******
يعدّ الشاعر المغربي عزوز العيساوي (مواليد 1961، تازة) واحدًا من الأصوات الشعرية التي اختارت أن تحفر مجراها الخاص في خريطة الشعر المغربي المعاصر. فقد قضى طفولته في مدينة جرادة، ثم نال الإجازة في الأدب العربي من جامعة محمد الأول بوجدة سنة 1985، ليزاوج بين مهنته كمدرس وإطار إداري تربوي وبين شغفه العميق بالشعر والكتابة. صدرت له مجموعتان شعريتان: "همس الليالي" (2016) و"عندما يعشق آدم" (2017)، وله مخطوطات قيد النشر مثل "هوس السؤال" و"عودة اليمام"، إضافة إلى رواية "سيرة العته والجنون".
تجربة العيساوي تتسم بخصوصية بارزة؛ إذ يكتب عبر ثلاثة أنماط شعرية: القصيدة العمودية، قصيدة التفعيلة، والقصيدة النثرية، دون أن يقع في التنافر بين هذه الأشكال، بل يوظفها بذكاء ليعبر عن أعمق هواجسه وأرقّه الشعورية. إن ما يجمع بين هذه التجارب هو نزوعه المستمر نحو الرمزية، حيث لا يقدم المعنى مباشرة، وإنما يكتفي بالتلميح، تاركًا الباب مفتوحًا أمام القارئ ليعيد تركيب الدلالات في ضوء تجربته الوجدانية الخاصة.
في دواوينه، يتبدى الشعر بوصفه رحلة داخل الذات، يغوص في طبقات الإحساس بالاغتراب والقلق والحنين، لكنه لا يستسلم للمباشرة، بل يحتمي بالصور المكثفة، والاستعارات الشفيفة، والإيقاعات المتكسّرة التي تترجم اهتزازات الروح. فالقصيدة عنده فضاء للتأمل في هشاشة الكائن الإنساني، وفي حدود اللغة حين تحاول القبض على ما لا يُقال.
ويمكن القول إن العيساوي يكتب شعرًا يجمع بين الموسيقى الداخلية والحمولة الرمزية؛ فهو لا يبحث عن الزخرف الخارجي بقدر ما يفتش عن لغة تلمس الجوهر، لغة تتأرجح بين همس الليل وصخب السؤال، بين الحضور والغياب. إن توتره بين الكلاسيكي والحديث يكشف عن شاعر مخلص لفكرة أن الشعر ليس شكلاً ثابتًا، بل هو حالة وجودية تستمد مشروعيتها من صدق التجربة وعمق الرؤية.
وإذا كان بعض النقاد يرون أن الرمزية قد تبعد القارئ أحيانًا، فإن تجربة العيساوي على العكس تحاول أن تستفز القارئ، وتدفعه إلى المشاركة في بناء النص، ليصبح المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرد متلقٍ سلبي. وهذا ما يمنح قصيدته حيوية وتألقًا خاصًا في المشهد الشعري المغربي.
إن عزوز العيساوي شاعر يكتب بروح مفتوحة على الأسئلة الكبرى:الذات، الوجود، الحب، الاغتراب. قصيدته ليست تقريرًا للواقع، وإنما هي محاولة لإضاءة ما وراءه. ومن هنا يمكن القول إن العيساوي قد شق لنفسه مسارًا متفردًا، يزاوج بين التراث الشعري ورؤى الحداثة، ليمنح القارئ شعرًا يتردد صداه في الداخل أكثر مما يُسمع في الخارج.
- لغة عزوز العيساوي هي :لغة مشبعة بالرمزية والظلال، تقوم على الإيحاء أكثر مما تقوم على التصريح. فهي لغة مترددة بين البوح والكتمان، بين الانكشاف والاختباء. ولا يركن الشاعر إلى المباشرة أو الخطاب المنبري، بل يجنح إلى لغة شفافة تتسرب كالماء إلى أعماق القارئ، وتستفز فيه حسّ التأمل أكثر من حسّ الاستهلاك العابر.
وفي هذا السياق يمكن القول إن العيساوي يلتقي مع تجربة محمد علي الرباوي في رصانة العبارة واستلهام البعد الروحي، ومع حسن الأمراني في قدرته على إضفاء بُعد وجداني مشحون بالأسئلة الوجودية، بينما يقترب من إدريس الوغيش في نزوعه إلى تصوير تفاصيل الذات والهموم اليومية برمزية ناعمة.
- الصورة لدى عزوز العيساوي ليست مجرد زخرفة بل هي داة كشف وجودي، تكسر المألوف وتفتح منافذ على العوالم الداخلية للذات. فهو يوظف الصورة كجسر بين الواقع والحلم، بين اللغة المباشرة والعالم الرمزي الغامض.
تتنوع صوره بين:
الصورة الكلاسيكية التي تستعير من الموروث البلاغي (التشبيه، الاستعارة، الكناية).
والصورة الرمزية الحديثة التي تقوم على التلميح وتكثيف المعنى.
والصورة الوجدانية التي تترجم مشاعر الاغتراب، الحنين، والبحث عن الألفة في عالم متصدع.
وإذا كان الرباوي يميل إلى صورة مشبعة بالبعد الصوفي، والأمراني إلى صورة مثقلة بالرموز التاريخية والدينية، والوغيش إلى صورة مغموسة في تفاصيل الواقع الاجتماعي، فإن العيساوي يجمع بين هذه الاتجاهات ليصوغ صورته الخاصة: صورة متوترة بين الغياب والحضور، بين الاغتراب والبحث عن هوية روحية.
- إن تجربة عزوز العيساوي تمثل امتداداً للتيار الرمزي والوجداني في الشعر المغربي المعاصر، فهي لا تنغلق في قوالب كلاسيكية جامدة، ولا تذوب كلياً في تجارب قصيدة النثر الحداثية، بل تحاول أن تبني جسراً بين الأشكال: الكلاسيكي، التفعيلي، والنثري.
مقارنةً بـالشاعرمحمد علي الرباوي، نجد أن العيساوي يتقاطع معه في البعد الروحي واللغة المتأملة، لكنه أقل صوفية وأكثر انغماساً في تفاصيل الذات الفردية. ومع الشاعرحسن الأمراني يلتقي في استدعاء الرمز التاريخي والديني، لكن العيساوي يفضّل الإيحاء على المباشرة. أمّا مع إدريس الوغيش، فإنه يشترك في تصوير الهموم اليومية والاجتماعية، غير أن العيساوي يغلفها بغلالة من الرمزية تجعلها أكثر غموضاً وتأملاً.
بهذا المعنى، يشكّل العيساوي صوتاً وسيطاً بين جيلٍ متشبث بجذور القصيدة العربية التقليدية، وجيلٍ آخر يغامر في فضاءات قصيدة النثر؛ إنه شاعر يكتب من قلب الاغتراب الوجودي، ويسعى إلى تحويل معاناة الذات إلى قصيدة تلمّح أكثر مما تصرّح، لتبقى مفتوحة على قراءات متعددةأخرى.وهذه نماذج من نصوصه الشعرية.
-تتكسر المعاني شظايا
نُوتات من وجع.
والحرف يَخِرُّ صريعا من نزيف الاحتضار.
الليل يُلْبِسني من قتامته
قميص حيرة أسود.
مَجَرَّة الكون تفُكُّ أزرار ها
من مخاض فتُجْهِض خلف
تلال الضياع
ألْفَ نجمة ونَيْزَك قبل التمام.
بنواجدي أعضُّ على تلابيب الليل.
وأَمْتَطي صَهْوة
قصيدة مُسْرَجَة بأحمالِ الاشتياق.
للحرف بياض بلون الفصاحة النادرَة،
والسؤالُ الأجوفُ صريرُ
أَقْفال صَدِئَتْ من أمطار تَنْهَمِر.
أَلُّفُّ الشوارع البِكْرَ
على بُكْرَة صباح كأحلامٍ لا تستقيم.
ومن حِيَاضِ الشمسِ أرتوي
وأمسح عن عروقي رعشة مسِّ من قدر.
قلادة عزمي على أكتاف الإصرار.
حقيبتي حنين ،
و أسرار أمنيات لا تَنْثَني،
تلفها مناديل
لا يعجبها الالتواءُ والانحناءُ.
- يس أنا
مازلنا
نزرعُ الوهمَ في فَمِ الريح،
نُقَلِّبُ راحَةَ الوقتَ،
ونمسحُ جبينَ الذكرى من نزيفِ عَرَقٍ لا ينقطِع..
نقْتَاتُ لِجُوعِنا فَنبْتَلِعُ الحَصَاة ..
نتَشَظَّى
كَلُعْبَةِ بين أنامل طِفْلٍ يُمَازِحُها عَبَثًا
لِنرتَفِعَ بنصفِ جناحٍ نَيْزَكًا مَمْسُوخًابلا حرائق.
مازلنا نَدِبُّ من صخبٍ
كنهرٍ تُعَاكِسُهُ أقدام أغصَان الدَّوحِ
لِنصِيرَ جَدْوَلا خَارتْ قُواه ،
أو سَاقِيَةً ضَيَّعَتْ طَرِيقَها بين رابِضَاتِ
الصُّخُورِ ..
مازلنا بَقِيَةً من رَذَاذٍ
تَشْكُو حَناجرنا
من جَفَافٍ بعد طُولِ انحناء
ورَقْصٍ وئيدٍ في مَحَافِل ماء
كقَطْرَةٍ تَبَخَّرَتْ في جِيَاعِ القِرَاب ...
وهذا البحر يُمَرِّنُ كَفَّ الماءِ ليَرْجُمَنا
حين الاحتضانِ ...
كما المَوْجُ يُعلِّمُ صغَارَ محَاره
لِيَمْتَصَّ شَرْيَانَ الخلود حين الوِصَالِ...
مازلنا
تُصَيرُنا ريحُ الفَجَاءةِ
نُدفَةَ ثلجٍ فقدت حجمها على نار شمس
ثم ذابت في انكسار ...
مازلنا كنايٍ يجتَرُّ أمعاءَهُ
تَنْفُخُ رؤوسنا
ريحُ الخَوَاءِ لتقْتُلَ جُوعَ السؤال..
فننتهِي فَقَاقِيعَ ماءٍ يفْقَأُهَا الضُّمُورُ ،
مازلنا هاهنا كما الأمسِ
وأمس الأمس ،
لا ظِلَّ
يُؤنسُنا في غياب شمس النهار.
مازلنا كما كنا
ولا شيء فينا
يقبل الانزياح..
يعدّ الشاعر المغربي عزوز العيساوي (مواليد 1961، تازة) واحدًا من الأصوات الشعرية التي اختارت أن تحفر مجراها الخاص في خريطة الشعر المغربي المعاصر. فقد قضى طفولته في مدينة جرادة، ثم نال الإجازة في الأدب العربي من جامعة محمد الأول بوجدة سنة 1985، ليزاوج بين مهنته كمدرس وإطار إداري تربوي وبين شغفه العميق بالشعر والكتابة. صدرت له مجموعتان شعريتان: "همس الليالي" (2016) و"عندما يعشق آدم" (2017)، وله مخطوطات قيد النشر مثل "هوس السؤال" و"عودة اليمام"، إضافة إلى رواية "سيرة العته والجنون".
تجربة العيساوي تتسم بخصوصية بارزة؛ إذ يكتب عبر ثلاثة أنماط شعرية: القصيدة العمودية، قصيدة التفعيلة، والقصيدة النثرية، دون أن يقع في التنافر بين هذه الأشكال، بل يوظفها بذكاء ليعبر عن أعمق هواجسه وأرقّه الشعورية. إن ما يجمع بين هذه التجارب هو نزوعه المستمر نحو الرمزية، حيث لا يقدم المعنى مباشرة، وإنما يكتفي بالتلميح، تاركًا الباب مفتوحًا أمام القارئ ليعيد تركيب الدلالات في ضوء تجربته الوجدانية الخاصة.
في دواوينه، يتبدى الشعر بوصفه رحلة داخل الذات، يغوص في طبقات الإحساس بالاغتراب والقلق والحنين، لكنه لا يستسلم للمباشرة، بل يحتمي بالصور المكثفة، والاستعارات الشفيفة، والإيقاعات المتكسّرة التي تترجم اهتزازات الروح. فالقصيدة عنده فضاء للتأمل في هشاشة الكائن الإنساني، وفي حدود اللغة حين تحاول القبض على ما لا يُقال.
ويمكن القول إن العيساوي يكتب شعرًا يجمع بين الموسيقى الداخلية والحمولة الرمزية؛ فهو لا يبحث عن الزخرف الخارجي بقدر ما يفتش عن لغة تلمس الجوهر، لغة تتأرجح بين همس الليل وصخب السؤال، بين الحضور والغياب. إن توتره بين الكلاسيكي والحديث يكشف عن شاعر مخلص لفكرة أن الشعر ليس شكلاً ثابتًا، بل هو حالة وجودية تستمد مشروعيتها من صدق التجربة وعمق الرؤية.
وإذا كان بعض النقاد يرون أن الرمزية قد تبعد القارئ أحيانًا، فإن تجربة العيساوي على العكس تحاول أن تستفز القارئ، وتدفعه إلى المشاركة في بناء النص، ليصبح المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرد متلقٍ سلبي. وهذا ما يمنح قصيدته حيوية وتألقًا خاصًا في المشهد الشعري المغربي.
إن عزوز العيساوي شاعر يكتب بروح مفتوحة على الأسئلة الكبرى:الذات، الوجود، الحب، الاغتراب. قصيدته ليست تقريرًا للواقع، وإنما هي محاولة لإضاءة ما وراءه. ومن هنا يمكن القول إن العيساوي قد شق لنفسه مسارًا متفردًا، يزاوج بين التراث الشعري ورؤى الحداثة، ليمنح القارئ شعرًا يتردد صداه في الداخل أكثر مما يُسمع في الخارج.
- لغة عزوز العيساوي هي :لغة مشبعة بالرمزية والظلال، تقوم على الإيحاء أكثر مما تقوم على التصريح. فهي لغة مترددة بين البوح والكتمان، بين الانكشاف والاختباء. ولا يركن الشاعر إلى المباشرة أو الخطاب المنبري، بل يجنح إلى لغة شفافة تتسرب كالماء إلى أعماق القارئ، وتستفز فيه حسّ التأمل أكثر من حسّ الاستهلاك العابر.
وفي هذا السياق يمكن القول إن العيساوي يلتقي مع تجربة محمد علي الرباوي في رصانة العبارة واستلهام البعد الروحي، ومع حسن الأمراني في قدرته على إضفاء بُعد وجداني مشحون بالأسئلة الوجودية، بينما يقترب من إدريس الوغيش في نزوعه إلى تصوير تفاصيل الذات والهموم اليومية برمزية ناعمة.
- الصورة لدى عزوز العيساوي ليست مجرد زخرفة بل هي داة كشف وجودي، تكسر المألوف وتفتح منافذ على العوالم الداخلية للذات. فهو يوظف الصورة كجسر بين الواقع والحلم، بين اللغة المباشرة والعالم الرمزي الغامض.
تتنوع صوره بين:
الصورة الكلاسيكية التي تستعير من الموروث البلاغي (التشبيه، الاستعارة، الكناية).
والصورة الرمزية الحديثة التي تقوم على التلميح وتكثيف المعنى.
والصورة الوجدانية التي تترجم مشاعر الاغتراب، الحنين، والبحث عن الألفة في عالم متصدع.
وإذا كان الرباوي يميل إلى صورة مشبعة بالبعد الصوفي، والأمراني إلى صورة مثقلة بالرموز التاريخية والدينية، والوغيش إلى صورة مغموسة في تفاصيل الواقع الاجتماعي، فإن العيساوي يجمع بين هذه الاتجاهات ليصوغ صورته الخاصة: صورة متوترة بين الغياب والحضور، بين الاغتراب والبحث عن هوية روحية.
- إن تجربة عزوز العيساوي تمثل امتداداً للتيار الرمزي والوجداني في الشعر المغربي المعاصر، فهي لا تنغلق في قوالب كلاسيكية جامدة، ولا تذوب كلياً في تجارب قصيدة النثر الحداثية، بل تحاول أن تبني جسراً بين الأشكال: الكلاسيكي، التفعيلي، والنثري.
مقارنةً بـالشاعرمحمد علي الرباوي، نجد أن العيساوي يتقاطع معه في البعد الروحي واللغة المتأملة، لكنه أقل صوفية وأكثر انغماساً في تفاصيل الذات الفردية. ومع الشاعرحسن الأمراني يلتقي في استدعاء الرمز التاريخي والديني، لكن العيساوي يفضّل الإيحاء على المباشرة. أمّا مع إدريس الوغيش، فإنه يشترك في تصوير الهموم اليومية والاجتماعية، غير أن العيساوي يغلفها بغلالة من الرمزية تجعلها أكثر غموضاً وتأملاً.
بهذا المعنى، يشكّل العيساوي صوتاً وسيطاً بين جيلٍ متشبث بجذور القصيدة العربية التقليدية، وجيلٍ آخر يغامر في فضاءات قصيدة النثر؛ إنه شاعر يكتب من قلب الاغتراب الوجودي، ويسعى إلى تحويل معاناة الذات إلى قصيدة تلمّح أكثر مما تصرّح، لتبقى مفتوحة على قراءات متعددةأخرى.وهذه نماذج من نصوصه الشعرية.
-تتكسر المعاني شظايا
نُوتات من وجع.
والحرف يَخِرُّ صريعا من نزيف الاحتضار.
الليل يُلْبِسني من قتامته
قميص حيرة أسود.
مَجَرَّة الكون تفُكُّ أزرار ها
من مخاض فتُجْهِض خلف
تلال الضياع
ألْفَ نجمة ونَيْزَك قبل التمام.
بنواجدي أعضُّ على تلابيب الليل.
وأَمْتَطي صَهْوة
قصيدة مُسْرَجَة بأحمالِ الاشتياق.
للحرف بياض بلون الفصاحة النادرَة،
والسؤالُ الأجوفُ صريرُ
أَقْفال صَدِئَتْ من أمطار تَنْهَمِر.
أَلُّفُّ الشوارع البِكْرَ
على بُكْرَة صباح كأحلامٍ لا تستقيم.
ومن حِيَاضِ الشمسِ أرتوي
وأمسح عن عروقي رعشة مسِّ من قدر.
قلادة عزمي على أكتاف الإصرار.
حقيبتي حنين ،
و أسرار أمنيات لا تَنْثَني،
تلفها مناديل
لا يعجبها الالتواءُ والانحناءُ.
- يس أنا
مازلنا
نزرعُ الوهمَ في فَمِ الريح،
نُقَلِّبُ راحَةَ الوقتَ،
ونمسحُ جبينَ الذكرى من نزيفِ عَرَقٍ لا ينقطِع..
نقْتَاتُ لِجُوعِنا فَنبْتَلِعُ الحَصَاة ..
نتَشَظَّى
كَلُعْبَةِ بين أنامل طِفْلٍ يُمَازِحُها عَبَثًا
لِنرتَفِعَ بنصفِ جناحٍ نَيْزَكًا مَمْسُوخًابلا حرائق.
مازلنا نَدِبُّ من صخبٍ
كنهرٍ تُعَاكِسُهُ أقدام أغصَان الدَّوحِ
لِنصِيرَ جَدْوَلا خَارتْ قُواه ،
أو سَاقِيَةً ضَيَّعَتْ طَرِيقَها بين رابِضَاتِ
الصُّخُورِ ..
مازلنا بَقِيَةً من رَذَاذٍ
تَشْكُو حَناجرنا
من جَفَافٍ بعد طُولِ انحناء
ورَقْصٍ وئيدٍ في مَحَافِل ماء
كقَطْرَةٍ تَبَخَّرَتْ في جِيَاعِ القِرَاب ...
وهذا البحر يُمَرِّنُ كَفَّ الماءِ ليَرْجُمَنا
حين الاحتضانِ ...
كما المَوْجُ يُعلِّمُ صغَارَ محَاره
لِيَمْتَصَّ شَرْيَانَ الخلود حين الوِصَالِ...
مازلنا
تُصَيرُنا ريحُ الفَجَاءةِ
نُدفَةَ ثلجٍ فقدت حجمها على نار شمس
ثم ذابت في انكسار ...
مازلنا كنايٍ يجتَرُّ أمعاءَهُ
تَنْفُخُ رؤوسنا
ريحُ الخَوَاءِ لتقْتُلَ جُوعَ السؤال..
فننتهِي فَقَاقِيعَ ماءٍ يفْقَأُهَا الضُّمُورُ ،
مازلنا هاهنا كما الأمسِ
وأمس الأمس ،
لا ظِلَّ
يُؤنسُنا في غياب شمس النهار.
مازلنا كما كنا
ولا شيء فينا
يقبل الانزياح..