. محمد الهادي الطاهري - نحن من سلالة تعيش

المعروف عن أغلب أهل بلدتنا رجالا أو نساء أنّهم كانوا يعيشون طويلا، وقد لاحظ ذلك بعض أصدقائي حين وقفنا ذات يوم في مقبرة البلدة نودّع قريبا من الأقرباء. قال الصديق تبيّن لي وأنا أقرأ أسماء الموتى وتواريخ ميلادهم ووفاتهم أنّ من أطول رجال بلدتكم أعمارا أبا جمعة اليعقوبي، فهلاّ حدثتني عنه إن كنتَ أدركته؟ قلت: المعروف عن أبي جمعة اليعقوبي رحمه الله أنّه لم يكن يشبه أحدا من أبناء البلدة في شيء، فقد كان متمسّكا بلباس الجبّة والسراويل العربيّة القصيرة الفضفاضة والشاشية الحمراء واللحاف الأبيض بعد أن تخلّى عن ذلك غيره واستبدلوها بالبلوزة والسراويل الإفرنجية الطويلة. وكان رحمه الله خلافا لرجال أهل البلدة قليل الولد فلم يُعرف له غير ابن وحيد قيل إنّه فرّ بجلده هربا من سطوة أبيه وهو ابن عشر سنوات. وكان ذلك فرصة لأبي جمعة ليخلو بأهل بيته طول حياته، ومن المعروف عنه أيضا أنّه لم يكن يرعى شاة أو بقرة قطّ وكان لا يملك من الحيوان غير كلب شرس وبغل يستعمله لجلب الماء والحطب، وكان لا يفلح أرضه بيديه أبدا ويكتفي بما يعود إليه من كرائها لبعض الراغبين فيها. وكان يقضي اليوم كلّه مستلقيا إمّا في ظلّ حوشه أو في ظلّ شجرة التين العملاقة، فإذا جنّ الليل ركب بغله ومضى إلى بعض الحوانيت ليلعب الورق. وأمّا ابنه فقد بلغني أنّه انتهى في فراره منه إلى إحدى البلدات الساحليّة وأنّه تعلّم القراءة والكتابة وأنّه انتصر في الخصومة بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف إلى الثاني وأنّه دفع ثمن هذا الانتصار أعواما من السجن ونفيا من الأرض. ولم يسلم أبو جمعة ممّا أتاه ابنه فقد ضيّق عليه الحاكم وأشاع بين الناس أنّه أنشأ ابنه على التمرّد فتمرّد عليه أولا ثمّ تمرّد على الدولة ثانيا لذلك كان أغلب أهل البلدة يتحاشون الجلوس إليه ويخيفون الأطفال بما يروونه عنه من حكايات، فقد قيل لنا مثلا إنّه كان يأكل في الوجبة الواحدة ما يأكله ثلاثة رجال مجتمعين، وأنّه رمى عمدة البلدة بحجر الرحى حين جاء يتقصى خبر ابنه أيام الفتنة اليوسفيّة وأنّه كان في يوم موته يضرب الأرض بعصاه إلى أن توفّاه الله. قال صديقي: أبو جمعة هذا أم أبو الهول؟ قلت: ذلك ممّا يشاع عنه، والثابت عندي أنه كان يأنف أن يعيش كما يعيش الناس وأنّه كان يقول: الليل والناس ظُلاّم والقلب نهّاد والرب علاّم شهّاد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى