية، لم ينجح في تصفية القضية، ولا في فرض الاستسلام. هذه ليست نظارات وردية، بل محاولة لحفظ المعنى كي لا يتحول دم الشهداء إلى مجرد أرقام في عداد الموت.

أما حماس، فهي - مثل غيرها من الفصائل - ليست فوق النقد ولا التقييم. لكن ما يحدث اليوم يتجاوز تنظيما بعينه، فالإبادة بدأت قبل عقود من ظهور حماس. إنها حرب إبادة ضد شعب كامل بدأت منذ أكثر من قرن، وبلغت ذروتها في السنتين الأخيرتين، لأن العدو ورعاته قرروا حسم الصراع الوجودي على أرض فلسطين. وخطة سموتريتش 2017 وصفقة القرن 2020 أدلة دامغة.
ومن واجبنا، ونحن ندافع عن حقنا في الوجود ومقاومة المحو، أن نفتح النقاش الصريح حول جدوى الاستراتيجيات التي اعتمدتها القيادة الفلسطينية في المساومة والمقاومة معا، لأن المشكلة ليست في الشعب، بل في القيادات التي قصّرت، وأخطأت، ورفعت كلفة تحرره.

القضية لن تعود حيّة إذا سلّمنا بأنها جثة. ولا معنى للمقارنة الميكانيكية مع الجزائر أو فيتنام إلا بقدر ما تعلّمنا من دروس في صعوبة التحرر وتعقيداته. لكل تجربة شروطها، لكن لكل شعب أيضا حقه في أن ينظر إلى دمائه كجزء من مسار تحرري طويل، لا كخسارة صافية بلا أفق، بل كإرث يراكم خطوات نحو الحرية.

إن ما يبدو اليوم “حصادا إسرائيليا” من خراب غزة أو استباحة الضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن، ليس سوى ربح آني. ففي قانون الحياة، الكائن الذي يعتاش على افتراس محيطه بلا توازن يتحول من مهيمن إلى طفيلي. والطفيليات قصيرة العمر لأنها تنهك مضيفها وتنهك ذاتها معه. إسرائيل اليوم، بما تمارسه من إبادة ووحشية وتغول، وبفعل المقاومة تدخل مرحلة العزلة والاستنزاف الشامل لعوامل بقائها، التي يحكمها ناموس الطبيعة حتى قبل أن تدخل حسابات السياسة.

وفي فلسفة التاريخ أيضا، كل إمبراطورية بنت مجدها على القوة العارية والإخضاع بلغت ذروة ما، ثم انقلب عليها الزمن، لأن استمرارها كان مرهونا بخلق اختلال دائم في التوازن. وعندما يختل التوازن مع المحيط، يبدأ قانون الانقراض بالعمل.
ولهذا، فإن إسرائيل، بكونها كيانا هجينا، لا يمكنها أن تتحدى هذه القوانين إلى الأبد. فالزمن أشبه بمحيط حيّ يرفض الكائنات غير القابلة للتكامل.

لهذا أقول: ليس أمامنا سوى أن نتمسك بخيار المقاومة، مع كل ما يتطلبه من مراجعة وتطوير وعقلنة، لأن الاستسلام لا يحفظ حياة أحد، بل يضمن الزوال. ما يمنحنا البقاء ليس الإفلات المؤقت من الموت، بل الإصرار على الحياة في وجه المحو.

قد يختلف موقعنا في هذه المعركة بين داخل الحصار وخارجه، لكن مصيرنا واحد، ومعركتنا واحدة.

حماكم الله وحمى غزة، التي تبقى، رغم الجراح، أنقى ما أنجبته فلسطين والأمة.


غانية ملحيس
9/9/2025


============


2- رسالة شجاع


والله يا أستاذة غانية ما تزعلي مني، بس فعلا أنتِ لا تقدرين الموقف على الاطلاق !!
هل تظنين أن أحدا في غز.ة لديه رفاهية قراءة كل هذا الاسهاب؟
من الممكن جدا أن أفرد منشورا في صفحتي وأوجهه لحضرتك مبنيا على آرائك ، ولكني لا أعرف ردة الفعل السيئة من الغزيين ولا أريد أن يساء فهمك ويساء لحضرتك .
على العموم من في متسع ليس كمن في مطحنة، من يتلقى الصوا.ريخ ليس كمن يتأمل الطيور.
من تلقى أوامر إخلاء منذ الصباح ويتخبط لا يعرف أين يذهب بأسرته، ليس كمن استيقظ واحتسى قهوته وتناول كرواسون وجلس ليتصفح أخبار غز.ة.
الخلاصة لأني أودع بيتي ولن أستنزف بقايا صحتي في جدل حول المقا.ومة بنظرك ونظري ونظر المتابعين ، عليك أن تفرقي وتميزي بين مقا.ومة حما..س بنكبة أكتوبر وهي انتحار مؤكد وحماقة ورعونة وسوءتقدير وسوء حسابات ، وبين مشروعية مقا.ومة الشعب الفلسطيني للاحتلا.ل .
هذه الخلاصة، وهذا كلام موجه لحضرتك ، لست بصدد الجدل مع أحد من الطبالين والا ستكون ردة فعلي تليق بمقامه الدموي البشع .
تحياتي ، ولا تنسي أن تجهزي رثاء ونعيا لنا ولأطفالنا يثلج صدور المشتبكين في الرخاء .
ولن أناقش مجددا لأني فهمت أن توضيح الحقائق لا يستفز حتى انسانيتكم أو مشاعركم ،، تنظير تنظير تنظير ولتمت غزة .

شجاع الصفدي 9/9/2025

///


‎ 3- رسالة غانية ملحيس


شجاع الصفدي

شجاع العزيز

أشعر بكل ما تحمله كلماتك من وجع مكتوب بنار الإبادة، وأتفهم صرختك في قلب هذا الجحيم. إنك لا تكتب رأيا بل تكتب حياتك المهددة ولحظتك المحترقة. ولو كنت مكانك، ربما ما اختلف قولي عن قولك، ولا عن قول كل من هو في قلب النار. فقد مررت عام 1982 بظروف شبيهة، تنقلت خلالها تحت القصف بين 14 مكانا خلال شهرين ونصف طلبا للنجاة بأطفالي. وأعلم أن ما تواجهه غزة اليوم من وحشية وهمجية يفوق ما عرفته البشرية عبر تاريخها المدون قديمه وحديثه.
وأعي أن من هو في قلب النار لا يملك ترف التنظير، ولا يقوى على سماع من لا يساعده على إطفاء لهيبها.
لك كامل الحق أن تتخيل أن من هم خارج غزة قد يغيب عنهم ما يجري في داخلها. لكن لعلّك تنسى أن غالبية الفلسطينيين يعيشون منذ 78 عاما إما شهداء أو مشاريع شهداء، وأنهم اختبروا الإبادة واللجوء والنزوح./ في الطنطورة ودير ياسين وكفر قاسم وخان يونس ورفح وتل الزعتر وجسر الباشا وضبية وصبرا وشاتيلا ونهر البارد واليرموك والنيرب الخ …/وأكثرنا أهل غزة، الذين فاقوا الجميع في اختبار المجازر والحروب المتكررة على مدى أكثر من قرن، وخصوصا منذ نكبة 1948 مرورا بعدوان 1956–1957، وحروب ما بعد 1967، وبالحروب الخمسة خلال أقل من عقدين وصولا الى جولة الإبادة الجماعية المتصاعدة منذ عامين.
لذلك، فإن رفض القول بأن المقاومة انتحار ليس إنكارا لوجعك ووجع الغزيين، ولا تقليلا من حجم النار التي تعيشونها ، بل هو دفاع عن جوهر الوجود ذاته. الانتحار هو انطفاء المعنى، أما المقاومة حتى -وسط الموت والخراب- فهي حماية لحق الحياة، وصناعة معنى يبقي لنا افقا وأرضا وذاكرة.
جميعنا نحمل نفس الجرح، واختلاف الموقع يغيّر فقط اللغة التي نصرخ بها، وليس الحقيقة التي نتقاسمها.
حماكم الله وحمى غزة التي ستبقى عصية على الزوال . وحمى شعبها الأبي الذي سيبقى عصيا على الفناء.

غانية ملحيس



==========

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى